الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التدريس متعدد الحواس: استراتيجية تعليمية لتعزيز مهارات الأطفال ذوي صعوبات التعلم

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

يُعتبر التدريس متعدد الحواس أسلوبًا تعليميًا يعتمد على تفعيل أكثر من حاسة في الوقت نفسه لتعزيز الذاكرة والفهم لدى الطلاب. فهو يربط بين الطرق البصرية، والسمعية، والحركية اللمسية أثناء تعلم القراءة والتهجئة، مما يعزز قدرة الأطفال على استيعاب المعلومات بشكل أعمق وأكثر ديمومة. وبهذا الأسلوب، يتم دمج ما نراه، وما نسمعه، وما نشعر به في عملية التعلم، بما يتيح للطالب الاستفادة من جميع المسارات الحسية في الوقت نفسه، بدلاً من الاعتماد على حاسة واحدة فقط.

توضح مارجريت بيرد راوسون، الرئيسة السابقة لجمعية أورتون لعسر القراءة، أن الأطفال الذين يعانون من عسر القراءة يحتاجون إلى أسلوب مختلف لتعلم اللغة مقارنة بما هو متبع في الفصول الدراسية التقليدية. فهم بحاجة إلى تعليم العناصر الأساسية للغتهم ببطء وبعمق، بما يشمل الأصوات والحروف التي تمثلها، وكيفية تركيبها وتفكيكها. كما أنهم بحاجة إلى ممارسة مستمرة لتنسيق استخدام اليدين والعينين والأذنين والصوت بشكل متكامل، لضمان تنظيم المعرفة واستيعابها بشكل صحيح.

يستخدم المعلمون الذين يعتمدون التدريس متعدد الحواس أسلوبًا يربط بين صوت الحروف ورمزها المكتوب، ويضيفون بعدًا حركيًا من خلال شعور الطالب أثناء كتابة الحروف. على سبيل المثال، عندما يتعلم الطالب حرفًا جديدًا أو مجموعة حروف مثل “س” أو “ث”، يقوم بتتبع الحروف ونسخها وكتابتها أثناء نطق الصوت المقابل لها. قد يقوم المعلم بنطق الصوت بينما يذكر الطالب اسم الحرف، ومن ثم يقرأ الطالب ويكتب كلمات وجمل تحتوي على هذه الأنماط. بهذه الطريقة، يتم الاعتماد على جميع المسارات الحسية الثلاثة في عملية التعلم، بدل الاعتماد على أسلوب الحفظ البصري فقط، أو تتبع الحروف، أو الأسلوب الصوتي بمفرده.

تاريخ التدريس متعدد الحواس

بدأ استخدام تقنيات التدريس متعدد الحواس للأطفال الذين يعانون من صعوبات القراءة في أوائل القرن العشرين، وذلك على يد الدكتور صموئيل توري أورتون وزملائه. وقد تأثر أورتون بالأسلوب الحركي الذي وصفته جريس فيرنالد وهيلي كيلر، واقترح أن تدعيم الروابط بين الحاسة البصرية والسمعية والحركية يمكن أن يصحح الميل إلى قلب الحروف أو تغيير ترتيبها أثناء القراءة والكتابة. على سبيل المثال، الأطفال الذين يخلطون بين حرفي “ب” و”د” يتم تعليمهم رسم كل حرف بطريقة محددة، بحيث يبدأون بخط عمودي ثم يكملون بدائرة لحرف “ب”، بينما يبدأون بالدائرة ثم يكملون بالخط العمودي لحرف “د”.

في عام 1936، قامت آنا جيلينغهام وبيسي ستيلمان بوضع أول دليل تدريسي للمنهج الأبجدي يعتمد على نظريات أورتون. وقد دمجوا فيه تقنيات التدريس متعدد الحواس مع تعليم بنية اللغة الإنجليزية المكتوبة، بما يشمل الأصوات (الفونيمات)، ووحدات المعنى (مثل البادئات واللواحق والجذور)، بالإضافة إلى قواعد التهجئة الشائعة. ويُعرف هذا النهج باسم “منهج أورتون-جيلينغهام”، وهو يعتمد على تقنيات منظمة ومتسلسلة ومتعددة الحواس تم تطويرها من قبل أورتون وجيلينغهام وزملائهما.

