ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يتناول هذا المقال أحد أشكال التمييز القائم على الإعاقة (Ableism) الذي قد يواجهه الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد القادرون على استخدام التواصل اللفظي بكفاءة. أما الأشخاص الذين يستخدمون التواصل المعزز والبديل (Augmentative and Alternative Communication – AAC)، أو الكتابة، أو لغة الإشارة، أو الذين لم يكتسبوا بعد مهارات تواصل تتيح لهم التفاعل على نطاق أوسع، فقد يواجهون أشكالًا أخرى من التحيز والتمييز لا يتناولها هذا المقال.
مشكلة التعاطف المزدوج
تقوم لعبة «الهاتف» أو الهمس المتسلسل على نقل رسالة شفهيًا من شخص إلى آخر حتى تصل إلى آخر مشارك، الذي يعلن الصيغة التي وصلته. وغالبًا ما تختلف الرسالة النهائية عن الأصل نتيجة التغيرات التي تحدث أثناء انتقالها بين المشاركين.
استخدمت إحدى الدراسات صيغة مشابهة من هذا النشاط لفحص دقة انتقال الرسائل بين ثلاث مجموعات: مجموعة مكونة من أشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، ومجموعة من أشخاص ذوي نمط عصبي سائد، ومجموعة مختلطة تضم أشخاصًا من النمطين.
أظهرت النتائج أن مقدار تراجع دقة الرسالة بين المشاركين ذوي اضطراب طيف التوحد ممن يستخدمون التواصل اللفظي لم يكن أكبر من مقدار التراجع لدى المشاركين ذوي النمط العصبي السائد. إلا أن دقة الرسالة تراجعت بصورة أكبر عندما انتقلت عبر المجموعة المختلطة.
لو كانت صعوبات التواصل الاجتماعي لدى الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ناتجة عن قصور ثابت في مهارات التواصل، لكان من المتوقع أن تسجل المجموعة المكونة منهم أكبر تراجع في دقة الرسالة، وهو ما لم تظهره النتائج.
فقد نقل المشاركون ذوو اضطراب طيف التوحد الرسائل فيما بينهم بدرجة مقاربة للمشاركين ذوي النمط العصبي السائد. وتشير هذه النتيجة إلى أن بعض صعوبات التواصل قد لا تنتج عن قصور لدى أحد الطرفين، بل عن عدم التوافق بين أساليب التواصل وتفسير الإشارات الاجتماعية لدى الأشخاص من الأنماط العصبية المختلفة.
يُعرف هذا التفسير باسم مشكلة التعاطف المزدوج (Double Empathy Problem)، وهو مفهوم قدمه الباحث داميان ميلتون. ويتحدى هذا المفهوم الافتراض القائل إن الأشخاص ذوي النمط العصبي السائد يمتلكون مهارات اجتماعية يفتقر إليها الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد.
ويقترح بدلًا من ذلك أن صعوبات التواصل بين الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وغيرهم لا تنتج بالضرورة عن قصور أحادي الجانب، بل قد ترتبط باختلاف متبادل في طرق التواصل وفهم الخبرات والإشارات الاجتماعية.
إعادة النظر في تفسير صعوبات التواصل
يمثل مفهوم التعاطف المزدوج إعادة نظر في التفسير الذي كان ينسب تعثر التواصل إلى الخصائص الاجتماعية للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وحدهم.
ويرتبط مصطلح «التعاطف» في هذا المفهوم بالاعتقاد الشائع بأن الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد يفتقرون إليه. إلا أن التعاطف قد يُعبَّر عنه ويُفهم بطرائق مختلفة، وقد يواجه كل طرف صعوبة في تفسير أسلوب الطرف الآخر.
ركزت دراسات متعددة على الصعوبات التي قد يواجهها الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد في تفسير تعبيرات الوجه. وفي دراسة نُشرت عام 2016، طُلب من أشخاص ذوي نمط عصبي سائد تفسير تعبيرات وجوه أشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، فواجهوا بدورهم صعوبة في تفسيرها بدقة.
كما أشارت سلسلة من الدراسات المنشورة عام 2017 إلى أن بعض صعوبات تكوين العلاقات بين الأشخاص من الأنماط العصبية المختلفة قد ترتبط بتكوين انطباعات أولية سلبية عن الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، ثم انخفاض الرغبة في التفاعل معهم. وقد استندت هذه الانطباعات في بعض الحالات إلى المظهر أو طريقة التعبير، لا إلى محتوى الحديث أو مستوى المهارات الحوارية.
تشير هذه النتائج إلى أن العزلة الاجتماعية التي قد يواجهها بعض الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد لا يمكن تفسيرها بخصائصهم الاجتماعية وحدها، بل قد تسهم فيها أيضًا المواقف السلبية والتمييز القائم على الإعاقة.
آثار صعوبة التواصل في الطرفين
قد تؤثر صعوبة التواصل بين الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وغيرهم في كلا الطرفين. ونظرًا إلى أن الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد يمثلون أقلية عددية، فقد تزيد محدودية تواصلهم مع المحيط الاجتماعي من احتمالية شعور بعضهم بالوحدة أو العزلة.
وفي المقابل، قد يؤدي استبعادهم أو تجنب التفاعل معهم إلى فقدان وجهات نظر وخبرات مختلفة يمكن أن تسهم في حل المشكلات وتطوير أساليب العمل والتفكير.
