ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يُستخدم مصطلح «الأفراد ذوو الأداء المنخفض» (Low-Functioning Autism) أحيانًا لوصف الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد الذين يواجهون تحديات كبيرة في التواصل، والتفاعل الاجتماعي، والمهارات التكيفية، ويحتاجون إلى مستويات مرتفعة من الدعم في أنشطة الحياة اليومية.
ومع ذلك، لا يُعد هذا المصطلح تصنيفًا تشخيصيًا رسميًا، كما قد لا يعكس بدقة الاختلافات الفردية في القدرات والاحتياجات. لذلك يُفضَّل عند التقييم والتخطيط للتدخل استخدام أوصاف أكثر تحديدًا، مثل: اضطراب طيف التوحد المصحوب بإعاقة ذهنية، أو بقدرات لغوية محدودة، أو باحتياجات دعم مرتفعة.
الخصائص الأساسية
قد يستخدم بعض الأفراد كلامًا محدودًا، أو لا يعتمدون على الكلام وسيلةً أساسية للتواصل. وفي هذه الحالات، يمكن استخدام التواصل المعزز والبديل (Augmentative and Alternative Communication – AAC)، مثل الصور، والإشارات، ولوحات التواصل، وأجهزة توليد الكلام.
وقد يواجه الفرد صعوبة في بدء التفاعل الاجتماعي، أو الاستجابة للآخرين، أو فهم الإشارات الاجتماعية، أو مشاركة الاهتمامات. ولا تعني هذه الصعوبات بالضرورة غياب الرغبة في التواصل أو تكوين العلاقات، فقد يعبّر الفرد عن اهتمامه بالآخرين بطرائق مختلفة.
كما قد تظهر أنماط سلوكية أو حركية متكررة، مثل تحريك اليدين، أو التأرجح، أو تكرار الأصوات والعبارات، أو ترتيب الأشياء، أو التمسك بروتين يومي محدد. وقد تساعد هذه الأنماط الفرد على التنظيم الحسي أو التعامل مع التوتر، لذلك لا ينبغي التدخل لخفضها ما لم تكن ضارة أو تعيق التعلم والمشاركة بصورة واضحة.
قد تصاحب اضطرابَ طيف التوحد إعاقةٌ ذهنية، أو تأخرات في اللغة والحركة والمهارات اليومية، إلا أن مستوى القدرات يختلف بين الأفراد. ولا يمكن تحديد قدرات الفرد أو احتياجاته اعتمادًا على درجة الذكاء أو مقدار الكلام وحدهما.
التواصل والمصاداة
قد تظهر لدى بعض الأفراد المصاداة أو الترديد الصدوي (Echolalia)، وهي تكرار كلمات أو عبارات سبق سماعها بصورة فورية أو مؤجلة.
ولا تكون المصاداة دائمًا تكرارًا دون معنى، فقد يستخدمها الفرد للتعبير عن طلب، أو رفض، أو شعور، أو محاولة للمشاركة في التفاعل. لذلك ينبغي فهمها في سياقها وتحديد وظيفتها التواصلية قبل اتخاذ قرار بشأن التدخل.
تُعد إتاحة وسيلة تواصل فعالة من أهم أولويات الدعم؛ لأن صعوبة التعبير عن الألم أو الاحتياجات أو الرفض قد ترتبط بظهور السلوك المشكل.
السلوك المشكل والعوامل المرتبطة به
قد يظهر لدى بعض الأفراد سلوك مشكل، مثل العدوان، أو إيذاء الذات، أو الصراخ، أو رمي الأشياء، أو الابتعاد عن مكان الإشراف.
لا ينبغي اعتبار هذه السلوكيات جزءًا حتميًا من اضطراب طيف التوحد أو التعامل معها بوصفها مخالفة متعمدة، فقد ترتبط بعوامل متعددة، منها:
صعوبة التواصل.
الألم أو المشكلات الصحية.
تجنب مهمة صعبة أو غير مفضلة.
الوصول إلى نشاط أو غرض مفضل.
الحصول على الاهتمام أو المساعدة.
الحساسية لبعض المثيرات الحسية.
التغيرات المفاجئة في الروتين.
التعب أو الجوع أو اضطرابات النوم.
ينبغي أولًا استبعاد الأسباب الصحية، ثم دراسة الظروف السابقة للسلوك والنتائج التي تتبعه. وقد يتطلب ذلك إجراء تقييم وظيفي للسلوك (Functional Behavior Assessment)، ثم تعليم الفرد سلوكًا بديلًا يحقق الوظيفة نفسها بطريقة أكثر أمانًا وملاءمة.
