الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

وقت استخدام الشاشات خلال الإجازة الصيفية

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

استراتيجيات لوضع خطة تحقق التوازن بين احتياجات الوالدين والأطفال

مع بداية الإجازة الصيفية وما يصاحبها من مرونة في الروتين اليومي، يزداد الوقت غير المنظم في حياة الأطفال، وهو ما قد يثير لدى كثير من الوالدين تساؤلات حول كيفية إدارة استخدام أبنائهم للأجهزة الإلكترونية. فقد يتساءل البعض: هل سيقضي الأطفال ساعات أطول في ممارسة ألعاب مثل ماينكرافت (Minecraft) أو في تصفح مقاطع تيك توك (TikTok)؟ وهل سيصبح تنظيم وقت استخدام الشاشات مصدرًا للخلافات اليومية داخل الأسرة؟

وللحد من هذه التحديات، من المفيد أن يعيد الوالدان تقييم أسلوبهما في تنظيم استخدام أبنائهما للتقنيات الرقمية، ووضع خطة واضحة تستند إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها:

  • تحديد المخاطر التي تسعى الأسرة إلى الحد منها.

  • التفكير في الجوانب المرتبطة بصحة الطفل ورفاهيته خلال الإجازة الصيفية.

  • تحديد القيم والأهداف التي ترغب الأسرة في أن تعكسها خبرات الطفل خلال الإجازة.

  • وضع خطة عملية تتضمن إجراءات واضحة لتنظيم استخدام الشاشات، بما يسهم في تقليل الخلافات اليومية ويعزز قدرة الوالدين على تطبيقها بصورة متسقة.

ما المخاطر المرتبطة باستخدام الشاشات؟ 

في ظل تزايد النقاشات حول تأثير استخدام الشاشات في نمو الأطفال والمراهقين وصحتهم النفسية، قد يجد كثير من الوالدين صعوبة في تحديد الأسلوب الأنسب للتعامل مع هذا الموضوع. إلا أن الأدلة البحثية المتوافرة توفر معلومات يمكن الاستفادة منها عند وضع ضوابط واقعية ومتوازنة لاستخدام الشاشات، بعيدًا عن المبالغة أو التهويل.

مدة استخدام الشاشات 

عند دراسة تأثير مدة استخدام الشاشات، تشير بعض الأدبيات البحثية إلى ما يُعرف بفرضية غولديلوكس (Goldilocks Hypothesis)، والتي تفترض أن الاستخدام المعتدل للشاشات قد يكون أكثر ملاءمة من الاستخدام المفرط أو الامتناع التام عنها.

وتشير الأدلة البحثية إلى أن قضاء الأطفال أو المراهقين عدة ساعات يوميًا أمام الشاشات قد يرتبط بانخفاض مستوى الرفاه لديهم. ولا يُعزى ذلك بالضرورة إلى طبيعة الأنشطة الرقمية نفسها، وإنما إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات قد يزاحم الوقت المخصص لأنشطة أساسية تدعم النمو، مثل ممارسة النشاط البدني، والتفاعل المباشر مع أفراد الأسرة والأصدقاء، والمشاركة في الأنشطة التي تعزز التعلم.

وفي المقابل، قد يوفر الاستخدام المعتدل للشاشات فرصًا للترفيه، أو الاسترخاء، أو التواصل الاجتماعي. إلا أن الاستخدام المفرط قد يطغى على الأنشطة اليومية والاجتماعية المهمة، مما قد يؤثر في توازن الروتين اليومي للطفل أو المراهق.

الاستخدام الفردي للشاشات 

ليست جميع أشكال استخدام الشاشات متساوية في تأثيرها، إذ لا يقتصر الأمر على مدة الاستخدام فحسب، بل يشمل أيضًا طبيعة المحتوى، والمكان الذي تُستخدم فيه الأجهزة، والأشخاص الذين يتفاعل معهم الطفل أثناء استخدامها.

فعندما يشاهد الأطفال التلفاز في غرفة المعيشة، أو يستخدمون الأجهزة اللوحية أو الحواسيب في الأماكن المشتركة داخل المنزل، يكون من الأسهل على الوالدين متابعة ما يتعرضون له من محتوى، وملاحظة ما يصدر من الأجهزة من أصوات، وتكوين تصور عام عن الأشخاص الذين يتواصلون معهم، وهو ما يتيح قدرًا أكبر من الإشراف والمتابعة.