وقد كان لبعض الشخصيات التي أعلنت عن تشخيصها باضطراب طيف التوحد إسهامات في مجالات ثقافية وفنية وتقنية متنوعة، ومنهم الناشطة البيئية غريتا تونبرغ، والممثل دان أيكرويد، ومبتكر سلسلة «بوكيمون» ساتوشي تاجيري.
ومع ذلك، لا تقتصر قيمة مشاركة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد على الإنجازات الاستثنائية أو الشهرة. فلكل شخص خبراته ووجهات نظره التي قد تؤثر في المحيطين به وتسهم في الحياة الاجتماعية والمهنية.
وقد يتناول بعض الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد المشكلات من زوايا مختلفة، وهو ما قد يكون مفيدًا في المواقف اليومية وبيئات العمل. كما قد يظهر لدى بعضهم اهتمام بالعدالة، أو ميل إلى الصراحة والدقة، أو استعداد لمناقشة القرارات بدلًا من قبولها استنادًا إلى التسلسل الإداري وحده.
ويمكن أن تكون هذه الخصائص مفيدة في العلاقات الاجتماعية وبيئات العمل عندما تُفهم وتُوظف بصورة مناسبة. ومع ذلك، تختلف القدرات والخصائص بين الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، ولا ينبغي افتراض وجود سمة معينة لدى جميع أفراد هذه الفئة.
توسيع فهم التعاطف لدى الأشخاص ذوي النمط العصبي السائد
ركزت كثير من التدخلات التي تهدف إلى تقليل صعوبات التواصل بين الأنماط العصبية المختلفة على تعليم الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد كيفية فهم الآخرين والتكيف مع توقعاتهم الاجتماعية.
إلا أن مفهوم التعاطف المزدوج يوضح أن ذلك لا يمثل سوى جانب واحد من المشكلة. فقد يواجه الأشخاص غير ذوي اضطراب طيف التوحد بدورهم صعوبة في تفسير أساليب تواصل الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وفهم خبراتهم والتفاعل معهم.
تعكس الأعراف الاجتماعية السائدة عادةً أساليب الفئة الأكثر عددًا أو نفوذًا في المجتمع. ولذلك، فإن تحسين التفاهم بين الأشخاص من مختلف الأنماط العصبية يتطلب الاستماع إلى خبرات الفئات الأقل تمثيلًا، وعدم اعتبار الأسلوب الأكثر شيوعًا في التواصل أفضل بطبيعته من الأساليب الأخرى.
فالأعراف الاجتماعية المرتبطة بالنمط العصبي السائد أصبحت واسعة الانتشار لأنها تعكس طريقة تفكير غالبية الأشخاص وتواصلهم ومعالجتهم للمعلومات، وليس لأنها المعيار الوحيد الصحيح للتفاعل الاجتماعي.
يشير التعاطف إلى محاولة فهم خبرة شخص آخر ووجهة نظره. ومع ذلك، يُطلب من كثير من الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بذل جهد متكرر لفهم القواعد الاجتماعية غير المعلنة، وتفسيرها، وتعديل أساليب تواصلهم بما يتوافق مع توقعات الآخرين.
ولتقليل الفجوة بين الأنماط العصبية المختلفة، ينبغي ألا تقع مسؤولية التكيف على الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وحدهم. بل يحتاج الأشخاص ذوو النمط العصبي السائد أيضًا إلى تطوير قدرتهم على فهم الطرق التي يدرك بها الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد العالم ويعبرون بها عن احتياجاتهم ويتفاعلون مع الآخرين.
وقد يسهم هذا التوجه في بناء علاقات أكثر توازنًا، وتوسيع فرص الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد في التعليم والتوظيف والمشاركة المجتمعية. كما يمكن أن يساعد جهات العمل على التعرف إلى قدرات بعض الموظفين ذوي اضطراب طيف التوحد، مثل الخبرة المتخصصة، والانتباه إلى التفاصيل، والدقة في تنفيذ بعض المهام، مع مراعاة اختلاف هذه القدرات من شخص إلى آخر.
ويستفيد المجتمع عندما يتعامل مع الاختلافات العصبية بوصفها جزءًا من التنوع البشري، ويعمل على إزالة العوائق التي تحد من مشاركة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، بدلًا من افتراض أن مسؤولية التكيف تقع عليهم وحدهم.
ختامًا
لا تدعم صعوبات التواصل بين الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وغيرهم افتراض افتقارهم إلى التعاطف. فقد تنشأ بعض هذه الصعوبات من اختلاف طرق التعبير وفهم الإشارات الاجتماعية بين الأنماط العصبية المختلفة.
ويقدم مفهوم التعاطف المزدوج إطارًا أكثر توازنًا لفهم هذه الصعوبات، إذ ينقل التركيز من افتراض وجود قصور لدى طرف واحد إلى دراسة التفاعل المتبادل بين الطرفين. ويتطلب تحسين هذا التفاعل مشاركة الجميع في تطوير الفهم والمرونة والتكيف، بدلًا من مطالبة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وحدهم بتغيير أساليب تواصلهم.
المرجع:
Myth: Autistic People Lack Empathy
https://thelearnacademy.com/blog/myth-autistic-people-lack-empathy





