ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
إرشادات للتحدث مع الأطفال حول اضطراب طيف التوحد، وأهمية إبلاغهم بالتشخيص
عندما يتلقى طفلك تشخيصًا باضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder, ASD)، فقد تتساءل عن تأثير هذا التشخيص في حياته، ونوع الدعم الذي قد يحتاج إليه. وقد تجد أيضًا صعوبة في تحديد الوقت والطريقة المناسبين لإخباره بتشخيصه.
ولا توجد طريقة واحدة تناسب جميع الأطفال؛ فلكل طفل خصائصه واحتياجاته الفردية، كما تختلف مظاهر اضطراب طيف التوحد من طفل إلى آخر.
لماذا لا ينبغي تأجيل إخباره بالتشخيص؟
يشعر كثير من الوالدين بالقلق حيال الكيفية التي قد ينظر بها الآخرون إلى تشخيص طفلهم، ولا سيما أقرانه. وتشير الدكتورة أليكسيس بانكروفت (Alexis Bancroft)، أخصائية علم النفس المتخصصة في اضطراب طيف التوحد، إلى أن كثيرًا من الأسر تخشى أن يؤدي التشخيص إلى نبذ الطفل اجتماعيًا، أو وصمه، أو معاملته على أنه مختلف عن أقرانه.
ومع ذلك، فإذا كانت الأسرة قد لجأت إلى طلب تقييم للتوحد لطفلها، فمن المرجح أنها لاحظت بالفعل وجود اختلافات في سلوكه أو نموه. كما أن الطفل وأقرانه سيلاحظون هذه الاختلافات مع مرور الوقت، إن لم يكونوا قد لاحظوها بالفعل.
وقد تمثل الوصمة الاجتماعية تحديًا حقيقيًا، إلا أن الأطفال يميلون إلى إصدار أحكام أكثر سلبية تجاه السلوكيات المختلفة عندما لا يفهمون أسبابها. وتشير الدكتورة بانكروفت إلى أن عدم تشخيص الطفل أو عدم إخباره بتشخيصه قد يسهم في ترسيخ هذه الوصمة. كما استشهدت بدراسة أظهرت تحسن الانطباعات الأولى لدى البالغين تجاه الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد عندما يكون التشخيص معروفًا، وعندما تتوافر لديهم معلومات كافية عن الاضطراب.
وقد يكون الأطفال قساة في تعاملهم مع أقرانهم، كما قد يكونون قساة في نظرتهم إلى أنفسهم. فالطفل الذي يُظهر خصائص اضطراب طيف التوحد دون أن يكون على دراية بتشخيصه قد يتساءل عمّا إذا كان هناك خطب ما فيه، دون أن يفهم سبب اختلافه عن أقرانه، مما قد يؤدي إلى شعوره بقدر كبير من القلق. كما أن إخفاء التشخيص عنه قد يدفعه لاحقًا إلى الاعتقاد بأن هناك ما يدعو إلى الخجل من هذا التشخيص.
وتشير الدكتورة بانكروفت إلى أن معرفة الطفل بتشخيصه في سن مبكرة تساعده على تقبل هذا الجانب بوصفه جزءًا طبيعيًا من هويته.
وأظهرت دراسة تناولت وجهات نظر طلاب جامعيين من ذوي اضطراب طيف التوحد أن الذين علموا بتشخيصهم في سن أصغر أفادوا بتمتعهم بجودة حياة أفضل مقارنة بمن لم يعلموا بتشخيصهم إلا في مراحل عمرية متأخرة. وتشير نتائج هذه الدراسة إلى أن إبلاغ الطفل بتشخيصه في سن مبكرة قد يسهم في تسهيل حصوله على الدعم المناسب، وتنمية فهمه لذاته، بما قد ينعكس إيجابًا على تكيفه في المراحل اللاحقة من حياته.
ومع ذلك، فإن أهمية إبلاغ الطفل بتشخيصه في وقت مبكر لا تعني أن هذه المحادثة ينبغي أن تتم بصورة عابرة أو دون استعداد مناسب.
كيف تبدأ الحديث مع طفلك؟
تشير الدكتورة أليكسيس بانكروفت (Alexis Bancroft) إلى أنه لا توجد طريقة واحدة تضمن الاستعداد الكامل لإبلاغ الطفل بتشخيصه، إلا أنها تؤكد أهمية أن يحرص الوالدان أولًا على تثقيف نفسيهما حول اضطراب طيف التوحد، وذلك من خلال الاطلاع على الكتب، أو الاستماع إلى البرامج الصوتية (Podcasts)، بما في ذلك المحتوى الذي يقدمه أشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد ويتحدثون فيه عن تجاربهم الشخصية.