التشخيص والتقييم
يُشخَّص اضطراب طيف التوحد من خلال تقييم شامل يجريه مختصون ذوو خبرة في النمو والتواصل والسلوك. وقد يشمل فريق التقييم الطبيب، والأخصائي النفسي، وأخصائي النطق واللغة، وأخصائي العلاج الوظيفي، وأخصائي التربية الخاصة.
يعتمد التقييم على عدة مصادر، منها:
التاريخ النمائي والطبي.
مقابلات الأسرة أو مقدمي الرعاية.
الملاحظة المباشرة.
تقييم التواصل واللغة.
تقييم القدرات المعرفية.
تقييم المهارات التكيفية.
مراجعة الأداء في المنزل والمدرسة والمجتمع.
وقد تُستخدم أدوات مقننة، مثل:
جدول ملاحظة تشخيص التوحد (ADOS-2).
مقابلة تشخيص التوحد المنقحة (ADI-R).
مقياس تقدير التوحد في الطفولة (CARS-2).
مقاييس فينلاند للسلوك التكيفي (Vineland Adaptive Behavior Scales).
تساعد هذه الأدوات في جمع المعلومات، لكنها لا تكفي منفردةً لتأكيد التشخيص، بل يجب تفسير نتائجها ضمن تقييم سريري شامل.
مستويات احتياجات الدعم
يصنف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية اضطراب طيف التوحد إلى ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: يحتاج إلى دعم.
المستوى الثاني: يحتاج إلى دعم كبير.
المستوى الثالث: يحتاج إلى دعم كبير جدًا.
تُحدَّد هذه المستويات وفق مقدار الدعم المطلوب في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وفي التعامل مع السلوكيات والاهتمامات المقيدة أو المتكررة.
ولا يعادل مصطلح «الأفراد ذوو الأداء المنخفض» المستوى الثالث بصورة تلقائية؛ إذ قد تختلف احتياجات الفرد بين مجالات التواصل، والمهارات اليومية، والسلوك، والتعلم. كما قد تتغير هذه الاحتياجات باختلاف المرحلة العمرية والبيئة ومستوى الخدمات المتاحة.
التدخلات والخدمات الداعمة
ينبغي أن تكون خطة التدخل فردية، وأن تستند إلى نتائج التقييم وأولويات الفرد وأسرته. ويُفضل التركيز على المهارات الوظيفية التي تساعده على التواصل، والاستقلال، والسلامة، والمشاركة في الحياة اليومية.
التدخلات القائمة على تحليل السلوك التطبيقي
يمكن استخدام تدخلات مستندة إلى تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) لتعليم مهارات جديدة، ودعم التواصل، وزيادة الاستقلال، والتعامل مع السلوك المشكل عندما يكون ضارًا أو يعيق المشاركة.
وقد تشمل الإجراءات:
تدريب التواصل الوظيفي.
التعليم في البيئة الطبيعية.
التدريب بالمحاولات المنفصلة.
تحليل المهام.
التلقين والتلاشي التدريجي للتلقين.
التعزيز التفاضلي.
التدخلات المبنية على التقييم الوظيفي للسلوك.
يجب أن تكون الأهداف ذات فائدة حقيقية للفرد، وألا تركز على إزالة الخصائص غير الضارة أو إجباره على سلوكيات اجتماعية قد تسبب له الانزعاج، مثل التواصل البصري المستمر.
خدمات النطق واللغة
تساعد خدمات النطق واللغة على تطوير التواصل الاستقبالي والتعبيري، سواء من خلال الكلام أو الوسائل البديلة.
وقد تشمل وسائل التواصل:
الإيماءات.
لغة الإشارة.
الصور والرموز.
لوحات التواصل.
أنظمة تبادل الصور.
الأجهزة والتطبيقات المولدة للكلام.
ينبغي أن تكون وسيلة التواصل متاحة للفرد في المنزل والمدرسة والمجتمع، وألا تقتصر على طلب الأشياء المفضلة، بل تشمل التعبير عن الألم، والرفض، والاختيار، وطلب المساعدة أو التوقف.
العلاج الوظيفي والعلاج الطبيعي
يركز العلاج الوظيفي على دعم مهارات الحياة اليومية، مثل ارتداء الملابس، والعناية الشخصية، وتناول الطعام، واستخدام الأدوات، والمشاركة في الأنشطة المنزلية والتعليمية.
وقد يساعد العلاج الطبيعي عند وجود صعوبات في المشي، أو التوازن، أو القوة العضلية، أو التناسق الحركي.
