الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التكامل الحسي والانتباه لدى الطلاب ذوي اضطراب طيف التوحد في البيئة التعليمية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تلعب البيئة الصفية دورًا محوريًا في مستوى تفاعل الطلاب وأدائهم الأكاديمي، وقد أظهرت العديد من الدراسات أن خصائص الصف الدراسي لا تؤثر فقط على التحصيل العلمي، بل تمتد آثارها إلى الانتباه، المشاركة، والشعور العام بالراحة أو الإرهاق لدى الطلاب. في هذا السياق، يُعد اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات النمائية العصبية التي ترتبط بأنماط غير نمطية في المعالجة الحسية، إلى جانب صعوبات واضحة في الانتباه، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على قدرة الطالب على الاستفادة من المحتوى التعليمي داخل الصفوف الدراسية.

غالبًا ما يظهر لدى الطلاب من ذوي اضطراب طيف التوحد تفاوت ملحوظ بين قدراتهم المعرفية أو مستوى ذكائهم، وبين أدائهم الأكاديمي الفعلي. هذا التباين لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل المعرفية التقليدية، بل تشير الأبحاث إلى أن الفروق في طريقة استقبال المعلومات الحسية ومعالجتها، إضافة إلى آليات الانتباه، تلعب دورًا أساسيًا في هذا الخلل. ومع تزايد أعداد الطلاب من ذوي طيف التوحد في المدارس والجامعات، أصبحت الحاجة ملحّة لفهم نقاط القوة والتحديات المتعلقة بالمعالجة الحسية والانتباه لديهم، بهدف تطوير بيئات تعليمية أكثر ملاءمة، وتصميم تدخلات وتكييفات تعليمية أكثر فاعلية تدعم نجاحهم الأكاديمي.

تهدف هذه المراجعة إلى تقديم عرض شامل ومتكامل للأدبيات العلمية المتعلقة بالمعالجة الحسية والانتباه لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، مع استعراض كيفية تأثير هذه العوامل على النتائج الأكاديمية لدى كل من الطلاب ذوي النمو النمطي وذوي طيف التوحد. كما تسعى إلى اقتراح عدد من التكييفات البيئية والاستراتيجيات التعليمية التي يمكن أن تسهم في تحسين تجربة التعلم لهؤلاء الطلاب داخل البيئات الأكاديمية.

البيئة الصفية كمنظومة حسية معقدة

لنتخيل المشهد الصفي اليومي: المعلم يقف في مقدمة الصف يشرح درسًا جديدًا، بينما يُطلب من الطالب التركيز على الشرح، وتجاهل العديد من المثيرات الحسية المحيطة، مثل أصوات الأوراق المتحركة، وضجيج التكييف، وحركة الطلاب الآخرين، والزينة البصرية على الجدران. الصف الدراسي بطبيعته بيئة غنية بالمثيرات الحسية، وهو ما يشكل تحديًا مستمرًا لقدرة الطالب على تنظيم مدخلاته الحسية وتوجيه انتباهه.

هذه التحديات ليست مقتصرة على مرحلة عمرية معينة، بل ترافق الطالب في جميع المراحل التعليمية، من مرحلة الطفولة المبكرة وحتى التعليم العالي. يتطلب النجاح الأكاديمي قدرة الطالب على التركيز على المهمة التعليمية، في بيئة مليئة بمثيرات بصرية مثل الحركة والإضاءة، ومثيرات سمعية كالأصوات الجانبية، ومثيرات لمسية قد تنتج عن الاحتكاك الجسدي غير المقصود أو الجلوس لفترات طويلة.

لكي يتمكن الطالب من التفاعل بفعالية داخل الصف، يحتاج إلى استجابة تكيفية للمثيرات الحسية المختلفة، بالإضافة إلى القدرة على تخصيص انتباهه للمعلومات ذات الصلة التعليمية، وتجاهل المثيرات غير المهمة. وقد أثبتت الدراسات أن طريقة معالجة الطالب للمثيرات الحسية تؤثر بشكل مباشر على مشاركته الصفية، ومستوى اندماجه في الأنشطة التعليمية، حتى لدى الطلاب ذوي النمو النمطي. كما أظهرت أبحاث أخرى أن الوظائف الانتباهية، مثل القدرة على تصفية المعلومات غير المهمة والتركيز الانتقائي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحصيل الأكاديمي.

