الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

إمكانيات العلاج الوظيفي الإلكتروني للأطفال ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

شهد العالم خلال جائحة كوفيد-19 واحدة من أعنف موجات الاضطراب التي طالت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والصحية في آنٍ واحد، حيث تسببت إجراءات الإغلاق والتباعد الاجتماعي وإغلاق المدارس والقطاعات الحيوية في تغيير نمط الحياة اليومية بشكل مفاجئ وعميق. هذا الاضطراب الشامل لم ينعكس فقط على الصحة الجسدية، بل امتد تأثيره ليطال الصحة النفسية لجميع الفئات، وعلى وجه الخصوص الأطفال والمراهقين الذين يُعدّون الأكثر هشاشة أمام التغيرات المفاجئة، إذ يعتمدون بدرجة كبيرة على الروتين والاستقرار في البيئة المحيطة بهم.

فقد أشارت العديد من الدراسات والمراجعات المنهجية إلى تدهور ملحوظ في الصحة النفسية للأطفال خلال الجائحة، حيث ارتفعت معدلات القلق والاكتئاب والتوتر، إلى جانب مشكلات سلوكية وعاطفية متزايدة. كما ظهرت أدلة جديدة تُبرز أن الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه كانوا من بين الفئات الأكثر تأثرًا، إذ شهد الكثير منهم زيادة في شدة أعراض الاضطراب وصعوبة أكبر في التكيف مع الظروف الجديدة، خاصة أن هذا الاضطراب يرتبط بالقدرة على التنظيم الذاتي والانتباه المستمر، وهما العاملان اللذان تأثرا بشكل كبير نتيجة التغيير المفاجئ في نمط الحياة والنشاط اليومي للأطفال وفقدان التفاعل الاجتماعي المباشر.

ولم يقف تأثير الجائحة عند حدود المشكلات النفسية، بل امتد إلى تعطيل الوصول إلى الخدمات العلاجية. فقد توقفت الزيارات الحضورية في العديد من العيادات، واضطرت المراكز الصحية إلى التحول نحو الاستشارات الافتراضية. وفي قطر، على سبيل المثال، استُعيض عن معظم الجلسات التقليدية بخدمات إلكترونية، مع السماح بالزيارات الحضورية للحالات الجديدة فقط لفترة معينة، في حين كان على المرضى المعاودين الاستمرار عبر الوسائط الافتراضية. أدى ذلك إلى تسريع تبني تقنيات التواصل الرقمي، مما دفع العاملين في الرعاية الصحية إلى تعديل طرق تقديم الخدمة لاستمرار متابعة الحالات. هذا التحول لم يكن مجرد حل مؤقت، بل أصبح لاحقًا نقطة تحول حقيقية في أنظمة الرعاية الصحية.

وعلى الرغم من تزايد استخدام خدمات الصحة عن بُعد في مختلف التخصصات، فإن الأدلة المتعلقة باستخدام العلاج الوظيفي عبر الوسائط الإلكترونية للأطفال المصابين باضطرابات نفسية ما زالت محدودة. وعلى الرغم من أن العلاج الوظيفي عن بُعد ليس مفهومًا جديدًا، إذ حددته منظمة العلاج الوظيفي العالمية كأحد أساليب تقديم الخدمة من خلال التقييم والعلاج والمتابعة والاستشارات باستخدام وسائل تواصل رقمية، إلا أن تطبيقه على فئة الأطفال ذوي اضطرابات الصحة النفسية ما زال في بداياته. ويُعزى هذا النقص في الأدلة إلى أن معظم البحوث السابقة ركزت على إعاقات نمائية أو جسدية مثل الشلل الدماغي أو إصابات الدماغ، بينما كان الاهتمام أقل بالاضطرابات النفسية والسلوكية مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

ويقوم العلاج الوظيفي عادةً بدور محوري في دعم الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لما يقدمه من برامج تهدف إلى تحسين التنظيم الذاتي، ودعم الروتين اليومي، وتنمية المهارات الحياتية، إلى جانب تقديم إرشاد للأسر لمساعدتها في التعامل مع التحديات السلوكية اليومية. ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة لتسد فجوة معرفية مهمة، حيث تعد من أوائل الدراسات التي بحثت بشكل مباشر فاعلية العلاج الوظيفي عن بُعد في تحسين أعراض الاضطراب لدى الأطفال، مما يجعل نتائجها إضافة مهمة للبحوث الحديثة.

اعتمد الباحثون على متابعة مجموعة من الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ضمن فئة عمرية مدرسية، واستمرت الجلسات العلاجية عن بُعد لمدة ثلاثة أشهر، بواقع جلستين أسبوعيًا. الجلسة الأولى كانت تتم عبر مكالمة مرئية تمتد لخمسة وأربعين دقيقة تشمل تنفيذ الأنشطة العلاجية، تليها فترة مخصصة للتغذية الراجعة. أما الجلسة الثانية فكانت موجهة للوالدين بهدف تقديم الإرشاد وتوضيح البرامج المنزلية والأنشطة التي ينبغي تنفيذها خلال الأسبوع. وتم تعزيز التواصل من خلال إرسال المواد التعليمية والأنشطة عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل، مما عزز التكامل بين الجلسات والمجال المنزلي.