ويسهم التعرف على وجهات النظر المختلفة حول اضطراب طيف التوحد، وفهم طبيعته، وكيفية ظهوره لدى الأفراد، في مساعدة الوالدين على خوض هذه المحادثة بصورة أكثر وعيًا واستعدادًا.
وقد يحتاج الوالدان إلى بعض الوقت لاستيعاب معنى تشخيص اضطراب طيف التوحد، وما الذي يعنيه بالنسبة لطفلهما على وجه الخصوص، نظرًا لاختلاف خصائص كل طفل واحتياجاته. كما توصي بالتحدث مع الأشخاص المقربين وطلب الدعم عند الشعور بالإرهاق، وقد يكون من المفيد أيضًا استشارة أحد مختصي الصحة النفسية عند الحاجة.
ويمتلك الأطفال قدرة ملحوظة على ملاحظة الإشارات اللفظية وغير اللفظية الصادرة عن والديهم؛ لذلك من المهم أن يكون الوالدان قادرين على إدارة انفعالاتهما قبل البدء في الحديث مع الطفل. كما يُستحسن اختيار وقت ومكان يشعر فيه جميع الأطراف بالراحة، بما يهيئ بيئة هادئة تساعد على التركيز.
ورغم أن الطفل قد لا يتذكر جميع التفاصيل التي تُذكر له خلال هذه المحادثة، فإنه غالبًا ما يتذكر المشاعر التي صاحبتها، والطريقة التي جرى بها الحوار معه.
كما توصي بالاستعداد للإجابة عن الأسئلة التي قد يطرحها الطفل. وإذا لم يكن الوالدان يعرفان إجابة أحد هذه الأسئلة، فمن المناسب إبلاغ الطفل بذلك بصراحة، مع التأكيد على أنهما سيبحثان عن الإجابة معه، ثم العودة إليه لاحقًا بعد الحصول على معلومات موثوقة.
ركّز على نقاط القوة لدى طفلك
عند شرح تشخيص اضطراب طيف التوحد للطفل، يُستحسن أن يبدأ الوالدان بالحديث عن جوانب القوة والقدرات التي يتميز بها، ثم الانتقال إلى التحديات التي واجهها أو قد يواجهها مستقبلًا، مع تقديمها بوصفها اختلافات في طريقة التعلم أو التفاعل، لا عيوبًا أو أوجه قصور. كما ينبغي توضيح أن هذه التحديات ليست نتيجة خطأ ارتكبه الطفل، وأن معرفة التشخيص قد تساعد في توفير الدعم الذي يتناسب مع احتياجاته، مع التأكيد على استمرار دعم الأسرة له.
كما تؤكد الدكتورة بانكروفت أن اضطراب طيف التوحد لا يعني وجود خلل في الطفل أو أن شخصيته بحاجة إلى تغيير، وإنما قد يحتاج بعض الأطفال إلى دعم إضافي في مجالات معينة، شأنهم في ذلك شأن جميع الأفراد الذين قد يحتاج كل منهم إلى المساندة في جوانب مختلفة من حياتهم.
وإذا كان للطفل اهتمام خاص بمجال معين، فمن المفيد البدء بالحديث عن هذا الجانب، مثل شغفه بموضوع محدد أو امتلاكه معرفة واسعة في مجال يثير اهتمامه، مع الإشارة إلى أن هذه القدرات تمثل إحدى نقاط القوة التي تميزه.
ماذا يُقال للطفل، وما الذي يُفضَّل تجنبه؟
بعد الحديث عن إحدى نقاط القوة لدى الطفل، يمكن الانتقال إلى مناقشة أحد التحديات التي يواجهها. فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل يجد صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية، فيمكن توضيح ذلك له بأسلوب يتناسب مع عمره ومستوى فهمه، وذلك بإخباره أنه قد يجد أحيانًا صعوبة في فهم أسباب قول الآخرين أو قيامهم ببعض التصرفات، وأن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد قد يحتاجون أحيانًا إلى دعم إضافي لفهم ما يقصده الآخرون أو ما يفكرون فيه عندما لا يعبرون عنه بصورة مباشرة.
كما توصي الدكتورة أليكسيس بانكروفت (Alexis Bancroft) بإعادة صياغة بعض التحديات بطريقة تعكس الاختلافات الفردية. فعلى سبيل المثال، بدلًا من وصف اضطراب طيف التوحد بأنه يتميز بضعف القدرة على إجراء المحادثات، يمكن توضيح أن الطفل قد يميل إلى التحدث بحماس عن الموضوعات التي تثير اهتمامه، في حين قد لا يشعر بالحماس نفسه تجاه الأحاديث الاجتماعية القصيرة أو العامة.
