ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يُعد التعرف المبكر إلى اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) من العوامل المهمة التي تسهم في توفير التدخلات المناسبة ودعم النمو الاجتماعي والتواصلي والأكاديمي للأطفال. ومع ذلك، تشير الممارسات السريرية والدراسات الحديثة إلى أن بعض الأطفال، وخاصة الفتيات، قد لا يُشخَّصن في الوقت المناسب نتيجة اختلاف أنماط ظهور الأعراض مقارنةً بالأنماط التشخيصية التقليدية. ويساعد فهم هذه الفروق في تحسين دقة التقييم وتقليل احتمالية التأخر في التشخيص، بما يتيح تقديم الدعم المناسب في مرحلة مبكرة.
تشير البيانات الوبائية إلى أن تشخيص اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) يُسجل لدى الذكور بمعدل يفوق الإناث؛ إذ تشير تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (Centers for Disease Control and Prevention – CDC) إلى وجود أكثر من أربعة ذكور مشخصين مقابل كل أنثى مشخصة. وقد أرجعت بعض الدراسات هذا التفاوت إلى عوامل وراثية، في حين يرى باحثون وممارسون سريريون أن عددًا من الفتيات ذوات الأداء الوظيفي المرتفع نسبيًا قد لا يُشخَّصن في الوقت المناسب. وقد أُطلق على بعض هؤلاء الفتيات في الأدبيات وصف «الفتيات المفقودات» (Lost Girls) أو «المختفيات على مرأى من الجميع» (Hiding in Plain Sight)، في إشارة إلى تأخر ملاحظة أعراضهن أو تشخيصهن رغم وجودها. ويُعزى ذلك إلى أن أنماط ظهور الأعراض لديهن قد تختلف عن الصورة النمطية الشائعة لاضطراب طيف التوحد، أو قد تُفسر على أنها ترتبط بحالات أخرى، كما قد تتمكن بعض الفتيات من إخفاء مظاهر الأعراض أو تعويضها سلوكيًا، خاصة خلال السنوات الأولى من العمر.
ومن الأمثلة على ذلك حالة إحدى الأمهات، وتُدعى ميليسا (Melissa)، إذ شُخِّص كل من طفليها باضطراب طيف التوحد، إلا أن أعراض ابنتها ليزا (Lisa) كانت أكثر وضوحًا من أعراض شقيقها جاستن (Justin)، ومع ذلك لم يُتوصل إلى تشخيصها إلا بعد مرور ثلاث سنوات من مراجعة عدد من المختصين.
وبحسب والدتها، أظهرت ليزا العديد من المؤشرات المرتبطة باضطراب طيف التوحد؛ فقد عانت من تأخر ملحوظ في تطور اللغة، ولم تبدأ باستخدام الجمل إلا في سن الرابعة، كما لم تُظهر اللعب التخيلي، وكانت تمر بعدة نوبات انفعالية يوميًا. كذلك كانت تصطف ألعابها المحشوة في صفوف منتظمة، وتكرر الدوران حول نفسها، وتبحث باستمرار عن المدخلات الحسية، إضافة إلى صعوبة كبيرة في التكيف مع أي تغيير في الروتين اليومي.
وعلى الرغم من أن هذه الصعوبات أهلتها للحصول على خدمات التدخل المبكر (Early Intervention) منذ عمر ثمانية عشر شهرًا، فإن تشخيصها باضطراب طيف التوحد لم يتم إلا عند بلوغها السادسة من العمر، بعد تقييم أجراه طبيب أعصاب نمائي (Developmental Neurologist).
في المقابل، شُخِّص شقيقها جاستن بالاضطراب في العمر نفسه، إلا أن ذلك تم منذ التقييم الأول، على الرغم من أن مظاهر الاضطراب لديه كانت أقل وضوحًا مقارنةً بأخته.
وأوضحت والدته أن أحد أطباء الأطفال المتخصصين في النمو كان يعتقد أن اضطراب طيف التوحد غير شائع بين الفتيات، ولذلك قدم تفسيرات بديلة لسلوكيات ليزا بدلًا من النظر إليها بوصفها مؤشرات محتملة للاضطراب. ففي إحدى المرات، أُبلغت الأسرة بأن انخفاض تقدير الطفلة لذاتها هو السبب في عدم تحدثها، كما عُزيت بعض الصعوبات التي كانت تواجهها إلى أساليب التربية، في حين لم تُطرح هذه التفسيرات عند تقييم شقيقها.
لماذا قد لا تتوافق الفتيات مع الصورة النمطية لاضطراب طيف التوحد؟
يُعد اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) أحد الاضطرابات النمائية العصبية، ويتميز بصعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب أنماط من السلوكيات أو الاهتمامات المقيدة أو التكرارية. كما قد يعاني كثير من الأطفال من صعوبات في المعالجة الحسية (Sensory Processing) بدرجات متفاوتة.