أساسيات ومبررات التدريس متعدد الحواس

الأطفال الذين يعانون من عسر القراءة غالبًا ما يظهرون ضعفًا في معالجة المعلومات السمعية أو البصرية. قد تكون لديهم صعوبة في الوعي الصوتي، أي أنهم لا يدركون دور الأصوات في الكلمات، ويواجهون صعوبة في القوافي ودمج الأصوات لتكوين كلمات أو تقسيم الكلمات إلى أصوات. كما قد يواجهون صعوبة في اكتساب مفردات بصرية، أي أنهم لا يتعلمون الكلمات المتوقعة في الصفوف الابتدائية بالطريقة الطبيعية، ولا يستوعبون النظام الأبجدي بسهولة.

يتيح التدريس متعدد الحواس للأطفال فرصة تعلم الأنماط الأبجدية والكلمات باستخدام جميع المسارات الحسية الثلاثة. وقد اقترح أورتون أن تعليم أساسيات العلاقة بين الحروف وأصواتها من خلال تقديمها بصريًا وإعادة إنتاجها كتابة حتى تتكون الروابط الصحيحة سيكون مفيدًا للطلاب من جميع الأعمار. هذا الأسلوب يتيح للأطفال فهم بنية اللغة بشكل أعمق، وتعزيز القدرة على القراءة والكتابة بشكل مستقل، بعيدًا عن الاعتماد على الحفظ البصري أو تقنيات التكرار البسيطة.

الأدلة العلمية على فعالية التدريس متعدد الحواس

تشير الأبحاث الحديثة إلى فعالية التدريس متعدد الحواس، خاصة عند تطبيقه في برامج منظمة ومتسلسلة للأطفال الذين يعانون من عسر القراءة. تدعم هذه الدراسات، كثير منها مدعوم من المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية، فاعلية تعليم اللغة بشكل مباشر ومنظم لهؤلاء الأطفال. وقد أظهرت النتائج أن الأطفال الصغار الذين يتلقون برامج تعليمية منظمة ومتسلسلة متعددة الحواس، مع تدريبهم على الوعي الصوتي، يحققون تحسنًا ملحوظًا في مهارات فك الرموز اللغوية والقراءة.

تعتمد هذه البرامج على تعليم مباشر وواضح لعلاقات الحروف والأصوات، وأنماط المقاطع الصوتية، وأجزاء الكلمات الدالة على المعنى. كما أظهرت الدراسات في البيئات السريرية نتائج مماثلة لمجموعة واسعة من الأعمار والقدرات، مما يؤكد أن هذا النهج يمكن أن يكون فعالًا ليس فقط للأطفال الصغار، بل أيضًا للطلاب الأكبر سنًا الذين يعانون من صعوبات في القراءة والتهجئة.

خلاصة

يعتمد التدريس متعدد الحواس على الدمج بين الرؤية والسمع والحركة لمساعدة الطلاب على تعلم القراءة والكتابة بفعالية أكبر. من خلال هذا الأسلوب، يتم تعزيز الروابط بين الحروف وأصواتها، بالإضافة إلى تعزيز تجربة الكتابة الحركية، مما يعمق الفهم ويزيد من قدرة الأطفال على الاحتفاظ بالمعلومات. هذا النهج فعال بشكل خاص للأطفال الذين يعانون من عسر القراءة، حيث يوفر لهم وسيلة لتجاوز الصعوبات التي يواجهونها في معالجة المعلومات الصوتية والبصرية، ويعزز لديهم القدرة على التعلم المستقل.

إجمالًا، يمكن القول إن التدريس متعدد الحواس يقدم إطارًا متكاملًا لدعم الأطفال في تعلم اللغة، ويركز على الأسس التي تحتاج إلى تدريب مستمر وممارسة عملية، بحيث يربط بين كل من الحواس، ويعزز قدرة الطلاب على القراءة والكتابة بشكل صحيح وفعّال. هذا النهج لم يعد محصورًا في صعوبات التعلم فقط، بل يمكن أن يستفيد منه جميع الطلاب لتعزيز مهاراتهم اللغوية بطريقة شاملة ومتعددة الأبعاد.

كما أن التدريس متعدد الحواس يعزز الثقة بالنفس لدى الطلاب الذين يواجهون صعوبات تعلم، لأنه يمنحهم أدوات واضحة للتغلب على التحديات القرائية والكتابية. كما يشجع على المشاركة النشطة والتفاعل الإيجابي مع المحتوى التعليمي، ويتيح فرصًا لتطوير مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات. بهذا الشكل، يصبح التعلم تجربة شاملة تجمع بين المعرفة، والمهارة، والفهم العميق.

 

المرجع:

MULTISENSORY TEACHING

https://ma.dyslexiaida.org/wp-content/uploads/sites/7/2016/03/Multisensory_Teaching.pdf