التعليم المنظم
يمكن استخدام التعليم المنظم، مثل نموذج تيتش (TEACCH)، لتوضيح البيئة والأنشطة من خلال:
الجداول البصرية.
تنظيم المكان.
توضيح بداية المهمة ونهايتها.
عرض تسلسل الأنشطة.
تقسيم المهام إلى خطوات واضحة.
تساعد هذه الوسائل على زيادة فهم الفرد لما هو متوقع منه، ودعم استقلاله في أداء الأنشطة.
التدخل الدوائي
لا يوجد دواء يعالج الخصائص الأساسية لاضطراب طيف التوحد. ومع ذلك، قد يصف الطبيب أدوية للتعامل مع أعراض أو حالات مصاحبة محددة، مثل التهيج الشديد، أو القلق، أو اضطرابات النوم، أو فرط الحركة.
ويتطلب استخدام الأدوية تقييمًا طبيًا ومتابعة مستمرة للفاعلية والآثار الجانبية، ولا ينبغي أن يحل محل التدخلات التواصلية أو التعليمية أو السلوكية المناسبة.
استراتيجيات الدعم اليومية
يمكن دعم الفرد من خلال:
توفير روتين يومي واضح.
التنبيه المسبق قبل الانتقالات والتغييرات.
استخدام الجداول والوسائل البصرية.
إتاحة وسيلة تواصل فعالة طوال اليوم.
تقسيم المهام إلى خطوات قصيرة.
تقديم خيارات حقيقية.
تعليم طلب المساعدة أو الراحة.
توفير مكان هادئ عند الشعور بالضغط.
تعزيز مهارات التواصل والاستقلال.
تدريب الأسرة والأخصائيين على تطبيق الخطة بصورة متسقة.
ويُفضَّل تعليم المهارات في البيئات التي سيستخدمها الفرد فيها، مثل المنزل والمدرسة والمتجر والمرافق المجتمعية، بدلًا من الاكتفاء بتعليمها داخل غرفة التدريب.
اعتبارات السلامة
قد يحتاج بعض الأفراد إلى خطة سلامة فردية بسبب محدودية إدراك المخاطر، أو الابتعاد عن مكان الإشراف، أو إيذاء الذات، أو السلوك الاندفاعي.
وقد تشمل إجراءات السلامة:
تأمين الأبواب والنوافذ عند الحاجة.
حفظ الأدوية والمواد الخطرة والأدوات الحادة في أماكن مؤمنة.
الإشراف المباشر قرب الطرق والمسابح ومصادر المياه.
تعليم الفرد الاستجابة لتعليمات التوقف.
تعليمه طلب المساعدة أو الاستراحة.
استخدام بطاقة تعريف تتضمن معلومات التواصل.
إعداد خطة واضحة للتعامل مع الابتعاد أو حالات الطوارئ.
استخدام أجهزة التتبع عند الحاجة، دون اعتبارها بديلًا عن الإشراف.
يجب أن تتناسب إجراءات السلامة مع مستوى الخطر الفعلي، وألا تفرض قيودًا غير ضرورية على حركة الفرد أو استقلاله.
أهمية التعاون بين التخصصات
قد يشارك في دعم الفرد فريق يضم الأسرة، وأخصائي تحليل السلوك التطبيقي، وأخصائي النطق واللغة، وأخصائي العلاج الوظيفي، وأخصائي التربية الخاصة، والطبيب، وغيرهم من المختصين وفق الحاجة.
يساعد التعاون بين أعضاء الفريق على توحيد الأهداف والإجراءات، وتجنب الخطط المتعارضة، وضمان تطبيق الاستراتيجيات في البيئات المختلفة. كما ينبغي مراجعة الخطة بصورة دورية وتعديلها وفق تقدم الفرد وتغير احتياجاته.
ختامًا
يتطلب دعم الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد من ذوي الأداء المنخفض تقييمًا شاملًا وخطة فردية تركز على التواصل، والمهارات التكيفية، والسلامة، والمشاركة في الحياة اليومية.
ولا ينبغي اختزال الفرد في قدرته على الكلام أو درجة ذكائه، بل يجب تحديد نقاط قوته واحتياجاته بصورة دقيقة. ويتمثل الهدف في تمكينه من التعبير عن احتياجاته وتفضيلاته، وزيادة مشاركته في المنزل والمدرسة والمجتمع، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلال وجودة الحياة.
المرجع:
Low-Functioning Autism
https://www.astroaba.com/blog/low-functioning-autism-spectrum-disorder