أما عندما يقضي الأطفال وقتًا في استخدام الشاشات بمفردهم داخل غرفهم، فقد تزداد احتمالية تعرضهم لمحتوى أو مواقف قد يرى الوالدان لاحقًا أنه كان من الأفضل تجنبها. ولذلك من المهم أن تناقش الأسرة مسبقًا ما يُعد استخدامًا مناسبًا للشاشات في غياب الوالدين، وأن تضع حدودًا واضحة لاستخدامها عندما يتعذر الإشراف المباشر.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تثير بعض الاستخدامات المحدودة للشاشات قلقًا مفرطًا، مثل السماح للطفل بمشاهدة فيلم أو برنامج تلفزيوني لفترة قصيرة أثناء انشغال الوالدين بإعداد الطعام أو إنجاز بعض المهام المنزلية. ويؤكد ذلك أهمية توجيه جهود الوالدين نحو المواقف التي تستدعي وضع حدود واضحة، بدلًا من الشعور بالقلق تجاه جميع أشكال استخدام الشاشات.

الدردشة في ألعاب الفيديو 

في السابق، انصب اهتمام كثير من الوالدين على المحتوى العنيف في ألعاب الفيديو، وما إذا كان التعرض المتكرر له قد يؤثر في سلوك الأطفال أو يسهم في تطبيع العنف لديهم. إلا أن نتائج الدراسات التي تناولت العلاقة بين الألعاب العنيفة والسلوك العدواني جاءت متباينة، ولم تحسم هذه العلاقة بصورة قاطعة.

وفي الوقت الحالي، تتجه اهتمامات كثير من الوالدين إلى جانب آخر يتمثل في خاصية الدردشة المتاحة في العديد من ألعاب الفيديو، وما قد يترتب عليها من تواصل مع أشخاص غير معروفين.

وبطبيعة الحال، لا يُنصح بإتاحة الألعاب ذات المحتوى العنيف للأطفال الصغار، إلا أن التحدي الأبرز يتمثل في أن كثيرًا من ألعاب الأطفال تتضمن أدوات للتواصل قد لا يدرك الأطفال طبيعتها أو مخاطرها. وقد تصبح هذه المحادثات، سواء داخل الألعاب أو عبر المنصات المرتبطة بها، بيئة قد يتعرض فيها الطفل للتنمر الإلكتروني (Cyberbullying)، أو للتواصل مع أشخاص مجهولين، أو لمحاولات الاستدراج أو الاستغلال.

لذلك تبرز أهمية توعية الأطفال بإعدادات الخصوصية، وكيفية التأكد من التواصل مع الأشخاص الذين يعرفونهم، إلى جانب تشجيعهم على طلب المساعدة من شخص بالغ موثوق إذا تعرضوا للمضايقة، أو التنمر، أو لأي موقف يثير قلقهم أثناء استخدام هذه المنصات.

المحتوى المزعج 

يزداد احتمال تعرض المراهقين، بصرف النظر عن مدة استخدامهم للشاشات أو توقيت استخدامها، لمحتوى قد يكون مزعجًا أو غير مناسب، أو لمحتوى يشجع على تبني اتجاهات أو ممارسات غير صحية.

كما أن خوارزميات (Algorithms) منصات التواصل الاجتماعي صُممت لعرض محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم؛ لذلك كلما زادت مدة مشاهدة المراهق لنوع معين من المحتوى أو تفاعله معه، زادت احتمالية ظهور محتوى مشابه له بصورة متكررة.

وإضافة إلى ذلك، تنتشر على شبكة الإنترنت معلومات غير دقيقة أو مضللة، مما يجعل من الضروري تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الأطفال والمراهقين، وتعليمهم كيفية تقييم المعلومات التي يقرؤونها أو يشاهدونها، خاصة في ظل التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence, AI)، ونظريات المؤامرة (Conspiracy Theories)، وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، وغيرها من الوسائط الرقمية الحديثة.

قابلية التأثر بمشكلات الصحة النفسية 

من الجوانب المهمة التي ينبغي مراعاتها أن بعض الأطفال والمراهقين الذين يُظهرون قابلية أكبر للتأثر بمشكلات الصحة النفسية قد يكونون أكثر عرضة للتأثر بالمخاطر المرتبطة باستخدام الشاشات.