ومن المهم أيضًا طمأنة الطفل إلى أن التحديات التي يواجهها ليست نتيجة خطأ ارتكبه، وأن بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد قد يجدون صعوبة في تنظيم انفعالاتهم عند الشعور بالضيق، أو قد تكون لديهم أساليب مختلفة لتهدئة أنفسهم أو للتعبير عن مشاعرهم وحماسهم، وهو أمر يمكن فهمه ودعمه من خلال توفير الاستراتيجيات المناسبة.
كيفية التعامل مع ردود الفعل السلبية
قد يستجيب بعض الأطفال لتشخيصهم بالغضب أو الخوف أو غير ذلك من الانفعالات السلبية القوية. وفي مثل هذه المواقف، يُنصح بأن يركز الوالدان على تقبل مشاعر الطفل والإنصات إليها، بدلًا من محاولة تهدئته بسرعة أو توجيه انتباهه مباشرة إلى الجوانب الإيجابية للتشخيص.
ويحتاج الطفل في تلك اللحظة إلى الشعور بأن هناك من سيساعده على مواجهة التحديات التي قد تعترضه، وأنه سيحصل على الدعم الذي يتناسب مع احتياجاته.
كما يمكن للوالدين توضيح أن هناك فريقًا من الأشخاص سيعمل على دعمه، مثل الأطباء، والمعلمين، وأفراد الأسرة، وأن هذا الفريق سيتعاون في تقديم الاستراتيجيات المناسبة لمساعدته على التعامل مع التحديات المختلفة.
ومن المهم إدراك أن الحديث عن تشخيص اضطراب طيف التوحد ليس محادثة واحدة تنتهي في جلسة واحدة، بل هو حوار مستمر يتطور مع نمو الطفل وتزايد فهمه لذاته واحتياجاته.
اختيار الأسلوب المناسب وفقًا لعمر الطفل وخصائصه
تعتمد الطريقة المناسبة لشرح تشخيص اضطراب طيف التوحد على خصائص كل طفل. لذلك توصي الدكتورة بانكروفت بمراعاة المستوى النمائي، والمستوى اللغوي، ومدى استعداد الطفل لتلقي هذه المعلومات، إلى جانب عمره الزمني.
وقد يبدأ الطفل بطرح أسئلة حول سبب خضوعه للتقييم، أو يلاحظ اختلافه عن أقرانه، أو يتساءل: «ما الذي يجعلني مختلفًا؟» أو «لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟». وتمثل هذه التساؤلات فرصة مناسبة لبدء الحديث عن التنوع العصبي (Neurodiversity) بطريقة مباشرة تتناسب مع مستوى الطفل.
فعلى سبيل المثال، يمكن إخباره بأن اضطراب طيف التوحد قد يجعل فهم بعض الإشارات الاجتماعية أكثر صعوبة بالنسبة إليه، وأن هذا لا يعني وجود خطأ فيه، وإنما يعني أنه يحتاج إلى مزيد من الدعم لتعلم هذه المهارات، وأن الأسرة ستسانده خلال هذه الرحلة.
ويعتمد الأسلوب المستخدم في هذا الحوار على عمر الطفل، ومستواه اللغوي، وقدرته على الفهم؛ ولذلك تختلف طريقة تقديم المعلومات باختلاف المرحلة العمرية.
الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة
قد لا يكون الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، أو الأطفال الذين يماثلونهم في المستوى النمائي واللغوي، قادرين على استيعاب المعنى الكامل لاضطراب طيف التوحد. لذلك يُنصح بتقديم المعلومات لهم بلغة بسيطة وملموسة، مع توضيح أن اضطراب طيف التوحد يمثل أحد أوجه الاختلاف بين الأفراد، وليس أمرًا يستدعي الخوف أو القلق.
وتشير الدكتورة أليكسيس بانكروفت (Alexis Bancroft) إلى أن مرحلة ما قبل المدرسة تمثل فترة يبدأ فيها الأطفال بملاحظة أوجه التشابه والاختلاف بينهم وبين أقرانهم. كما يتميز الأطفال في هذه المرحلة بقدر كبير من التقبل والمرونة في فهم هذه الفروق.
