ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يشير التنوع العصبي (Neurodiversity) إلى مفهوم يقوم على أن التباين في كيفية عمل الدماغ البشري يُعد جزءًا طبيعيًا من التنوع الإنساني، وأنه لا توجد طريقة واحدة يمكن اعتبارها المعيار الوحيد أو «الطريقة الصحيحة» لعمل الدماغ. وانطلاقًا من هذا المفهوم، يُنظر إلى اختلاف أنماط التفكير والإدراك والتعلّم والاستجابة للبيئة بوصفها اختلافات طبيعية تستحق القبول والاحترام، بما في ذلك لدى الأطفال ذوي اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder; ADHD)، واضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder; ASD)، واضطرابات التعلم (Learning Disorders).
ظهر مصطلح التنوع العصبي (Neurodiversity) في تسعينيات القرن الماضي بهدف الحد من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، ثم اتسع استخدامه لاحقًا ليشمل حالات أخرى ترتبط باختلافات في النمو العصبي.
حركة التنوع العصبي
ترجع بدايات حركة التنوع العصبي (Neurodiversity Movement) إلى عالمة الاجتماع الأسترالية جودي سينغر (Judy Singer)، التي كانت من أوائل من طرح هذا المفهوم. وقد قدمت التنوع العصبي بوصفه إطارًا يدعو إلى تعزيز المساواة والقبول الاجتماعي للأفراد الذين تعمل أدمغتهم بطرائق تختلف عن النمط الأكثر شيوعًا، ومن بينهم الأفراد ذوو اضطراب طيف التوحد، واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، واضطرابات التعلم.
ورأت سينغر أن هذه الاختلافات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أوجه قصور، وإنما بوصفها أنماطًا مختلفة لعمل الدماغ قد ترتبط لدى بعض الأفراد بقدرات ونقاط قوة مميزة. وقد أسهم هذا الطرح في توسيع النقاش حول كيفية فهم الاختلافات العصبية والتعامل معها في البيئات التعليمية والاجتماعية.
ما أنواع التنوع العصبي؟
لا يوجد تعريف رسمي متفق عليه لمفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity)، ولذلك قد تختلف الحالات التي تندرج ضمنه باختلاف الجهات العلمية أو المتخصصين. ومع ذلك، تُعد الحالات العصبية النمائية الآتية من أكثر الحالات شيوعًا عند الحديث عن هذا المفهوم:
اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder; ASD).
اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder; ADHD).
عسر القراءة (Dyslexia): صعوبة في اكتساب مهارات القراءة.
عسر الكتابة (Dysgraphia): صعوبة في اكتساب مهارات الكتابة.
عسر الحساب (Dyscalculia): صعوبة في تعلم المهارات الحسابية.
عسر الأداء (Dyspraxia): صعوبة في التخطيط الحركي والتآزر الحركي.
اضطراب التعلم غير اللفظي (Nonverbal Learning Disorder; NVLD): صعوبة في معالجة المعلومات البصرية المكانية، ويُعرف أيضًا باسم اضطراب النمو البصري المكاني (Developmental Visual-Spatial Disorder).
صعوبات المعالجة الحسية (Sensory Processing Issues).
صعوبات الوظائف التنفيذية (Executive Function Issues).
التركيز على نقاط القوة في إطار التنوع العصبي
يُعد إبراز نقاط القوة والإمكانات الفردية أحد المحاور الرئيسة في مفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity). فبعض الأفراد قد يمتلكون قدرات أو سمات مميزة ترتبط باختلافاتهم العصبية؛ فعلى سبيل المثال، قد يرتبط اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder; ADHD) وعسر القراءة (Dyslexia) لدى بعض الأفراد بسمات مثل الإبداع، كما قد يظهر لدى بعض الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder; ASD) فرط التركيز (Hyperfocus) أو أنماط تفكير غير تقليدية عند معالجة المعلومات أو حل المشكلات.
ويرى بعض المختصين إلى أن لكل فرد جوانب قوة، إلى جانب مهارات أو جوانب تحتاج إلى مزيد من الدعم والتنمية. ومن هذا المنطلق، يركز هذا التوجه على الاستفادة من نقاط القوة لدى المستفيد، بالتوازي مع تقديم الدعم اللازم لتنمية المهارات التي يحتاج إليها، بدلًا من الاقتصار على التركيز على جوانب القصور.
ويؤكد هذا النهج أن التعرف إلى نقاط القوة لدى المستفيد ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من تخطيط التدخلات، بحيث تُوظف هذه القدرات لدعم تعلمه وتحقيق أهدافه، إلى جانب تنمية المهارات التي يحتاج إليها.
كما يركز هذا التوجه على إشراك المستفيد في تحديد أهداف التدخل، كلما كان ذلك ممكنًا، بما يتوافق مع احتياجاته وأولوياته. وإذا كانت هناك صعوبات أو أعراض تحد من قدرته على تحقيق أهدافه أو المشاركة بفاعلية في أنشطته اليومية، فإنها تصبح محورًا للتدخل والدعم.