فعلى سبيل المثال، قد يجد الأطفال ذوو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder, ADHD)، أو الذين يُظهرون تحديات سلوكية، صعوبة أكبر في ضبط اندفاعهم أو تنظيم مدة استخدامهم للشاشات. كما قد يميل الأطفال الذين يُظهرون مستويات مرتفعة من القلق إلى متابعة محتوى يعزز مخاوفهم بدلًا من المساهمة في تهدئتها.

كذلك قد تتفاقم بعض الصعوبات لدى المراهقين الذين يُظهرون أعراضًا اكتئابية أو لديهم انشغال بصورة أجسامهم، إذا أدى الاستخدام المفرط للشاشات إلى تقليل الوقت المخصص للأنشطة التي تدعم تحسين المزاج، أو إذا دفعهم إلى مقارنة أنفسهم بصور أو معايير غير واقعية للمظهر الجسدي تُعرض عبر الإنترنت.

لذلك، فإن وضع خطة عملية لاستخدام الشاشات خلال الإجازة الصيفية يستلزم متابعة أربعة جوانب رئيسة، هي: مدة الاستخدام، وطبيعة المحتوى، والسلوكيات التي يمارسها الطفل عبر الإنترنت، والأماكن والأوقات التي يستخدم فيها الأجهزة الإلكترونية. وتمثل هذه الجوانب أساسًا يمكن البناء عليه عند وضع خطة متوازنة تراعي صحة الطفل ورفاهيته.

تعزيز العادات الصحية 

عند وضع خطة لاستخدام التقنيات الرقمية، ينبغي التأكد من أن وقت استخدام الشاشات لا يأتي على حساب الاحتياجات الأساسية التي تدعم صحة الطفل ونموه.

حماية النوم 

أصبح الحصول على قدر كافٍ من النوم تحديًا يواجه الأطفال والبالغين على حد سواء في ظل الانتشار الواسع للأجهزة الرقمية. ومن المقبول أن يكون وقت النوم خلال الإجازة الصيفية أكثر مرونة مقارنة بأيام الدراسة، كما قد يستيقظ الأطفال في وقت متأخر نسبيًا، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية الحرص على حصولهم على عدد ساعات النوم الذي يتناسب مع احتياجاتهم العمرية، مع التأكد من أن استخدام الشاشات لا يؤثر في جودة النوم أو مدته.

وتتبع بعض الأسر ممارسة تتمثل في وضع جميع الأجهزة الإلكترونية خارج غرف النوم ليلًا لشحنها، وهو إجراء قد يسهم في الحد من استخدام الشاشات قبل النوم. ومع ذلك، قد يستخدم بعض الأطفال أجهزتهم للاستماع إلى الكتب الصوتية (Audiobooks)، أو الموسيقى، أو التسجيلات الصوتية المخصصة للاسترخاء أو اليقظة الذهنية (Mindfulness) للمساعدة على النوم.

وفي هذه الحالات، يمكن السماح باستخدام هذه الوسائل ما دامت تقتصر على المحتوى المخصص للمساعدة على النوم، مع وضع ضوابط تحد من الوصول إلى التطبيقات أو الأنشطة الأخرى بعد وقت معين. ويمكن الاستفادة من تطبيقات الرقابة الأبوية أو إعدادات تحديد وقت استخدام الشاشات (Screen Time Controls) لتقييد الوصول إلى المحتوى غير الضروري خلال ساعات الليل.

إعطاء الأولوية للنشاط البدني 

تشير التقارير العالمية إلى انخفاض مستويات النشاط البدني بين الأطفال والمراهقين، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل، ولا يُعد استخدام الشاشات العامل الوحيد المسؤول عن هذا الانخفاض. ومع ذلك، تمثل الإجازة الصيفية فرصة مناسبة لتعزيز النشاط البدني وتعويض جانب من قلة الحركة التي قد تحدث خلال العام.

ومن المهم أن تحرص الأسرة على أن يحظى النشاط البدني بالأولوية قبل الأنشطة التي تعتمد على الجلوس لفترات طويلة أمام الشاشات.

وبالنسبة للأطفال الذين لا يشاركون في المخيمات الصيفية أو البرامج الترفيهية المنظمة، يمكن تخصيص جزء من اليوم لأنشطة مثل اللعب في الهواء الطلق، أو اللقاء بالأقران، أو المشي في الحي، أو زيارة الحدائق العامة، أو إنجاز بعض المهام اليومية سيرًا على الأقدام. ويُفضل أن تُمارس هذه الأنشطة قبل بدء وقت استخدام الشاشات، بما يعزز إدراك الطفل لأهمية الحركة بوصفها جزءًا أساسيًا من روتينه اليومي.

