ترجمة: أ. جنا الدوسري
تهدف هذه الدراسة إلى تقييم مدى فعالية العلاج القائم على التكامل الحسي من الناحية السريرية والتكلفة الاقتصادية لدى الأطفال المصابين بالتوحد والذين يعانون من صعوبات في المعالجة الحسية، وذلك عبر مجموعة من النتائج المرتبطة بالسلوك، والقدرة الوظيفية، وجودة الحياة لكل من الطفل ومقدمي الرعاية. جاءت الدراسة استجابةً لتقارير متكررة من مقدمي الرعاية تشير إلى وجود احتياج غير مُلبّى لخدمات العلاج الوظيفي المتخصص في معالجة الصعوبات الحسية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، في ظل غياب أدلة علمية كافية تدعم اعتماد أسلوب علاجي محدد وفعّال بشكل قاطع.
اعتمد الباحثون تصميمًا تجريبيًا قويًا يتمثل في تجربة عشوائية محكومة ذات مجموعتين متوازيتين، مع إدراج مرحلة تجريبية داخلية لتقييم الإجراءات قبل التطبيق الكامل، إضافة إلى تقييم لآلية تنفيذ التدخل العلاجي أثناء سير الدراسة. تم توزيع المشاركين بطريقة عشوائية منظمة لضمان العدالة وتقليل التحيز، مع استخدام أسلوب المجموعات العشوائية المتوازنة. شملت الدراسة أطفالًا تم استقطابهم من خدمات صحية وتعليمية في مناطق مختلفة، بالإضافة إلى حالات تم تحويلها عبر التقديم الذاتي من قبل الأسر. وقد تضمنت معايير الاشتمال أن يكون الطفل مشخصًا باضطراب طيف التوحد، ومسجلًا في التعليم الابتدائي النظامي، ويعاني بدرجة واضحة أو محتملة من صعوبات في معالجة المدخلات الحسية. في المقابل، تم استبعاد الأطفال الذين تلقوا سابقًا علاج التكامل الحسي أو كانوا يخضعون حاليًا لبرامج تحليل السلوك التطبيقي.
تم تنفيذ التدخل العلاجي وفق برنامج منظم ومحدد المكونات، يعتمد على مبادئ التكامل الحسي، واستمر لفترة ممتدة بهدف إتاحة فرصة كافية لرصد التغيرات المحتملة في الأداء الوظيفي والسلوكي للطفل. بالمقابل، تلقت المجموعة المقارنة الرعاية المعتادة المتاحة ضمن الخدمات الصحية والتعليمية دون إضافة تدخل متخصص في التكامل الحسي. سعى الباحثون إلى الحفاظ على حيادية التقييم من خلال تعمية المقيمين الذين يقومون بجمع البيانات حول توزيع المشاركين، وذلك لتقليل تأثير التحيز في النتائج.
ركزت الدراسة على مجموعة واسعة من النتائج الأساسية والثانوية. تمثلت النتيجة الأساسية في قياس المشكلات السلوكية، وخاصة مظاهر الاندفاع والانزعاج والاضطراب العاطفي، من خلال أدوات تقييم سلوكية معيارية. أما النتائج الثانوية فقد شملت جوانب متعددة مثل القدرة على التكيف في الحياة اليومية، والمهارات الاجتماعية، ومستوى الأداء الوظيفي العام، إضافة إلى مستوى الضغوط النفسية لدى مقدمي الرعاية. كما تم تقييم جودة الحياة المرتبطة بالصحة لكل من الطفل والأسرة، إلى جانب قياس التغير في الأداء الوظيفي الفردي وفق أهداف علاجية شخصية يتم تحديدها لكل طفل. كذلك تمت دراسة جوانب المعالجة الحسية بشكل مباشر للتحقق مما إذا كانت هناك تحسنات وسيطة تفسر التغيرات المحتملة في السلوك أو الوظيفة. ولم يغفل الباحثون الجانب الاقتصادي، حيث تم تحليل تكلفة التدخل مقارنة بالفائدة العلاجية الناتجة عنه.
