ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
ما دلالتها في التشخيص وتخطيط الخدمات؟
يشمل اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) نطاقًا واسعًا من الخصائص والاحتياجات التي قد تؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي والمرونة السلوكية والمشاركة في أنشطة الحياة اليومية. وعند تشخيص الطفل باضطراب طيف التوحد، قد تسعى أسرته إلى فهم طبيعة احتياجاته، ومقدار الدعم الذي قد يحتاج إليه في المنزل والمدرسة والمجتمع.
ويختلف الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد اختلافًا كبيرًا في قدراتهم وطرق تواصلهم واحتياجاتهم؛ فقد يستخدم بعضهم اللغة المنطوقة بطلاقة، مع وجود صعوبات في فهم المواقف الاجتماعية أو التكيف مع التغيير، في حين قد يستخدم آخرون كلامًا محدودًا أو وسائل تواصل بديلة، ويحتاجون إلى دعم مكثف في عدد من مجالات الحياة اليومية.
وللتعبير عن هذا التباين، يتضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، الإصدار الخامس وتحديثه النصي (DSM-5/DSM-5-TR)، ثلاثة مستويات تصف مقدار الدعم المطلوب. ولا تمثل هذه المستويات أنواعًا منفصلة من اضطراب طيف التوحد، بل محددات تشخيصية تساعد على وصف شدة الاحتياجات الحالية في المجالين الأساسيين للاضطراب: التواصل والتفاعل الاجتماعي، والأنماط السلوكية أو الاهتمامات المقيدة والتكرارية.
ومع أن مستويات الدعم قد توفر وصفًا عامًا ومختصرًا لاحتياجات الشخص، فإنها لا تقدم صورة متكاملة عن قدراته أو أدائه. فقد تختلف احتياجات الشخص من مجال إلى آخر، كما قد تختلف باختلاف البيئة والمهمة والضغوط المتوافرة والدعم المقدم له.
لذلك، ينبغي النظر إلى كل طفل بوصفه فردًا له نقاط قوة واحتياجات خاصة، وعدم استخدام المستوى وحده للتنبؤ بقدراته أو فرص تعلمه أو درجة استقلاليته مستقبلًا.
كيف ظهرت مستويات الدعم؟
قبل إصدار الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس عام 2013، كانت بعض الحالات التي تندرج حاليًا تحت تشخيص اضطراب طيف التوحد موزعة على تشخيصات منفصلة، من أبرزها:
اضطراب التوحد (Autistic Disorder).
متلازمة أسبرجر (Asperger’s Disorder).
اضطراب التفكك الطفولي (Childhood Disintegrative Disorder).
الاضطراب النمائي الشامل غير المحدد (Pervasive Developmental Disorder–Not Otherwise Specified – PDD-NOS).
وجُمعت هذه التشخيصات ضمن تشخيص واحد هو اضطراب طيف التوحد؛ نظرًا إلى التداخل الكبير بينها، وعدم اتساق تطبيقها في الممارسة التشخيصية. وأُضيفت مستويات الدعم لتوضيح أن الأشخاص الذين يشتركون في التشخيص نفسه قد يختلفون بدرجة كبيرة في تأثير خصائص الاضطراب في أدائهم، وفي مقدار الدعم الذي يحتاجون إليه.
ما مستويات الدعم الثلاثة؟
تُوصف شدة الاحتياجات في اضطراب طيف التوحد من خلال ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: يحتاج إلى دعم (Requiring Support).
المستوى الثاني: يحتاج إلى دعم كبير (Requiring Substantial Support).
المستوى الثالث: يحتاج إلى دعم كبير جدًا (Requiring Very Substantial Support).
ويُفترض تحديد مستوى الشدة بصورة منفصلة في كل من مجال التواصل والتفاعل الاجتماعي، ومجال الأنماط السلوكية والاهتمامات المقيدة أو التكرارية. ولذلك قد تكون احتياجات الشخص، على سبيل المثال، متوافقة مع المستوى الأول في أحد المجالين، والمستوى الثاني في المجال الآخر.
ولا يعتمد تحديد المستوى على الذكاء أو القدرة على الكلام وحدهما، بل على مقدار تأثير خصائص الاضطراب في الأداء اليومي، ونوع الدعم اللازم لمساعدة الشخص على التواصل والمشاركة والتكيف مع متطلبات البيئة.