ولذلك يمكن للوالدين استخدام عبارات بسيطة، مثل: «عقلك مميز، وقد يعمل بطريقة تختلف قليلًا عن عقول بعض أصدقائك، وكما تختلف بصمات الأشخاص، فإن طريقة عمل أدمغة الناس تختلف أيضًا.» وقد يكون من المفيد مقارنة الطفل بأحد أفراد الأسرة، مع توضيح أن لكل شخص نقاط قوة وجوانب قد يجدها أكثر سهولة من غيره.
وتؤكد الدكتورة بانكروفت أهمية أن يكون الحديث في هذه المرحلة العمرية قصيرًا، وواضحًا، ومباشرًا، وأن يركز على أمثلة وسلوكيات يستطيع الطفل ملاحظتها وفهمها. كما يُنصح بتطبيع الحديث عن الاختلافات الفردية، وتشجيع الطفل على طرح أي أسئلة قد تدور في ذهنه، مع تقبل رغبته في إنهاء الحديث إذا شعر بالاكتفاء؛ إذ قد يكون الطفل مستعدًا للانتقال إلى نشاط آخر قبل أن ينتهي الوالدان من الحديث.
الأطفال في سن المدرسة
يكون الأطفال في سن المدرسة أكثر إدراكًا لعملية التقييم، وقد يصبحون أكثر استعدادًا لإجراء حوار مباشر حول تشخيصهم. كما أنهم غالبًا ما يطرحون أسئلة واضحة ومحددة تتعلق بطبيعة اضطراب طيف التوحد وما يعنيه بالنسبة إليهم.
ورغم أن المبادئ الأساسية للحوار تظل متشابهة، فإن أسلوب الشرح يصبح أكثر عمقًا بما يتناسب مع نمو الطفل وقدرته على الفهم. لذلك يُنصح بالاستمرار في التركيز على نقاط القوة التي يتميز بها الطفل، مع توضيح التحديات التي قد يواجهها بطريقة تتناسب مع خبراته، والحرص على استخدام مفردات يفهمها ويستطيع استيعابها.
المراهقون
قد يكون المراهقون والشباب الذين يتلقون تشخيصًا جديدًا باضطراب طيف التوحد قد اطلعوا مسبقًا على معلومات حول الاضطراب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد يبدأ بعضهم في مقارنة ما يقرؤونه أو يشاهدونه بتجاربهم الشخصية.
ومن المرجح أيضًا أن يبحثوا عن معلومات إضافية عبر الإنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي بعد معرفة التشخيص. ولذلك ينبغي توجيههم إلى أهمية التحقق من موثوقية المعلومات، والتأكيد على أن ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يستند دائمًا إلى معلومات علمية دقيقة.
كما يمكن توجيههم إلى المصادر العلمية الموثوقة إذا رغبوا في معرفة المزيد عن اضطراب طيف التوحد. ومن المفيد أيضًا توضيح كيفية عمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، وأنها قد تستمر في عرض محتوى مشابه كلما ازداد تفاعل المستخدم معه.
وبوجه عام، يُستحسن أن يحرص الوالدان على معرفة نوعية المحتوى الذي يطّلع عليه أبناؤهم، وأن يشجعوهم على التحدث بصراحة عما يشاهدونه أو يقرؤونه، ولا سيما إذا كان متعلقًا باضطراب طيف التوحد، مع الإصغاء إلى آرائهم ومناقشتها بصورة داعمة.
بناء صلة بمجتمع داعم
من المهم أن يدرك الطفل أنه ليس الوحيد الذي يُظهر خصائص اضطراب طيف التوحد، وأن هناك كثيرًا من الأشخاص الذين يشاركونه تجارب مشابهة. وقد يسهم التعرف على مجتمعات داعمة أو مجموعات مهارات اجتماعية مناسبة في تعزيز شعوره بالانتماء، وإتاحة الفرصة له للتواصل مع آخرين يواجهون تحديات مشابهة.
وإذا كان لدى الطفل اهتمام خاص بمجال معين، فقد يكون من المفيد تعريفه بأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد حققوا إنجازات في المجال نفسه، بما يساعده على تكوين صورة أكثر إيجابية عن إمكاناته وقدراته.
وتتوفر العديد من المصادر العلمية والتثقيفية الموثوقة التي تقدم معلومات عن اضطراب طيف التوحد، ويمكن للوالدين الاستفادة منها في تنمية فهمهم للتشخيص، واختيار الأساليب المناسبة للتحدث مع أطفالهم بما يتوافق مع احتياجاتهم ومستواهم النمائي.
المرجع:
How to Tell Your Child About Their Autism Diagnosis
https://childmind.org/article/how-to-tell-your-child-about-their-autism-diagnosis/





