الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف يمكن مساعدة الأطفال على تطوير مهارات التنظيم الذاتي؟

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

يحتاج بعض الأطفال إلى دعم مباشر لتعلّم كيفية تنظيم انفعالاتهم والحد من الاستجابات الاندفاعية. فمن المعتاد ظهور نوبات الانفعال في مرحلة الطفولة المبكرة، إلا أن استمرارها بصورة متكررة وشديدة بعد بلوغ سن المدرسة قد يشير إلى صعوبة في التنظيم الذاتي الانفعالي (Emotional Self-Regulation).

وقد تظهر هذه الصعوبة لدى الأطفال الأكبر سنًا في صور أقل وضوحًا، مثل الاندفاع، أو صعوبة الانتظار، أو عدم التكيف مع التغييرات، أو استخدام استجابات لا تتناسب مع الموقف. ولا ينبغي التعامل مع هذه المظاهر بوصفها سوء سلوك متعمدًا، بل باعتبارها مهارات تحتاج إلى تعليم وممارسة.

ما التنظيم الذاتي؟

يشير التنظيم الذاتي (Self-Regulation) إلى القدرة على إدارة الانفعالات والسلوك بما يتناسب مع متطلبات الموقف، ويشمل:

  • الحد من الاستجابات الاندفاعية.

  • استعادة الهدوء بعد الانزعاج.

  • التكيف مع التغييرات.

  • التعامل مع الإحباط بطريقة آمنة.

  • توجيه السلوك نحو هدف محدد رغم المشاعر القوية أو الظروف غير المتوقعة.

ولا يعني التنظيم الذاتي كبت الانفعالات أو منع الطفل من التعبير عنها، بل مساعدته على التعرف إليها والتعبير عنها واختيار استجابة أكثر ملاءمة.

كيف تظهر صعوبات التنظيم الانفعالي؟

تختلف صعوبات التنظيم الانفعالي من طفل إلى آخر. فقد يستجيب بعض الأطفال بصورة فورية وشديدة، دون ظهور مؤشرات واضحة تسبق السلوك، ويجدون صعوبة في تثبيط استجابتهم الأولى.

أما لدى أطفال آخرين، فقد يتراكم الضيق تدريجيًا حتى يصلوا إلى مرحلة تظهر فيها نوبة انفعال أو سلوك مشكل. وفي كلتا الحالتين، يحتاج الطفل إلى تعلم كيفية ملاحظة مؤشرات التوتر والتعبير عن احتياجاته قبل تصاعد الموقف.

لماذا يواجه بعض الأطفال هذه الصعوبات؟

قد تنتج صعوبات التنظيم الذاتي عن تفاعل عدد من العوامل، منها:

  • الخصائص المزاجية والفروق الفردية.

  • القدرات النمائية والمعرفية.

  • صعوبات التواصل.

  • القلق أو فرط الحركة وتشتت الانتباه.

  • الحساسية لبعض المثيرات الحسية.

  • الخبرات السابقة وطريقة استجابة المحيطين بالطفل.

  • صعوبة المهمة أو عدم وضوح التوقعات.

فقد يواجه بعض الأطفال منذ سنواتهم الأولى صعوبة في استعادة الهدوء أو تحمل بعض الأنشطة اليومية، مثل الاستحمام أو ارتداء الملابس. إلا أن ذلك لا يعني أن قدراتهم على التنظيم ثابتة، بل يمكن تطويرها بالتعليم والدعم المناسبين.

كما تؤثر استجابات البالغين في تعلم هذه المهارات. فعندما تُزال جميع المتطلبات فور انزعاج الطفل، أو يتولى البالغ تنظيم الموقف كاملًا، قد تقل فرص الطفل في تعلم الانتظار أو التعامل مع الإحباط. وفي المقابل، لا ينبغي تجاهله أو تركه يواجه الضيق دون مساعدة؛ بل يُقدَّم له دعم مناسب يُخفَّض تدريجيًا مع تحسن قدرته.

تعليم التنظيم الذاتي بوصفه مهارة

ينبغي تعليم التنظيم الذاتي بالطريقة نفسها التي تُعلَّم بها المهارات التعليمية والاجتماعية؛ من خلال تحديد المهارة المطلوبة، وتقسيمها إلى خطوات، وتوفير فرص للممارسة، وتقديم تغذية راجعة واضحة.