المعالجة الحسية والانتباه لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد

يعاني العديد من الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد من اختلافات واضحة في طريقة استقبالهم ومعالجتهم للمثيرات الحسية. فقد يظهر البعض فرط حساسية تجاه الأصوات، أو الإضاءة، أو اللمس، في حين قد يعاني آخرون من انخفاض الاستجابة للمثيرات الحسية. هذه الأنماط غير النمطية قد تجعل البيئة الصفية مرهقة أو مربكة، مما يؤدي إلى صعوبة في التركيز والانتباه للمحتوى التعليمي.

إلى جانب ذلك، ترتبط اضطرابات الانتباه بشكل شائع باضطراب طيف التوحد، حيث قد يواجه الطلاب صعوبة في الحفاظ على الانتباه لفترات طويلة، أو في الانتقال المرن بين المهام، أو في التركيز على المثيرات ذات الصلة وتجاهل غيرها. هذه التحديات قد تؤدي إلى انخفاض المشاركة الصفية، وزيادة السلوكيات الانسحابية أو التكرارية، وأحيانًا إلى سوء تفسير قدرات الطالب الأكاديمية من قبل المعلمين.

التأثير على الأداء الأكاديمي

تؤكد الأدبيات العلمية أن الصعوبات الحسية والانتباهية لا تؤثر فقط على تجربة الطالب داخل الصف، بل تمتد آثارها إلى نواتج التعلم نفسها. فالطالب الذي يعاني من إرهاق حسي أو تشتت انتباهي مستمر قد لا يتمكن من الاستفادة الكاملة من الدروس، حتى وإن كان يمتلك قدرات معرفية جيدة. هذا يفسر جزئيًا سبب الفجوة بين الإمكانات العقلية والأداء الأكاديمي لدى العديد من الطلاب ذوي اضطراب طيف التوحد.

كما تشير الدراسات إلى أن هذه العوامل تؤثر أيضًا على الطلاب ذوي النمو النمطي، وإن كان ذلك بدرجات أقل، مما يؤكد أن تحسين البيئات الصفية من حيث التنظيم الحسي والانتباهي يعود بالفائدة على جميع الطلاب، وليس فقط على فئة معينة.

التكييفات والاستراتيجيات الداعمة

بناءً على ما سبق، توصي المراجعة بضرورة تبني مقاربة شمولية عند تصميم البيئات التعليمية. من بين التوصيات المقترحة: تقليل المثيرات البصرية المفرطة داخل الصف، وضبط مستويات الضوضاء، وتوفير مساحات هادئة أو بدائل حسية عند الحاجة. كما يُنصح باستخدام استراتيجيات تعليمية مرنة تراعي الفروق الفردية في الانتباه، مثل تقسيم المهام، واستخدام وسائل تعليمية متعددة الحواس بشكل منظم، وتوفير فترات راحة حسية.

كذلك، فإن تدريب المعلمين على فهم خصائص المعالجة الحسية والانتباهية لدى الطلاب ذوي اضطراب طيف التوحد يعد خطوة أساسية نحو خلق بيئة تعليمية أكثر دعمًا وإنصافًا. فالفهم العميق لهذه الفروق يمكن أن يسهم في تحسين التفاعل الصفي، وتعزيز الشعور بالأمان النفسي، ودعم النجاح الأكاديمي على المدى الطويل.

خاتمة

تسلط هذه المراجعة الضوء على الأهمية الكبيرة لفهم دور المعالجة الحسية والانتباه في التجربة التعليمية، خاصة لدى الطلاب ذوي اضطراب طيف التوحد. فالتحديات التي يواجهها هؤلاء الطلاب لا تعكس ضعفًا في القدرات، بل اختلافًا في طريقة التفاعل مع البيئة التعليمية. ومن خلال تصميم بيئات صفية أكثر وعيًا ومرونة، وتطبيق تدخلات مدروسة، يمكن دعم هؤلاء الطلاب لتحقيق إمكاناتهم الأكاديمية بشكل أفضل، بما يعود بالنفع على المنظومة التعليمية ككل.

إضافةً إلى ذلك، تشير المراجعة إلى أهمية إشراك الأسرة وفريق الدعم التربوي في تصميم التكييفات التعليمية، حيث يسهم التعاون بين المدرسة والمنزل في تعزيز استقرار الطالب الحسي والانتباهي. كما أن المتابعة المستمرة وتقييم فاعلية التعديلات المطبقة يساعدان على تكييفها وفق احتياجات الطالب المتغيرة عبر المراحل التعليمية المختلفة.

 

المرجع:

Implications of Sensory Processing and Attentional Differences

Implications of Sensory Processing and Attentional Differences

Associated With Autism in Academic Settings: An Integrative

Associated With Autism in Academic Settings: An Integrative

Review Review

https://docs.lib.purdue.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1155&context=fund