المستوى الأول: يحتاج إلى دعم (Level 1: Requiring Support)
قد يحتاج الشخص المصنف ضمن المستوى الأول إلى دعم في مواقف محددة، رغم قدرته على أداء كثير من المهام بصورة مستقلة.
ففي مجال التواصل والتفاعل الاجتماعي، قد تظهر لديه صعوبة في بدء التفاعل أو المحافظة على تبادل الحديث، أو في فهم الإشارات الاجتماعية غير المباشرة، مثل تعبيرات الوجه ونبرة الصوت واللغة المجازية. وقد تبدو استجاباته الاجتماعية غير معتادة أو أقل مرونة، مما قد يؤثر في تكوين العلاقات أو الاستمرار فيها.
أما في مجال الأنماط السلوكية والاهتمامات المقيدة أو التكرارية، فقد يواجه صعوبة في الانتقال بين الأنشطة، أو في تنظيم المهام والتخطيط لها، أو في التكيف مع التغييرات غير المتوقعة. وقد يفضّل اتباع روتين يومي ثابت، أو يظهر اهتمامًا مكثفًا بموضوعات محددة.
وقد تشمل الخصائص التي يمكن ملاحظتها:
صعوبة بدء المحادثة أو المحافظة على تبادلها.
صعوبة تفسير بعض الإشارات الاجتماعية وتعبيرات الوجه.
محدودية المرونة عند تغير الخطط أو الروتين اليومي.
صعوبات في التنظيم والتخطيط والانتقال بين المهام.
وجود حساسيات حسية أو اهتمامات محددة ومكثفة.
ولا يعني امتلاك الشخص لغة منطوقة جيدة أو قدرات معرفية مرتفعة أنه لا يحتاج إلى دعم. فقد تكون احتياجاته أقل وضوحًا للآخرين، لكنها تظل مؤثرة في تعليمه أو عمله أو علاقاته أو صحته النفسية.
ويُستخدم أحيانًا وصف «عالي الأداء» (High Functioning) للإشارة إلى بعض الأشخاص في هذا المستوى، إلا أن هذا المصطلح قد يكون مضللًا؛ لأنه يختزل الشخص في انطباع عام، ولا يوضح التفاوت بين قدراته واحتياجاته في المجالات المختلفة.
المستوى الثاني: يحتاج إلى دعم كبير (Level 2: Requiring Substantial Support)
يحتاج الشخص المصنف ضمن المستوى الثاني إلى دعم أكثر وضوحًا واستمرارية في التواصل والتفاعل الاجتماعي وفي التعامل مع متطلبات الحياة اليومية.
وقد تكون مهارات التواصل اللفظي أو غير اللفظي محدودة، أو قد يستخدم الشخص جملاً بسيطة دون أن يتمكن من المحافظة على تفاعل اجتماعي متبادل. وقد يجد صعوبة ملحوظة في بدء التفاعل أو الاستجابة للآخرين، حتى مع تقديم بعض المساعدة.
وفي مجال الأنماط السلوكية والاهتمامات المقيدة أو التكرارية، قد تظهر صعوبة واضحة في التكيف مع التغييرات، أو ضيق ملحوظ عند تغيير الروتين اليومي، أو سلوكيات تكرارية تؤثر في المشاركة في الأنشطة المختلفة.
وقد تشمل الخصائص المحتملة:
محدودية التواصل اللفظي أو غير اللفظي.
صعوبة واضحة في بدء التفاعل الاجتماعي أو الاستجابة له.
صعوبة التكيف مع التغيرات في البيئة أو الروتين اليومي.
ظهور أنماط سلوكية تكرارية بصورة ملحوظة.
الحاجة إلى تنظيم البيئة وتقديم تعليمات ودعم أكثر مباشرة.
الحاجة إلى مساعدة في بعض مهارات الاستقلالية والحياة اليومية.
وقد يستفيد الشخص من برنامج منظم يتضمن دعمًا في التواصل، والمهارات الاجتماعية، والسلوك التكيفي، والتنظيم الانفعالي، والاستقلالية. كما قد يحتاج إلى وسائل تواصل بديلة أو معززة (Augmentative and Alternative Communication – AAC)، أو إلى تعديلات في البيئة التعليمية وطرق تقديم المهام.