تعزيز البيئات الشاملة
يرى عدد من المختصين المؤيدين لمفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity) أن بعض الصعوبات التي يواجهها الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد، أو اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، أو اضطرابات التعلم قد تتأثر بخصائص البيئة المحيطة، وليس بالخصائص الفردية وحدها. فبعض البيئات قد تفرض متطلبات تجعل المشاركة أو الأداء أكثر صعوبة، مثل الجداول الدراسية الجامدة، أو البيئات التي تتسم بارتفاع مستوى الضوضاء أو كثرة المثيرات البصرية.
وقد تنشأ تحديات إضافية نتيجة محدودية الوعي بهذه الاختلافات أو ضعف تقبلها اجتماعيًا، مما قد يؤثر في فرص المشاركة والاندماج. لذلك، يدعو هذا التوجه إلى إجراء تعديلات مناسبة في البيئات المختلفة، مثل المدارس، وأماكن العمل، والأنشطة المجتمعية، بما يعزز شموليتها ويجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الأفراد الذين تختلف أنماط تعلمهم أو معالجتهم للمعلومات.
ماذا ينبغي فعله إذا اعتقد الطفل أنه من ذوي الاختلافات العصبية؟
إذا أخبر الطفل والديه بأنه يعتقد أنه من ذوي الاختلافات العصبية (Neurodivergent)، فإن الاستجابة الأكثر دعمًا تتمثل في الإصغاء إليه بتفهم وتعاطف، بعيدًا عن إصدار الأحكام أو التقليل من مشاعره. ويُعد تشجيع الطفل على التعبير عن أفكاره ومشاعره نقطة انطلاق مهمة لفهم ما يمر به.
ويُعد إجراء تقييم شامل (Comprehensive Evaluation) الخطوة التالية المناسبة، مع الحرص على عدم إبلاغ الطفل مسبقًا بأن التقييم سيؤدي بالضرورة إلى التشخيص الذي يتوقعه أو يرغب فيه. فالغرض من التقييم هو فهم طبيعة الصعوبات التي يواجهها الطفل، والوصول إلى تفسير دقيق لها، بما يسهم في تحديد سبل الدعم المناسبة.
وينبغي أن يوفر التقييم فهمًا شاملًا للصعوبات التي يواجهها الطفل، وأن يحدد ما إذا كانت تستوفي المعايير التشخيصية لأحد الاضطرابات، مع الأخذ في الاعتبار أن النتيجة قد تختلف عما يتوقعه الطفل أو أسرته. فقد يكشف التقييم عن اضطراب القلق الاجتماعي (Social Anxiety Disorder)، أو أحد اضطرابات المزاج (Mood Disorders)، أو اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder; ADHD)، أو اضطراب التعلم غير اللفظي (Nonverbal Learning Disorder; NVLD). وقد تؤثر هذه الحالات في التفاعل الاجتماعي، والمشاركة في البيئات الجماعية، وقد تترافق لدى بعض الأفراد مع صعوبات في المعالجة الحسية. كما قد يُظهر التقييم أن الطفل لا يستوفي المعايير التشخيصية لأي اضطراب.
ومع ذلك، فإن عدم استيفاء المعايير التشخيصية لا يعني أن الصعوبات التي يواجهها الطفل غير حقيقية أو لا تستحق الاهتمام، بل يشير إلى ضرورة مواصلة البحث عن أسبابها وتحديد سبل الدعم المناسبة. ولذلك، ينبغي أن تنتهي عملية التقييم بوضع خطة واضحة تستند إلى نتائجه، بما يساعد الطفل وأسرته على فهم احتياجاته وتوفير الدعم الملائم لها.
الاضطراب أم الاختلاف؟
يرى بعض المختصين أن استخدام مصطلح «الاختلافات» بدلًا من «الاضطرابات» قد يسهم في الحد من الوصمة الاجتماعية وتعزيز تقبل التنوع بين الأفراد. ومع ذلك، تؤكد أن التشخيص يظل ضروريًا عندما تكون الصعوبات ذات أثر واضح في أداء الطفل اليومي.
فعندما تؤثر الصعوبات بصورة ملحوظة في الأداء الأكاديمي، أو العلاقات الاجتماعية، أو الحياة الأسرية، أو المهارات التكيفية، يصبح الحصول على تشخيص مهني خطوة مهمة لفهم طبيعة هذه الصعوبات، وتحديد التدخلات المناسبة، وتمكين الطفل من الاستفادة من الخدمات التعليمية والتأهيلية والداعمة التي يحتاج إليها.
وفي المقابل، فإن النظر إلى الأفراد ذوي الاختلافات العصبية بوصفهم أشخاصًا لديهم اختلافات في أنماط عمل الدماغ، وليس بوصفها نواقص، يسهم في تعزيز تقبل التنوع الإنساني، وتهيئة بيئات تعليمية واجتماعية أكثر شمولًا، بما يدعم هؤلاء الأفراد في تنمية قدراتهم والاستفادة من إمكاناتهم إلى أقصى حد.
المرجع:
What Is Neurodiversity?
https://childmind.org/article/what-is-neurodiversity/