إلا أن الصورة النمطية التي استند إليها تشخيص اضطراب طيف التوحد تاريخيًا بُنيت في الغالب على أنماط ظهور الأعراض لدى الذكور أكثر من الإناث. ولا يعني ذلك أن الفتيات لا تنطبق عليهن معايير التشخيص، وإنما قد تظهر لديهن الأعراض بصورة أقل وضوحًا، أو تختلف في طريقة ظهورها، ولا سيما فيما يتعلق بالسلوكيات التكرارية والاهتمامات المقيدة.
وقد تؤثر الصور النمطية المرتبطة باهتمامات الأطفال في ملاحظة هذه الاختلافات. فعلى سبيل المثال، قد يُنظر إلى اهتمام مفرط بالجداول الزمنية للقطارات لدى أحد الذكور على أنه سلوك غير معتاد، في حين قد لا يلفت اهتمام فتاة شديد بالخيول أو حيوانات اليونيكورن الانتباه، لأنه يتوافق ظاهريًا مع اهتمامات شائعة لدى بعض الفتيات. ومع ذلك، فإن ما ينبغي الانتباه إليه ليس نوع الاهتمام فحسب، وإنما شدته، ومدى انشغال الطفلة به مقارنةً بما هو متوقع لعمرها.
وأشارت إحدى الدراسات المنشورة في جامعة ستانفورد (Stanford University) عام 2005 إلى أن الفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد يُظهرن سلوكيات تكرارية واهتمامات مقيدة بدرجة أقل من الذكور، كما أوضحت الدراسة وجود بعض الفروق الدماغية بين الجنسين قد تسهم في تفسير هذا الاختلاف.
كما قد تميل بعض الفتيات إلى ضبط سلوكهن بصورة أكبر في البيئات العامة، مثل المدرسة، الأمر الذي قد يجعل الفروق السلوكية أقل وضوحًا للمعلمين. فقد تُظهر بعض الفتيات تواصلًا بصريًا أفضل نسبيًا، أو يبادلن الآخرين الابتسام، أو يبدين رغبة أكبر في التفاعل الاجتماعي مقارنةً بما توحي به الصورة النمطية لاضطراب طيف التوحد، مما قد يؤدي إلى تأخر ملاحظة الصعوبات الأساسية في التواصل الاجتماعي. وقد تبدو بعض الفتيات مهتمات بإقامة العلاقات الاجتماعية، إلا أنهن يواجهن صعوبة في فهم قواعد التفاعل الاجتماعي أو الحفاظ على العلاقات الاجتماعية مع مرور الوقت، وهو ما قد يجعل مظاهر الاضطراب أكثر دقة وأقل لفتًا للانتباه في المراحل العمرية المبكرة.
التشخيصات الخاطئة وتأخر التشخيص (Another Problem: Misdiagnoses)
قد يؤدي تشخيص بعض الفتيات بحالات أخرى، أو تأخر تشخيص اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD)، إلى تأخر حصولهن على الدعم المناسب. وتشير الملاحظات السريرية إلى أن بعض الفتيات اللاتي لم يُشخَّصن باضطراب طيف التوحد في مرحلة مبكرة قد يطوّرن مع مرور الوقت أعراضًا مثل القلق، أو الاكتئاب، أو انخفاض تقدير الذات. وفي بعض الحالات، قد يركز التقييم على هذه الأعراض بوصفها المشكلة الرئيسة، دون التعمق في تقييم الصعوبات الأساسية المتعلقة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي، والتي قد تكون مرتبطة باضطراب طيف التوحد.
كما قد تُشخَّص بعض الفتيات في مرحلة مبكرة بـ اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder – ADHD)، في حين أنهن يستوفين أيضًا معايير تشخيص اضطراب طيف التوحد. ويرجع ذلك إلى أن مظاهر الصعوبات الاجتماعية قد تظهر بصورة مختلفة عن الصورة النمطية المتوقعة، مما قد يؤدي إلى عدم ملاحظة اضطراب طيف التوحد خلال التقييم الأولي.
لماذا تستطيع بعض الفتيات إخفاء الأعراض لفترة من الزمن؟
قد لا يُشخَّص بعض الفتيات باضطراب طيف التوحد في سنوات الطفولة الأولى لأن بعضهن يتمكنّ من إخفاء مظاهر الاضطراب أو تعويضها سلوكيًا لفترة من الزمن.
فقد تحاول بعض الفتيات ملاحظة سلوك الآخرين وتقليده دون فهم كامل للقواعد الاجتماعية الضمنية التي تحكم التفاعل الاجتماعي، الأمر الذي قد يساعدهن على الظهور بمظهر الاندماج الاجتماعي خلال المراحل الدراسية الأولى. إلا أن هذا الأسلوب قد يصبح أقل فاعلية مع التقدم في العمر، عندما تصبح العلاقات الاجتماعية أكثر تعقيدًا وتتطلب قدرًا أكبر من الفهم الاجتماعي والتفاعل المتبادل. كما قد تبذل بعض الفتيات جهدًا كبيرًا في محاولة الاندماج مع أقرانهن، وهو ما قد يزيد من الإجهاد النفسي مع مرور الوقت.