فعوضًا عن وصف الطفل بأنه يتصرف بطريقة سيئة، يمكن تحديد ما يحتاج إلى تعلمه، مثل:

  • طلب الاستراحة.

  • الانتظار لفترة قصيرة.

  • التعبير عن الانزعاج.

  • طلب المساعدة.

  • التوقف قبل التصرف.

  • الانتقال من نشاط مفضل إلى نشاط آخر.

يساعد هذا المنظور على جعل استجابة الأسرة والتربويين أكثر هدوءًا وموضوعية.

الدعم التدريجي

يُقصد بـ الدعم التدريجي أو السقالات التعليمية (Scaffolding) تقديم المساعدة التي يحتاجها الطفل في البداية، ثم تقليلها تدريجيًا حتى يتمكن من أداء المهارة باستقلال.

ولا يتمثل الهدف في تجنب جميع المواقف الصعبة، بل في تهيئة الطفل للتعامل معها ضمن مستوى مناسب لقدراته.

الواجبات الدراسية

إذا شعر الطفل بالإحباط أثناء أداء واجب دراسي، يمكن مساعدته في حل جزء واحد، ثم مطالبته بمحاولة إكمال بقية المهمة. كما يمكن تعليمه:

  • تقسيم العمل إلى أجزاء قصيرة.

  • طلب توضيح التعليمات.

  • استخدام مؤقت لفترات العمل والراحة.

  • أخذ استراحة قصيرة عند الحاجة.

  • العودة إلى المهمة بعد الاستراحة.

ويُفضَّل تعزيز الجهد واستخدام الاستراتيجية المناسبة، لا التركيز على صحة النتيجة فقط.

الانتقال من ألعاب الفيديو

إذا كان الطفل يواجه صعوبة في التوقف عن لعبة فيديو، يمكن تدريبه أولًا باستخدام لعبة لا يتعلق بها بدرجة كبيرة. يُسمح له باللعب فترة قصيرة، ثم يُطلب منه إنهاء اللعبة وتسليم الجهاز عند انتهاء الوقت.

عند استجابته بصورة مناسبة، يمكن تقديم نقاط أو تعزيز آخر يفضله. وبعد تحسن المهارة، تُزاد مدة اللعب أو صعوبة الانتقال تدريجيًا.

التدريب المسبق على المواقف

يساعد التدريب المسبق (Practice Runs) الطفل على ممارسة المهارة في ظروف أقل ضغطًا قبل استخدامها في الموقف الفعلي.

فعند وجود صعوبة في التسوق، يمكن إجراء زيارة قصيرة للمتجر لا تتضمن شراء كثير من الأغراض، وتدريب الطفل على:

  • المشي بالقرب من الوالد.

  • تجنب لمس المنتجات دون إذن.

  • اتباع قائمة قصيرة.

  • طلب الاستراحة.

  • الانتظار مدة محددة.

يسمح هذا التدريب بتصحيح الاستجابة وتعزيزها دون الضغوط المصاحبة للزيارات الطويلة.

تقسيم المهام إلى خطوات

عندما تكون المهمة معقدة، يُفضَّل تقسيمها إلى خطوات صغيرة وتعليم كل خطوة تدريجيًا.

فإذا كان تنظيف الأسنان يمثل تحديًا، يمكن البدء بوضع المعجون على الفرشاة، ثم إضافة الخطوات الأخرى بعد إتقانها.

وبالمثل، إذا كانت فترة الاستعداد صباحًا ترتبط بنوبات انفعال، يمكن البدء بهدف واحد، مثل ارتداء الملابس في وقت محدد، ثم إضافة تناول الإفطار وتجهيز الحقيبة وارتداء الحذاء.

يقلل تقسيم المهام من عدد المطالب التي يواجهها الطفل في الوقت نفسه، ويتيح له اكتساب المهارة تدريجيًا.

مساعدة الطفل على مراجعة سلوكه

بعد هدوء الطفل، يمكن مساعدته على فهم ما حدث من خلال مناقشة قصيرة وموضوعية تركز على:

  1. ما الذي حدث؟

  2. لماذا لم تكن الاستجابة فعالة أو آمنة؟

  3. ما البديل الذي يمكن استخدامه في المرة القادمة؟

فبدل قول: «تصرفت بطريقة سيئة»، يمكن القول:

«عندما انتهى وقت اللعبة رميت الجهاز، وقد يؤدي ذلك إلى كسره. في المرة القادمة يمكنك طلب دقيقة إضافية أو السؤال عن النشاط التالي».

