الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الاستجابة الحسية في التوحد: دمج الأبعاد السلوكية والانفعالية والفسيولوجية والعصبية

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

تُعد الاختلافات في الاستجابة للمثيرات الحسية من الخصائص الشائعة لدى الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، وقد تظهر منذ الطفولة وتستمر خلال مراحل العمر المختلفة. وتشمل هذه الاختلافات فرط الاستجابة لبعض الأصوات أو الملامس، أو انخفاض الاستجابة لمثيرات معينة، أو البحث المتكرر عن خبرات حسية محددة.

ولا تقتصر هذه الاختلافات على السلوكيات التي يمكن ملاحظتها، بل تمتد إلى كيفية إدراك المثيرات الحسية والاستجابة لها انفعاليًا وفسيولوجيًا، فضلًا عن العمليات العصبية المرتبطة بمعالجتها.

وتستعرض هذه المراجعة العلمية نتائج الأبحاث الحديثة حول الاستجابة الحسية لدى الأشخاص ذوي التوحد، من خلال خمسة أبعاد مترابطة: الاستجابة السلوكية، والاستجابة الانفعالية، والحساسية الإدراكية، والاستجابة الفسيولوجية، والآليات العصبية.

الاستجابة السلوكية للمثيرات الحسية

تشير الاستجابة السلوكية (Behavioural Responsivity) إلى ردود الفعل التي يمكن ملاحظتها عند التعرض للمثيرات الحسية، مثل تجنب أصوات معينة، أو إظهار استجابة محدودة للمس، أو البحث المتكرر عن مدخلات حسية محددة.

وأظهرت بعض الدراسات أن الأطفال والمراهقين ذوي التوحد قد يُظهرون استجابات حسية أكثر تفاوتًا مقارنة بأقرانهم غير ذوي التوحد. كما وجدت دراسات ارتباطًا بين فرط الاستجابة الحسية وبعض المشكلات الداخلية، مثل القلق والأعراض الاكتئابية، في حين ارتبط البحث الحسي ببعض المشكلات السلوكية الخارجية.

وتشير أبحاث أخرى إلى أن أنماط الاستجابة الحسية في الطفولة المبكرة قد ترتبط بمستوى الأداء التكيفي في مراحل لاحقة، بما في ذلك جوانب من التفاعل الاجتماعي.

ومن النتائج المهمة أن تقارير الوالدين عن الاستجابات الحسية لم تتطابق دائمًا مع نتائج الملاحظة المباشرة. ويؤكد ذلك أهمية استخدام أكثر من وسيلة عند تقييم الاستجابة الحسية، بدل الاعتماد على مصدر واحد للمعلومات.

الاستجابة الانفعالية للمثيرات الحسية

تختلف الاستجابة الانفعالية (Affective Reactivity) عن الاستجابة السلوكية؛ إذ تشير إلى المشاعر التي تثيرها الخبرات الحسية لدى الشخص، وليس إلى ردود الفعل الظاهرة وحدها.

فقد تسبب بعض الأصوات أو الملامس أو البيئات الحسية شعورًا بالانزعاج أو القلق، حتى عندما لا يظهر الشخص استجابة سلوكية واضحة.

وقد وصفت دراسات نوعية تجارب أشخاص بالغين من ذوي التوحد شعروا بأن بعض البيئات الحسية مرهقة أو مؤلمة، رغم أن هذه الخبرات قد لا تكون واضحة للمحيطين بهم.

وتشير الأبحاث إلى وجود ارتباط بين فرط الاستجابة الحسية والقلق. ففي بعض الدراسات، أفاد بالغون من ذوي التوحد بأن الانزعاج الحسي يسبق شعورهم بالقلق، بينما قد يظهر البحث عن المثيرات الحسية بوصفه إحدى وسائل التعامل مع هذا الشعور.

ولا يعني ذلك أن البحث الحسي يرتبط بالقلق في جميع الحالات، وإنما يشير إلى أن العلاقة بين الخبرات الحسية والانفعالات قد تختلف من شخص إلى آخر.

كما وجدت بعض الدراسات ارتباطات بين أنماط الاستجابة الحسية وصعوبات الانتباه وانخفاض بعض جوانب الأداء التكيفي.

وتوضح هذه النتائج أهمية فهم الخبرة الحسية من منظور الشخص نفسه، وعدم الاكتفاء بتفسيرها اعتمادًا على السلوك الظاهر.

الحساسية الإدراكية ومعالجة المعلومات الحسية

تشير الحساسية الإدراكية (Perceptual Sensitivity) إلى قدرة الشخص على اكتشاف المثيرات الحسية والتمييز بينها، مثل إدراك الفروق بين الأصوات أو الملامس أو المثيرات البصرية.