وفي البيئة المدرسية، قد يتمكن بعض الطلاب في هذا المستوى من المشاركة في فصول التعليم العام عند توفير الدعم والتسهيلات المناسبة، في حين قد يحتاج آخرون إلى بيئات تعليمية أكثر تنظيمًا. وينبغي اتخاذ القرار بناءً على تقييم فردي شامل، لا على مستوى الدعم وحده.
المستوى الثالث: يحتاج إلى دعم كبير جدًا (Level 3: Requiring Very Substantial Support)
يحتاج الشخص المصنف ضمن المستوى الثالث إلى دعم مكثف ومستمر في عدد من مجالات الحياة اليومية.
وفي مجال التواصل والتفاعل الاجتماعي، قد يستخدم الشخص عددًا محدودًا من الكلمات، أو قد لا يستخدم الكلام المنطوق، ويعتمد بدلًا منه على الإيماءات أو الصور أو أجهزة التواصل. وقد تكون قدرته على بدء التفاعل أو الاستجابة للمبادرات الاجتماعية محدودة بدرجة كبيرة.
وفي مجال الأنماط السلوكية والاهتمامات المقيدة أو التكرارية، قد تؤثر صعوبة التكيف مع التغيير والسلوكيات التكرارية بصورة واضحة في أداء الشخص ومشاركته. وقد تسبب التغييرات البسيطة في الروتين اليومي ضيقًا شديدًا، كما قد يحتاج إلى قدر مرتفع من التنظيم والتنبؤ بالأحداث.
وقد تشمل احتياجاته:
دعمًا مكثفًا في التواصل اللفظي أو غير اللفظي.
استخدام وسائل تواصل بديلة أو معززة.
مساعدة مستمرة في مهارات العناية الذاتية، مثل ارتداء الملابس واستخدام دورة المياه وتناول الطعام.
دعمًا في الانتقال بين الأنشطة والتكيف مع التغييرات.
تدخلًا لمعالجة السلوكيات التي قد تعرض الشخص أو الآخرين للخطر.
إشرافًا متواصلًا في بعض الحالات.
بيئة منظمة وواضحة وقابلة للتنبؤ.
وقد يتطلب تقديم الدعم تعاون فريق متعدد التخصصات، يمكن أن يضم أخصائي التربية الخاصة، وأخصائي النطق واللغة، وأخصائي العلاج الوظيفي، وأخصائي تحليل السلوك التطبيقي، إلى جانب الأسرة والتخصصات الطبية أو النفسية ذات الصلة.
ويُستخدم أحيانًا مصطلح «التوحد العميق» (Profound Autism) للإشارة إلى بعض الأشخاص ذوي الاحتياجات المكثفة جدًا، لكنه ليس مرادفًا تشخيصيًا تلقائيًا للمستوى الثالث، ولا ينبغي استخدامه بدلًا من وصف الاحتياجات الفردية بدقة.
حدود استخدام مستويات الدعم
تساعد مستويات الدعم على تقديم وصف عام للاحتياجات، لكنها لا تخلو من القيود. فقد يختلف تقدير المستوى بين الأخصائيين بسبب تفاوت طرق التقييم، أو اختلاف المعلومات المتاحة، أو اختلاف أداء الشخص من بيئة إلى أخرى.
كما قد يؤدي وصف الشخص بمستوى واحد إلى إغفال التفاوت داخل ملفه النمائي. فقد يمتلك قدرات معرفية أو أكاديمية مرتفعة، مع حاجته إلى دعم كبير في التواصل الاجتماعي أو التنظيم الحسي. وقد يكون مستقلًا في بعض مهارات الحياة اليومية، لكنه يحتاج إلى دعم مكثف عند حدوث تغيرات مفاجئة.
وتشير الدراسات إلى أن تقديرات مستويات الشدة قد تتأثر بعوامل متعددة، ولا تعكس دائمًا مقدار الدعم الفعلي بصورة موحدة بين جميع الأشخاص. لذلك لا ينبغي التعامل معها بوصفها قياسًا ثابتًا أو شاملًا للأداء.
ومن الأدق استكمال مستوى الدعم بوصف مفصل يشمل:
نقاط القوة والمهارات الحالية.
أساليب التواصل التي يستخدمها الشخص.