وينطبق ذلك على ليزا (Lisa)، التي أصبحت في الثالثة عشرة من عمرها. وتشير والدتها إلى أن مستوى نضجها الاجتماعي أقل من أقرانها، وأن طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الفتيات في هذه المرحلة العمرية تتسم بدرجة عالية من التعقيد، مما يجعل الحفاظ على الصداقات أمرًا أكثر صعوبة بالنسبة لها، خاصة أن كثيرًا من الفتيات في هذه المرحلة العمرية قد لا يتقبلن الاختلاف بسهولة.
الآثار المترتبة على تأخر التشخيص (The Cost of a Missed Diagnosis)
قد يترتب على تأخر تشخيص اضطراب طيف التوحد آثار تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والأكاديمية. فالفتيات اللاتي لا يحصلن على تشخيص مناسب قد يشعرن بوجود خطب ما لديهن، وهو ما قد يسهم في ظهور مشاعر القلق أو الاكتئاب أو انخفاض تقدير الذات.
كما أن محاولة التكيف المستمرة مع البيئة الاجتماعية من خلال تقليد سلوك الآخرين قد تتطلب جهدًا نفسيًا ومعرفيًا كبيرًا، خاصة عندما لا يصاحبها فهم حقيقي لطبيعة التفاعلات الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى الإجهاد النفسي مع مرور الوقت.
وفي بعض الحالات، قد تكون المشكلات الاجتماعية، أو أعراض الاكتئاب، أو تراجع الأداء الدراسي، هي السبب الذي يدفع الأسرة أو المدرسة إلى طلب التقييم. وعند إجراء تقييم أكثر شمولًا، قد تتضح أنماط من الاهتمامات المحدودة أو المقيدة، إلى جانب صعوبات في التواصل الاجتماعي، بما يتوافق مع خصائص اضطراب طيف التوحد.
ومن الآثار الأخرى لتأخر التشخيص تفويت فرصة الاستفادة من التدخل المبكر (Early Intervention) وبرامج تنمية المهارات الاجتماعية في مرحلة يكون فيها اكتساب هذه المهارات أكثر سهولة. كما قد يفقد الطفل فرصة الحصول على التسهيلات التعليمية والدعم المناسب داخل المدرسة في الوقت الملائم، الأمر الذي قد يؤثر في تقدمه الأكاديمي والاجتماعي.
المخاطر المتعلقة بالسلامة لدى الفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد (Safety Risks for Autistic Girls)
قد تكن الفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد أكثر عرضة للتنمر أو الاستغلال مقارنةً بغيرهن. ويرجع ذلك، في بعض الحالات، إلى صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية، إلى جانب رغبتهن في أن يحظين بقبول الآخرين، مما قد يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال أو الخداع.
وقد يواجهن كذلك صعوبة في تفسير نوايا الآخرين أو إدراك المواقف التي تنطوي على مخاطر، وهو ما يستدعي توفير التوجيه والدعم المستمر لتنمية مهارات السلامة الشخصية، حتى بعد تلقي التدريب الأولي عليها.
وتوضح والدة ليزا (Lisa) أن ابنتها تعرضت في إحدى المرات لتصرف غير لائق تمثل في ملامسة جسدية غير مناسبة من أحد الأطفال. كما تشير إلى أن من أبرز سمات شخصيتها ميلها إلى رؤية الجوانب الإيجابية في الآخرين، إلا أن هذه السمة قد تجعلها أكثر عرضة للاستغلال أو التنمر دون أن تبادر بالإبلاغ عما تتعرض له.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى تزايد الاهتمام بدراسة الفروق في كيفية ظهور اضطراب طيف التوحد لدى الذكور والإناث، وانعكاس ذلك على تصميم التدخلات بما يتناسب مع أنماط ظهور الأعراض لدى كل منهما، بما يدعم تقديم خدمات أكثر ملاءمة لاحتياجات الأطفال.
ختامًا
يسهم فهم الفروق في أنماط ظهور اضطراب طيف التوحد بين الذكور والإناث في تحسين دقة التقييم وتقليل احتمالية تأخر التشخيص لدى الفتيات. كما تساعد مراعاة هذه الفروق عند إجراء التقييمات السريرية والتربوية على توفير التدخلات المناسبة في الوقت الملائم، وتمكين الأطفال من الحصول على الدعم الذي يتوافق مع احتياجاتهم النمائية والتعليمية. كما يسهم رفع مستوى الوعي لدى الأسر، والمعلمين، والمختصين بهذه الفروق في تحسين فرص الكشف المبكر، وتقديم الدعم المناسب في الوقت الملائم، بما يعزز جودة الخدمات المقدمة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.
المرجع:
Why Many Autistic Girls Are Overlooked
https://childmind.org/article/autistic-girls-overlooked-undiagnosed-autism/