وحتى في الأيام التي يتعذر فيها الخروج من المنزل، مثل الأيام الممطرة أو في الحالات التي تستدعي بقاء الطفل داخل المنزل، يمكن تشجيعه على ممارسة أنشطة حركية داخلية، مثل مقاطع الرقص أو تمارين اليوغا الموجهة للأطفال، بما يساعد على تعزيز النشاط البدني قبل الجلوس لاستخدام الأجهزة الإلكترونية.

ما القيم التي تسعى الأسرة إلى ترسيخها؟ 

عند طرح هذا السؤال على الوالدين، يشير كثير منهم إلى أن من أبرز ما يطمحون إليه خلال الإجازة الصيفية إتاحة وقت غير منظم لأبنائهم، بما يمنحهم فرصًا لقضاء وقت أطول في الهواء الطلق، أو ممارسة أنشطة يستمتعون بها مع أسرهم، أو تعزيز تواصلهم مع الأقارب والأصدقاء والجيران.

كما يطمح كثير من الوالدين إلى أن يستثمر أطفالهم هذا الوقت في الاستكشاف، وتنمية الإبداع، وتعلم كيفية التعامل مع أوقات الفراغ، وخوض تجارب جديدة تثري خبراتهم وتسهم في نموهم.

ومع تقدم الأطفال في العمر ودخولهم مرحلة المراهقة، تتجه تطلعات كثير من الأسر إلى تشجيع أبنائهم على تنويع اهتماماتهم، وتنمية شغفهم، والمشاركة في الأنشطة التطوعية، أو اكتساب خبرات عملية، أو تنمية المهارات الشخصية من خلال خوض تجارب جديدة. كما ينشغل بعض الوالدين بالحفاظ على استمرارية تعلم أبنائهم خلال الإجازة الصيفية، والحرص على استمرار ممارسة الأنشطة التي تنمي التفكير والتعلم، تمامًا كما يحرصون على استمرار النشاط البدني.

ومع ذلك، ليس من الواقعي أن تتمكن أي أسرة من تحقيق جميع هذه الأهداف في وقت واحد. لذلك، من الأفضل تحديد أولويات تتوافق مع قيم الأسرة، والعمل على تحقيقها بصورة تدريجية، مع مراعاة الإمكانات والظروف المتاحة. وقد يكون التركيز على هدف واحد أو هدفين أكثر فاعلية من محاولة تحقيق عدد كبير من الأهداف في الوقت نفسه؛ إذ يسهم ذلك في استثمار الجهود في توفير خبرات ذات قيمة للأطفال، بدلًا من السعي إلى تحقيق صورة مثالية يصعب الوصول إليها.

وضع خطة عملية 

تشير الخبرة العملية إلى أن كثيرًا من الأنشطة التي يحرص الوالدان على ممارستها مع أبنائهم خلال الإجازة الصيفية تُنفذ غالبًا خلال الفترة التي تقابل ساعات اليوم الدراسي. ولذلك، فإن التحديات المرتبطة باستخدام الشاشات تبرز في الغالب خلال ساعات ما بعد الظهيرة وحتى وقت النوم، حيث يزداد الوقت غير المنظم.

وعند مراعاة الجوانب التي سبق تناولها، مثل حصول الطفل على قسط كافٍ من النوم، وممارسة النشاط البدني، والمشاركة في الأنشطة التي تحقق أهداف الأسرة خلال الإجازة، يصبح من الأسهل النظر إلى استخدام الشاشات بوصفه جزءًا من روتين يومي متوازن، وليس بالضرورة مصدرًا للمشكلات.

كما يسهم الاتفاق المسبق على نوع الأنشطة الرقمية المسموح بها، والأماكن المناسبة لاستخدام الأجهزة، والأوقات المخصصة لذلك، في وضع حدود واضحة تقلل من الخلافات اليومية، وتدعم تطبيق الخطة بصورة أكثر اتساقًا.

وفي الختام، قد يسهم تنظيم استخدام الشاشات ضمن إطار متوازن يراعي احتياجات الطفل والأسرة معًا في الاستفادة من الجوانب الإيجابية للتقنيات الرقمية، مع المحافظة على الوقت المخصص للأنشطة اليومية، وتعزيز الجوانب الصحية والاجتماعية التي تُعد جزءًا أساسيًا من نمو الطفل وتطوره.

المرجع:

Screen Time and Summer

https://childmind.org/article/screen-time-and-summer/