مستوى الاستقلالية في الحياة اليومية.
الاحتياجات الحسية.
القدرة على التكيف مع التغيير.
المهارات الأكاديمية والمعرفية.
السلوكيات التي تعيق التعلم أو المشاركة.
مقدار الدعم المطلوب في كل بيئة.
التسهيلات والاستراتيجيات التي ثبتت فائدتها.
هل يمكن أن يتغير مستوى الدعم؟
اضطراب طيف التوحد حالة نمائية تستمر عبر مراحل الحياة، لكن احتياجات الشخص من الدعم ليست ثابتة بالضرورة. فقد تتغير مع النمو والتعلم، وتطور مهارات التواصل والاستقلالية، والحصول على التدخلات والتسهيلات المناسبة.
كما قد تزداد الحاجة إلى الدعم في بعض المراحل أو البيئات، مثل الانتقال إلى مدرسة جديدة، أو بدء العمل، أو التعرض لضغوط حسية أو اجتماعية مرتفعة.
لذلك يعبّر مستوى الدعم عن الاحتياجات الحالية وقت التقييم، ولا ينبغي اعتباره حكمًا نهائيًا على مستقبل الشخص أو قدرته على التطور. ويُستحسن إعادة تقييم الاحتياجات دوريًا، ولا سيما عند حدوث تغيرات واضحة في الأداء أو البيئة.
استخدام مستويات الدعم في البيئة التعليمية
قد توفر مستويات الدعم مؤشرًا أوليًا يساعد الفريق التعليمي على فهم بعض احتياجات الطالب، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد نوع البرنامج أو مقدار الخدمات التي يحتاج إليها.
ففي الأنظمة التي تستخدم الخطة التربوية الفردية (Individualized Education Program – IEP)، ينبغي تحديد الخدمات والأهداف والتسهيلات بناءً على تقييم شامل لأداء الطالب واحتياجاته التعليمية والوظيفية، لا بناءً على التشخيص أو المستوى فقط.
وقد يحتاج طالبان يحملان مستوى الدعم نفسه إلى خطتين مختلفتين تمامًا. فقد يحتاج أحدهما إلى دعم أساسي في التفاعل الاجتماعي والتنظيم، بينما يحتاج الآخر إلى وسائل تواصل بديلة ومساعدة مكثفة في مهارات الاستقلالية.
ولذلك ينبغي أن تتضمن عملية التخطيط التعليمي تقييمًا لمجالات مثل:
التواصل الاستقبالي والتعبيري.
التفاعل والمشاركة الاجتماعية.
المهارات الأكاديمية.
السلوك التكيفي والاستقلالية.
الاحتياجات الحسية والحركية.
القدرة على الانتقال بين الأنشطة.
السلوكيات التي تعيق التعلم.
التسهيلات البيئية وطرق التعليم المناسبة.
ختامًا
تصف مستويات الدعم في اضطراب طيف التوحد مقدار المساندة التي قد يحتاج إليها الشخص في مجال التواصل والتفاعل الاجتماعي، وفي مجال الأنماط السلوكية والاهتمامات المقيدة أو التكرارية.
وقد تكون هذه المستويات مفيدة في تقديم تصور عام عن الاحتياجات، لكنها لا تختصر قدرات الشخص أو تحدد إمكاناته. كما أنها لا ينبغي أن تكون الأساس الوحيد لاتخاذ القرارات التعليمية أو العلاجية أو الأسرية.
ويظل التقييم الفردي الشامل هو الأساس في تحديد الدعم المناسب؛ إذ ينبغي النظر إلى نقاط القوة والاحتياجات والبيئة وظروف الشخص، وتحديث خطط الدعم كلما تغير أداؤه أو تغيرت متطلبات حياته.
ولا تعني الحاجة إلى دعم كبير انخفاض القدرة على التعلم، كما لا تعني الحاجة إلى دعم أقل غياب الصعوبات. والهدف من تحديد مستوى الدعم ليس تصنيف الشخص أو وضع حدود لقدراته، بل المساعدة على توفير الخدمات والتسهيلات التي تعزز مشاركته وتعلمه واستقلاليته بأكبر قدر ممكن.
المرجع:
Understanding the Levels of Autism
https://childmind.org/article/understanding-the-levels-of-autism/





