ترجمة: أ.أماني أبوالعينين
من الثابت على نطاق واسع أن تشخيص اضطراب طيف التوحد (ASD) لدى الإناث أقل شيوعًا منه لدى الذكور. في المتوسط، يبلغ معدل انتشار اضطراب طيف التوحد لدى الذكور أربعة أضعاف معدله لدى الإناث (بايو وآخرون، 2018). ويبدو أن هذه النسبة لا تعكس بدقة معدل الانتشار حسب الجنس. فعند مقارنة الذكور والإناث الذين يعانون من أعراض شديدة لاضطراب طيف التوحد، تقترب النسبة من 1.33 إلى 2 ذكر لكل أنثى (بايو وآخرون، 2018). أما تحديد نسبة الذكور إلى الإناث الذين يعانون من أعراض أقل حدة لاضطراب طيف التوحد فكان أكثر تعقيدًا. فقد وُجد أن نسبة الانتشار تتراوح بين 6 إلى 8:1 (بايو وآخرون، 2018) وقد تصل إلى 16:1 (فومبون، 2003). ولعل هذا هو السبب في أن الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد كنّ ممثلات تمثيلًا ناقصًا في الدراسات المتعلقة بهذا الاضطراب. ومع ذلك، فقد عملت مجموعة متزايدة من الأبحاث على إدراج المزيد من الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد في الدراسات، وعلى وجه التحديد النظر في الأعراض الأنثوية لاضطراب طيف التوحد.
حتى الآن، تُعدّ النتيجة الأكثر اتساقًا فيما يتعلق بالفرق بين الذكور والإناث ذوي اضطراب طيف التوحد هي أن الإناث لديهن درجات ذكاء أقل (أي أقل من 70) من الذكور (جياريلي وآخرون، 2010). وقد بحثت الدراسات المتعلقة بالذكاء واضطراب طيف التوحد في التباينات بين أداء الذكاء اللفظي وغير اللفظي، ووجدت بعض الأدلة على أداء أفضل في الذكاء غير اللفظي/الأدائي مقارنةً بالذكاء اللفظي (شارمان وآخرون، 2011). وكما هو الحال في معظم الدراسات المتعلقة باضطراب طيف التوحد، فإن العينات تتكون في الغالب من الذكور، ولم تُخصص الدراسات وقتًا كافيًا لتحليل الفروق بين الجنسين في تباينات الذكاء.
أجرت دراسة حديثة في مركز التوحد والإعاقات ذات الصلة فحصًا لأداء الذكاء لدى الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد، وقارنت بينهن وبين الذكور المشخصين بالاضطراب والإناث غير المشخّصات به. شملت عينة الدراسة 178 طفلًا وبالغًا تتراوح أعمارهم بين سنتين و28 سنة ( المتوسط = 10.03، الانحراف المعياري = 5.24). ضمت العينة 125 ذكرًا و 53 أنثى، منهم 76 ذكرًا و 20 أنثى تم تشخيصهم باضطراب طيف التوحد. تم تحديد التشخيص باستخدام جدول الملاحظة التشخيصية للتوحد، الإصدار الثاني ، بينما تم تحديد معدل الذكاء باستخدام مقياس ستانفورد-بينيه للذكاء، الإصدار الخامس
بلغ متوسط درجات الذكاء الكلي للإناث ذوات اضطراب طيف التوحد 89.25 ، ومتوسط درجات الذكاء غير اللفظي 91.45 ( بانحراف معياري 17.54)، ومتوسط درجات الذكاء اللفظي 88.25 ( بانحراف معياري 19.30). وكان متوسط الفرق المعياري بين درجات الذكاء غير اللفظي واللفظي للإناث ذوات اضطراب طيف التوحد 14.40 ( بانحراف معياري 8.74).
أظهرت المقارنات بين الإناث والذكور ذوي اضطراب طيف التوحد عدم وجود فرق ذي دلالة إحصائية في القدرات المعرفية بين المجموعتين. وكشفت اختبارات t للعينات المستقلة المتعددة عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين الذكور والإناث ذوي اضطراب طيف التوحد فيما يتعلق بدرجة الذكاء الكلي ( t (94) = 0.47، p = 0.64)، ودرجات الذكاء غير اللفظي (t (94) = 0.63، p = 0.53)، ودرجات الذكاء اللفظي (t (94) = 0.26، p = 0.79). كما لم يكن هناك فرق ذو دلالة إحصائية بين الذكور والإناث ذوي اضطراب طيف التوحد في متوسط الفرق المعياري بين درجات الذكاء غير اللفظي واللفظي (t (94) = -1.45، p = 0.158).
تمت مقارنة الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد (ASD) مع 33 أنثى غير مشخّصات به. أظهرت نتائج اختبارات t للعينات المستقلة المتعددة عدم وجود فروق دالة إحصائيًا بين الإناث المشخّصات وغير ذوات اضطراب طيف التوحد فيما يتعلق بدرجة الذكاء الكلي ( t (51) = -0.24، p = 0.81)، ودرجات الذكاء غير اللفظي (t (51) = 0.08، p = 0.94)، ودرجات الذكاء اللفظي (t (51) = -0.50، p = 0.62). بينما وُجد فرق دال إحصائيًا بين المجموعتين فيما يتعلق بمتوسط الفرق المعياري بين درجات الذكاء غير اللفظي واللفظي (t (51) = 2.17، p = 0.04). وكانت الفروق بين درجات الذكاء غير اللفظي واللفظي لدى الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد أكبر بشكل دال إحصائيًا من الإناث غير المشخّصات به.