أظهرت النتائج أن عدد المشاركين كان متوازنًا بين المجموعتين عند بداية الدراسة، وأن التدخل تم تنفيذه بدرجة عالية من الالتزام بالبروتوكول العلاجي، مع انخفاض في مستوى التداخل بين المجموعتين، وعدم تسجيل آثار سلبية مرتبطة بالتدخل. كما أبدى مقدمو الرعاية والمعالجون انطباعات إيجابية بشأن التحسن في الأداء اليومي للأطفال، خاصة فيما يتعلق بالأنشطة الحياتية اليومية. ومع ذلك، وعند تحليل النتائج الأساسية بعد فترة المتابعة، لم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعة التي تلقت العلاج والمجموعة التي تلقت الرعاية المعتادة فيما يتعلق بالسلوكيات المشكلّة أو النتائج السريرية الرئيسية، سواء بعد ستة أشهر أو بعد فترة متابعة أطول.
ورغم عدم وجود تأثير عام واضح للتدخل على النتائج الأساسية، إلا أن بعض التحليلات الفرعية أظهرت مؤشرات متفاوتة تعتمد على خصائص معينة لدى الأطفال. على سبيل المثال، لوحظت فروق محتملة مرتبطة بجنس الطفل في بعض مؤشرات السلوك، وكذلك تأثيرات مختلفة لدى الأطفال الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه المصاحب. كما ظهرت اختلافات مرتبطة بمستوى الضغوط لدى مقدمي الرعاية تبعًا للمنطقة الجغرافية ووجود حالات نمائية أو جينية أخرى مصاحبة. إلا أن الباحثين أكدوا أن هذه النتائج تعتبر استكشافية ولا يمكن الاعتماد عليها بشكل نهائي، بل تحتاج إلى دراسات إضافية للتحقق منها.
في المقابل، أظهرت التقييمات الفردية المبنية على الأهداف العلاجية تحسنًا ملحوظًا في قدرة الأطفال على تحقيق الأهداف المحددة مسبقًا، إضافة إلى ارتفاع مستوى رضا مقدمي الرعاية عن التقدم المحقق خلال جلسات العلاج. وهذا يشير إلى أن التدخل قد يكون مفيدًا على مستوى فردي مخصص لكل حالة، رغم عدم ظهوره كخيار فعال على مستوى عام مقارنة بالرعاية المعتادة. ومع ذلك، فإن هذا التحسن لا يمكن الجزم بأنه ناتج حصري عن التدخل نفسه، إذ قد يكون جزء منه مرتبطًا بتأثيرات الرعاية العامة أو عوامل أخرى غير مضبوطة بالكامل.
أما من الناحية الاقتصادية، فقد خلصت الدراسة إلى أن هذا النوع من العلاج لا يمثل خيارًا فعالًا من حيث التكلفة عند مقارنته بالرعاية المعتادة، نظرًا لعدم تحقيقه فروقًا جوهرية في النتائج الأساسية مقابل الموارد المالية والبشرية المستثمرة فيه. وبذلك فإن إدخاله على نطاق واسع ضمن الخدمات الصحية يتطلب إعادة تقييم شاملة للفائدة مقابل التكلفة.
تضمنت الدراسة أيضًا بعض القيود المنهجية التي قد تؤثر على تفسير النتائج، مثل التباين في أماكن تقديم العلاج بين القطاعين العام والخاص، وتأخر حصول بعض المشاركين على التدخل، بالإضافة إلى وجود خطأ في تطبيق أحد مقاييس التقييم الوظيفي لدى الأطفال. كما لم يتم قياس بعض المؤشرات بشكل متساوٍ بين المجموعتين، مثل تقييم الأهداف العلاجية في المجموعة الضابطة، مما قد يحد من القدرة على المقارنة الكاملة.
وفي الخلاصة، تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن العلاج القائم على التكامل الحسي للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وصعوبات المعالجة الحسية لا يقدم تحسنًا واضحًا يفوق الرعاية التقليدية من حيث النتائج السلوكية أو الوظيفية العامة. ومع ذلك، قد تكون هناك فوائد فردية مرتبطة بتحقيق الأهداف الشخصية وتحسين الرضا لدى الأسر. وتبقى بعض الفروقات الفرعية التي ظهرت في التحليلات بحاجة إلى مزيد من البحث لفهمها بشكل أعمق وتحديد مدى تأثيرها الحقيقي. توصي الدراسة بإجراء أبحاث مستقبلية أكثر تخصصًا لاستكشاف هذه الفروق والتحقق من جدوى هذا النوع من التدخلات في فئات فرعية محددة من الأطفال.
المرجع:
Sensory integration therapy for children with autism and sensory processing difficulties: the SenITA RCT
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/35766242/