ينبغي تجنب النقاش المطول أو التوبيخ أثناء الانفعال الشديد؛ لأن قدرة الطفل على الاستماع والتفكير تكون محدودة في تلك اللحظة.

النمذجة

يمكن للوالدين والتربويين تقديم نموذج عملي للتنظيم الذاتي من خلال وصف استجاباتهم، مثل:

«أشعر بالانزعاج، لذلك سأتوقف قليلًا قبل أن أجيب».

أو:

«تغيرت الخطة، وهذا غير مريح، لكنني سأبحث عن خيار آخر».

توضح النمذجة أن الانفعالات طبيعية، وأنه يمكن التعامل معها دون اللجوء إلى استجابات اندفاعية.

استراتيجيات التهدئة

قد تساعد بعض الاستراتيجيات الأطفال القادرين على فهمها، ومنها:

  • التنفس البطيء.

  • العد التدريجي.

  • إرخاء العضلات.

  • أخذ استراحة قصيرة.

  • التركيز على اللحظة الحالية.

  • استخدام وسيلة بصرية توضح خطوات التهدئة.

وقد تفيد بعض أنشطة اليقظة الذهنية (Mindfulness) في زيادة الانتباه إلى المشاعر والأحاسيس الجسدية. إلا أن هذه الأساليب لا تناسب جميع الأطفال، ولا ينبغي استخدامها بديلًا عن معالجة الألم، أو تعليم التواصل، أو تعديل المواقف البيئية التي تثير الصعوبة.

التعزيز والتغذية الراجعة

يساعد التعزيز على زيادة احتمال تكرار الاستجابة المناسبة. ويمكن تعزيز الطفل عند:

  • طلب المساعدة.

  • الانتظار.

  • استخدام كلمات أو صور للتعبير عن الانزعاج.

  • الانتقال من نشاط إلى آخر.

  • العودة إلى المهمة بعد الاستراحة.

قد يكون التعزيز ثناءً محددًا، أو نقاطًا، أو نشاطًا مفضلًا. ويُفضَّل تقديمه مباشرة بعد السلوك مع توضيح سبب التعزيز، مثل: «طلبت الاستراحة بهدوء».

برامج تدريب الوالدين والدعم المتخصص

يمكن أن تساعد برامج تدريب الوالدين (Parent Training Programs) الأسرة على:

  • تحديد العوامل التي تسبق السلوك.

  • تقديم تعليمات واضحة.

  • تعزيز السلوك المناسب.

  • تعليم مهارات بديلة.

  • التعامل مع نوبات الانفعال بصورة متسقة.

  • خفض الدعم تدريجيًا.

وقد يستفيد بعض المراهقين الذين يواجهون صعوبات واضحة في تحمل الضيق وتنظيم الانفعالات من تدخلات متخصصة، مثل العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical Behavior Therapy – DBT)، بعد تقييم مدى ملاءمته لعمرهم واحتياجاتهم.

كما ينبغي طلب تقييم متخصص إذا كانت صعوبات التنظيم الذاتي تؤثر بوضوح في سلامة الطفل أو تعلمه أو مشاركته اليومية، أو إذا استمرت رغم تطبيق استراتيجيات مناسبة.

ختامًا

التنظيم الذاتي مجموعة من المهارات التي يمكن تعليمها وتطويرها تدريجيًا، وليس قدرة ثابتة يمتلكها الطفل أو يفتقر إليها.

ويعتمد الدعم الفعّال على تحديد المواقف الصعبة، وتعليم بدائل واضحة، وتقسيم المهارات إلى خطوات، وتوفير فرص للتدريب، وتعزيز الاستجابات المناسبة، ثم تقليل المساعدة تدريجيًا.

ويتمثل الهدف في زيادة قدرة الطفل على التعبير عن احتياجاته، والتعامل مع الإحباط والتغيير، واختيار استجابات أكثر أمانًا واستقلالًا.

المرجع:

How Can We Help Kids With Self-Regulation?

https://childmind.org/article/can-help-kids-self-regulation/