وركزت الجلسات على خمسة محاور رئيسية تمثل جوهر العلاج الوظيفي للأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وهي:

  1. تنمية المهارات الحركية من خلال تمارين علاجية تهدف لتحسين التحكم الحركي والخبرة الحسّية.

  2. التكامل الحسي باستخدام أنشطة تساعد الأطفال على تنظيم استجاباتهم للمثيرات البيئية والتقليل من فرط الاستجابة أو ضعفها.

  3. الدعم السلوكي باستخدام استراتيجيات التعزيز الإيجابي والجداول المنظمة للسلوك وبناء روتين واضح.

  4. مهارات العناية الذاتية عبر وضع خطط يومية تساعد الطفل على إدارة وقته وتنظيم مهامه بشكل أفضل.

  5. الدعم الأكاديمي من خلال تطوير مهارات إدارة الوقت وتعزيز القدرة على إنجاز الواجبات والتركيز أثناء المهام المدرسية.

كما تضمنت الجلسات أنشطة متنوعة تُصمم خصيصًا لكل طفل، بما يضمن تغطية مجالات اللعب والترفيه والسلوكيات اليومية والمهارات الحركية الدقيقة والكبيرة. وتم إيلاء اهتمام خاص للأهل، باعتبارهم جزءًا رئيسيًا في الخطة العلاجية، خاصة خلال فترات الإغلاق التي قلَّت فيها فرص خروج الأطفال وممارسة الأنشطة الخارجية، مما جعل المنزل البيئة الأساسية لتطبيق مهارات العلاج والتدخل السلوكي.

تم قياس فعالية البرنامج باستخدام مقياس فاندربيلت الموجه للوالدين، وهو من أشهر الأدوات المستخدمة عالميًا لتقييم أعراض الاضطراب وتأثيرها على الأداء اليومي. عمل الباحثون على مقارنة شدة الأعراض قبل بدء العلاج وبعد انتهائه، إلى جانب تقييم الأداء الوظيفي للأطفال في مجالات مثل المهارات الأكاديمية والعلاقات الاجتماعية والمشاركة في الأنشطة.

وأظهرت النتائج وجود تحسن واضح وملموس في شدة أعراض الاضطراب بعد فترة العلاج، حيث تراجعت درجات الانتباه المشتت وفرط الحركة والاندفاعية، وظهر تحسن ملحوظ في الأداء العام للأطفال في المدرسة والعلاقات الاجتماعية والأنشطة اليومية. كما عكست استجابات الأهالي مستويات عالية من الرضا، إذ عبّر معظمهم عن شعورهم بأن العلاج الوظيفي عن بُعد ساعدهم في فهم سلوك أطفالهم والتعامل معه بطرق أكثر فعالية، وأنه قدم لهم دعمًا مهمًا خلال فترة كانت الخدمات الحضورية فيها محدودة. هذا الرضا يعكس أيضًا قدرة العلاج عن بُعد على إشراك الوالدين بشكل أكبر مقارنة بالجلسات التقليدية.

وتبرز أهمية هذه النتائج في أنها تقدّم دليلًا جديدًا على إمكانية تقديم العلاج الوظيفي للأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عبر الوسائط الإلكترونية بفعالية عالية، خصوصًا عندما يتم تصميم الجلسات بطريقة تشاركية تشمل الطفل والوالدين معًا. كما تدعم هذه الدراسة التوجه المتزايد عالميًا نحو تبني نماذج الرعاية الافتراضية، ليس فقط كحل مؤقت في ظروف الأزمات، بل كخيار علاجي قابل للتطبيق على المدى الطويل، خصوصًا في الحالات التي تكون فيها الزيارات الحضورية صعبة أو مرهقة للأسرة.

وبذلك يمكن القول إن العلاج الوظيفي عن بُعد يمثل فرصة واعدة لتحسين الخدمات المقدمة للأطفال المصابين باضطرابات النمو والسلوك، ويفتح الباب أمام المزيد من الأبحاث التي تستكشف نطاقات أوسع للتدخل العلاجي الرقمي، بما يضمن دعم هذه الفئة بطريقة أكثر مرونة وملاءمة لاحتياجاتها اليومية، سواء في الظروف العادية أو في أوقات الأزمات.

المرجع:

Investigating the efficacy

of tele‑occupational therapy for ADHD children

during COVID‑19: a clinical sample in Qatar

https://link.springer.com/content/pdf/10.1186/s43045-025-00515-z.pdf