ويختلف هذا الجانب عن الاستجابة السلوكية والانفعالية؛ فقد يتمكن الشخص من التمييز بين مثيرات دقيقة دون أن يشعر بالضرورة بالانزعاج منها.

وتوضح المراجعة أن الاختلافات الإدراكية لدى الأشخاص ذوي التوحد لا يمكن اختزالها في وجود حساسية مرتفعة أو منخفضة بصورة عامة. فقد تظهر قدرات أعلى في بعض المهمات، وأداء أقل في مهمات أخرى، بينما لا تُلاحظ فروق واضحة في بعض الحالات.

الإدراك اللمسي

أظهرت بعض الدراسات اختلافات في معالجة المثيرات اللمسية، خاصة عند تقديم مثيرات متكررة أو قياس التكيف معها بمرور الوقت.

فقد أظهرت بعض مجموعات الأطفال ذوي التوحد انخفاضًا في التكيف الإدراكي مع المثيرات اللمسية المتكررة، إلا أن النتائج تختلف تبعًا للعمر وطبيعة المثير وطريقة القياس.

وتشير هذه النتائج إلى أهمية دراسة خصائص المثيرات الحسية وظروف تقديمها عند تفسير الاستجابات اللمسية.

الإدراك البصري

تناولت دراسات الإدراك البصري قدرة الأشخاص ذوي التوحد على معالجة الحركة والتمييز بين المعلومات البصرية المهمة والمعلومات غير المرتبطة بالمهمة.

وتشير بعض النتائج إلى وجود اختلافات في استبعاد التشويش البصري، أي القدرة على تمييز الإشارات المهمة وسط المعلومات البصرية الأخرى.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج وجود ضعف عام في معالجة الحركة؛ إذ أظهرت بعض الدراسات أداءً مماثلًا أو أفضل لدى الأطفال ذوي التوحد في مهمات محددة.

الإدراك السمعي

وجدت بعض الدراسات قدرة أعلى على التمييز بين درجات النغمات الصوتية لدى مجموعات من الأشخاص ذوي التوحد، خاصة عند استخدام أصوات بسيطة.

وفي المقابل، أشارت دراسات أخرى إلى صعوبات في المعالجة الزمنية للأصوات، مثل تحديد الترتيب الذي قُدمت به المثيرات الصوتية عندما تكون الفواصل الزمنية بينها قصيرة.

وتؤكد هذه النتائج أن الاختلافات في الإدراك الحسي تعتمد على نوع المثير والمهمة المستخدمة في التقييم، ولا يمكن تعميم نمط واحد من الاستجابة على جميع الأشخاص ذوي التوحد.

الاستجابة الفسيولوجية للمثيرات الحسية

قد تترافق الخبرات الحسية مع تغيرات فسيولوجية مرتبطة بنشاط الجهاز العصبي الذاتي، المسؤول عن تنظيم عدد من وظائف الجسم اللاإرادية.

وقد وجدت بعض الدراسات أن الأطفال ذوي التوحد الذين يظهرون فرطًا في الاستجابة الحسية قد يُظهرون أيضًا ارتفاعًا في الاستثارة المرتبطة بالجهاز العصبي الودي.

كما تناولت أبحاث أخرى نشاط الجهاز العصبي نظير الودي عند التعرض لمثيرات حسية يصعب التحكم فيها، وأشارت إلى احتمال وجود اختلافات في تنظيم الاستجابة الفسيولوجية لهذه المثيرات.

وامتدت الأبحاث إلى دراسة العلاقة بين المعالجة الحسية والتحكم الحركي، حيث أظهرت بعض النتائج زيادة في تذبذب وضعية الجسم وانخفاضًا في القدرة على التكيف أثناء المشي لدى بعض الأشخاص ذوي التوحد، خاصة عندما ترتفع المتطلبات الحسية والانتباهية.

وتشير هذه النتائج إلى احتمال ارتباط بعض الاستجابات الحسية باختلافات في تنظيم الاستثارة الفسيولوجية والتكامل الحسي الحركي. ومع ذلك، لا تزال طبيعة هذه العلاقات بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

الآليات العصبية المرتبطة بالاستجابة الحسية

تناولت دراسات التصوير العصبي والقياسات الكهربائية للدماغ الآليات المحتملة المرتبطة باختلاف معالجة المعلومات الحسية لدى الأشخاص ذوي التوحد.

ومن المفاهيم التي ناقشتها المراجعة التوازن بين الاستثارة والتثبيط العصبي (Excitation–Inhibition Balance)، الذي يشير إلى العلاقة بين العمليات العصبية التي تزيد النشاط العصبي وتلك التي تحد منه.