لا تدعم نتائج هذا المشروع الأبحاث السابقة التي تشير إلى أن الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد يعانين من ضعف إدراكي أكبر من الذكور المشخصين به. عند مقارنة الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد بالإناث غير المشخّصات، تبين أن الإناث المشخّصات لديهن تباين أكبر بكثير في درجات الذكاء اللفظي وغير اللفظي مقارنةً بالإناث غير المشخّصات. يشير هذا التباين إلى أن أداء الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد لا يكون موحدًا في المهام الإدراكية اللفظية وغير اللفظية كما هو الحال لدى الإناث غير المشخّصات. توفر هذه النتائج معلومات جديدة حول السمات الإدراكية للإناث ذوات اضطراب طيف التوحد، والتي كانت غائبة في الدراسات السابقة. بفضل هذه النتائج الجديدة، بدأنا نفهم الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد بشكل أفضل.
يُعتبر تشخيص اضطراب طيف التوحد لدى الإناث صعبًا (هال وآخرون، 2017). مع ذلك، عندما تُعاني الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد من ضعف إدراكي مصاحب (مثلًا، معدل ذكاء أقل من 70)، قد تكون مشاكل نموهن أكثر وضوحًا. لذا، فإن التصورات السابقة بأن الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد لديهن معدلات ذكاء أقل من الذكور المشخصين به قد تكون ناتجة عن تحيز تشخيصي. في الدراسات المتعلقة بالنمو الطبيعي، تُعتبر الإناث أكثر اجتماعية بشكل ملحوظ من الذكور (دي غويدي وآخرون، 2009). وقد وجد هيد وزملاؤه (2014) اتجاهًا مشابهًا لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد: إذ أظهرت الإناث المشخّصات به مهارات اجتماعية أقوى بكثير من الذكور المشخصين به. مع ذلك، تتخلف الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد بشكل ملحوظ عن نظيراتهن من الإناث ذوات النمو الطبيعي فيما يتعلق بمهاراتهن الاجتماعية. ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أن مهارات الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد الاجتماعية تُضاهي مهارات الذكور ذوي النمو الطبيعي تعاني الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد من قصور كبير في مهاراتهن الاجتماعية، ولكن قد لا يكون هذا القصور واضحًا مثل الذكور ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث يُنظر إلى الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد على أنهن اجتماعيات تمامًا مثل الذكور الذين ينمون بشكل طبيعي.
تبرز نظرية التمويه الاجتماعي في أبحاث اضطراب طيف التوحد، وهي تدعم ظاهرة نقص تمثيل الإناث المشخّصات بهذا الاضطراب. يشمل التمويه الاجتماعي استراتيجيات تكيف متعددة تُستخدم لإخفاء الصعوبات الاجتماعية، مثل التمويه والتعويض (هال وآخرون، 2017). يُلاحظ التمويه الاجتماعي لدى كل من الذكور والإناث ذوي اضطراب طيف التوحد؛ إلا أن الإناث المشخّصات لديهن درجات تمويه أعلى من الذكور المشخصين ، كما أنهن يموّهن أعراضهن بشكل أكثر تكرارًا (لاي وآخرون، 2017). قد تؤثر التوقعات المجتمعية على ارتفاع معدلات التمويه لدى الإناث المشخّصات باضطراب طيف التوحد. تشعر الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد بالحاجة إلى التمويه أكثر – وبالتالي يظهرن بمظهر أكثر اجتماعية – لكن ذلك يضر بهن. فالإناث الماهرات في التمويه معرضات لخطر الإهمال وعدم التشخيص الكافي (جولد وأشتون-سميث، 2013).
رغم أن التمويه الاجتماعي قد يبدو مفيدًا في السياق المباشر، إلا أنه قد ينطوي على آثار سلبية طويلة الأمد. فالإناث – سواء كنّ من ذوات النمو الطبيعي أو ذوات اضطراب طيف التوحد – أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب، لا سيما خلال فترة المراهقة (جرين وآخرون، 1996). كما أن الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد أكثر عرضة للإصابة باضطرابات نفسية مصاحبة (سكوكاوسكاس وغالاغر، 2012). وتُعدّ الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد فئةً شديدة الضعف نظرًا لهذا الخطر المتراكم.
ستستكشف دراسة قادمة في مركز التوحد والإعاقات ذات الصلة كيف يمكن أن تؤثر سلوكيات التمويه على الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد. تفترض الدراسة أن التمويه له تأثير سلبي على حياة الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد، وستبحث في استخدام سلوكيات التمويه لدى النساء ذوات اضطراب طيف التوحد مقارنةً بالرجال المشخصين به والنساء ذوات النمو الطبيعي. ستتناول الدراسة أيضًا كيف يمكن أن تؤثر سلوكيات التمويه على حياة النساء ذوات اضطراب طيف التوحد، وتحديدًا فيما يتعلق بصحتهن النفسية، وجودة حياتهن، وتعاطيهن للمواد المخدرة. لا يزال فهم التمويه في بداياته، وهناك حاجة إلى مزيد من العمل حول النتائج المتعلقة بهذه السلوكيات. على الرغم من تزايد الأدلة على وجود اختلافات بين الجنسين في التقديم الاجتماعي والتوقعات، وانتشار اضطرابات الصحة النفسية، وقضايا جودة الحياة، إلا أن هناك نقصًا في الأبحاث حول نتائج الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد.
مراجع
A Shift Towards Better Understanding and Improving the Lives of Girls and Women With ASD