وتشير بعض الأبحاث إلى احتمال ارتباط الاختلافات في هذا التوازن بأنماط معينة من الاستجابة الحسية، إلا أن العلاقة بين النشاط العصبي والخبرات الحسية لا تزال معقدة.

كما أظهرت دراسات التصوير العصبي اختلافات في الاتصال الوظيفي بين بعض الشبكات الدماغية لدى الأطفال الذين يظهرون فرطًا في الاستجابة الحسية.

وشملت هذه الاختلافات الشبكات المرتبطة بمعالجة المعلومات الحسية القادمة من البيئة الخارجية، والشبكات المشاركة في معالجة المعلومات الداخلية.

وأشارت بعض النتائج إلى أن طبيعة الاتصال بين هذه الشبكات قد ترتبط باختلافات في التنظيم الانفعالي لدى الأطفال ذوي الاستجابة الحسية المرتفعة.

ومع ذلك، لا تسمح الأدلة الحالية باعتبار هذه الاختلافات تفسيرًا عصبيًا موحدًا للاستجابات الحسية لدى جميع الأشخاص ذوي التوحد، نظرًا للتفاوت الكبير بين الأفراد والنتائج البحثية.

أهمية التقييم متعدد الأبعاد

توضح المراجعة أن أدوات التقييم الحسي لا تقيس بالضرورة الجوانب نفسها.

فالاستبيانات التي يجيب عنها الشخص أو مقدم الرعاية توفر معلومات عن الخبرات الحسية والاستجابات التي تظهر في الحياة اليومية، بينما تقيس الاختبارات الإدراكية قدرة الشخص على اكتشاف المثيرات والتمييز بينها في ظروف محددة.

أما القياسات الفسيولوجية والعصبية، فتُستخدم لدراسة العمليات التي قد ترتبط بهذه الاستجابات.

وقد لا تتطابق نتائج هذه الوسائل؛ لأنها تتناول جوانب مختلفة من المعالجة الحسية. فعلى سبيل المثال، لا تعني القدرة المرتفعة على التمييز بين الأصوات بالضرورة أن الشخص يشعر بانزعاج أكبر منها.

ولهذا تؤكد المراجعة أهمية الجمع بين وسائل تقييم متعددة، مع التمييز بين الاستجابة السلوكية والخبرة الانفعالية والقدرات الإدراكية والعمليات الفسيولوجية والعصبية.

التوجهات البحثية المستقبلية

على الرغم من التقدم في دراسة الاختلافات الحسية لدى الأشخاص ذوي التوحد، لا تزال هناك أسئلة تتعلق بكيفية تغير هذه الاختلافات عبر مراحل العمر، ومدى ارتباط النتائج التي تُقاس في المختبر بالتجارب الحسية في الحياة اليومية.

كما تشير المراجعة إلى محدودية تمثيل بعض الفئات في الدراسات الإدراكية، ومنها الأطفال الأصغر سنًا، والأشخاص ذوو التواصل اللفظي المحدود، والأشخاص الذين لديهم إعاقة ذهنية مصاحبة.

وتبرز الحاجة إلى دراسات طولية تستخدم وسائل قياس متعددة، وتشمل مشاركين من فئات عمرية وقدرات متنوعة، لفهم العلاقة بين أبعاد الاستجابة الحسية بصورة أكثر دقة.

ختامًا

توضح الأبحاث أن الاستجابة الحسية لدى الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ظاهرة متعددة الأبعاد، تشمل الجوانب السلوكية والانفعالية والإدراكية والفسيولوجية والعصبية.

وتشير النتائج إلى أن الاختلافات الحسية لا تتبع نمطًا واحدًا لدى جميع الأشخاص ذوي التوحد؛ فقد تظهر استجابة مرتفعة في مجال حسي معين، مع استجابة منخفضة أو معتادة في مجالات أخرى.

كما أن الاستجابة الظاهرة للمثيرات لا تعكس بالضرورة طبيعة الخبرة الحسية التي يمر بها الشخص، مما يؤكد أهمية النظر إلى الأبعاد المختلفة عند دراسة هذه الاستجابات وتقييمها.

وتخلص المراجعة إلى ضرورة مواصلة البحث في العلاقات بين هذه الأبعاد، مع مراعاة الاختلافات الفردية والعمرية والبيئية، بما يسهم في فهم أدق للخبرات الحسية وعلاقتها بالأداء اليومي والصحة النفسية وجودة الحياة.

المراجع:

Sensory Reactivity in Autism: Integrating Behavioural, Affective, Physiological, and Neural Dimensions

https://link.springer.com/article/10.1007/s11920-026-01682-4