ترجمة: أ. نورهان مشي
1. الإطار النظري والمفاهيمي
يُعدّ اضطراب طيف التوحد (Trouble du spectre de l’autisme – TSA / ASD) اضطراباً نموياً عصبياً معقداً ينشأ في مرحلة الطفولة المبكرة، ويتميز بوجود عجز دائم ومستمر في التواصل والتفاعل الاجتماعي المتبادل، إلى جانب أنماط سلوكية واهتمامات وأنشطة مقيدة وتكرارية، مع تباين كبير في مستويات الأداء والحاجة إلى الدعم اليومي (مستويات الدعم 1 و2 و3 وفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي DSM-5).
تُجمع الأدبيات العلمية على أن وجود طفل مصاب بطيف التوحد يلقي بأعباء مضاعفة على كاهل الأسرة، ويحدث تعديلات جذرية في الانخراط المهني/النشاطي اليومي (Engagement occupationnel) لجميع أفرادها. فالوالدان لا يمارسان مهامهما الطبيعية فحسب، بل يضطران إلى الاضطلاع بأدوار متعددة ومرهقة كمنسقين للرعاية، ومساعدين علاجيين، ومدافعين حقوقيين عن طفلهم. وتتضاعف هذه الضغوط الفسيولوجية والوجدانية بصورة خاصة خلال المراحل الانتقالية الحرجة (Périodes charnières) في مرحلة الطفولة المبكرة، والتي تُعد بؤر توتر قصوى تعرّض الوالدين لخطر الاحتراق النفسي (Parental burnout)، والاكتئاب، والفقر، والعزلة الاجتماعية.
تتناول هذه الدراسة—وهي أطروحة ماجستير في العلوم الصحية متخصصة في العلاج الوظيفي قُدّمت في جامعة لوزان (UNIL) وجامعة العلوم التطبيقية والفنون بغرب سويسرا (HES-SO) من قِبل الباحثة فالنتين بيرليه (Valentine Perrelet) تحت إشراف الدكتورة سيلفي تيترو (Sylvie Tétreault) والدكتور نيكولا كوهن (Nicolas Kühne)—واقع أولياء الأمور في كانتون فو (Canton de Vaud) بسويسرا، وتهدف إلى تفكيك الاحتياجات المعاشة والتجارب الحياتية خلال ثلاث فترات انتقالية محورية: (1) إعلان التشخيص، (2) الالتحاق بالحضانة/دار الحضانة، (3) بدء التمدرس الإلزامي.
2. الإطار المنهجي وإجراءات البحث
اعتمدت الدراسة تصميماً نوعياً مستعرضاً واستكشافياً (Étude qualitative, transversale et descriptive) يهدف إلى فهم المعاني العميقة والخبرات الذاتية للأسر في سياقها الطبيعي.
2.1 أدوات جمع البيانات وتصنيف استراتيجيات الدعم
استندت المقابلات إلى دليل يتضمن قسمين رئيسيين: توصيف الحياة اليومية والتكيف الأسري، واستكشاف الاحتياجات خلال المراحل الثلاث[cite: 421, 422]. وتم دعم الحوار باستخدام وسيلة بصرية مبنية على تصنيف الدعم المقنن من قِبل تيترو وفريقها (Tétreault et al., 2012; Bédard, 2019)، والذي يقسم الدعم إلى أربعة محاور كبرى:
الدعم المباشر (Soutien): ويتفرع إلى 10 مجالات (إعلامي ومعرفي، مساندة اتخاذ القرار، قانوني وحقوقي، مالي، تربوي/تعليمي، نفسي-اجتماعي، مساعدة يومية منزلية، ترفيه ورياضة، نقل ومواصلات، ودعم متخصص).
خدمات الراحة المؤقتة (Répit): توفير فترات استرخاء وفصل عن أعباء الرعاية لتفادي الانهيار والإنهاك.
الحراسة والرعاية (Gardiennage): تلبية الاحتياجات الأولية للطفل أثناء ممارسة الوالدين لأعمالهم.
المساعدة الطارئة (Dépannage): تدخلات فورية في حالات الطوارئ والحوادث غير المخطط لها.
3. خصائص المشاركين والأسر المشمولة
أُجريت المقابلات مع خمس أسر (تضم 6 أولياء أمور: أربع أمهات بشكل فردي، وزوجين معاً). وجميع الأسر تقيم في مناطق حضرية بكانتون فو، وتتراوح أعمار الأطفال المصابين بين 5 و9 سنوات.
جدول 1: الخصائص الديموغرافية والاجتماعية والتعليمية للأسر المشاركة في الدراسة
الأسرة والطفل (اسم مستعار) | عمر الطفل والتشخيص | عمر الوالدين وعملهم | نسبة العمل الوظيفي | المسار التعليمي والمدرسي الحالي | طبيعة الدعم المدرسي والتأهيلي المتاح |
الأسرة 1: غايل (Gaël) | 5 سنوات شُخص في سن 4 | الأم: 34 سنة (محاسبة خزينة) الأب: في قطاع المطاعم | الأم خفضت عملها إلى 50% | مدرسة تربية خاصة (École spécialisée) بالصف الأول | فصل متخصص ومتابعة داخل المؤسسة دون رعاية خارجية مساندة |
الأسرة 2: بيير (Pierre) | 5 سنوات شُخص في سن 4 | الأم: 46 سنة (أم عزباء بعد وفاة طفلها الأول) | باحثة عن عمل (توقفت تماماً) | مدرسة تربية خاصة مع إقامة داخلية ليلتين أسبوعياً | دعم الإقامة الداخلية للتخفيف من اضطرابات النوم الحادة |
الأسرة 3: أغاث (Agathe) | 5 سنوات شُخصت في سن 4 | الأم: 42 سنة (مساعدة إدارية) الأب: بالإدارة الكانتونية | كلا الوالدين يعملان بنسبة 100% | مدرسة عامة دامجة (École ordinaire) | مرافقة إدماج كاملة للوقت (Aide à l’intégration) واستشارات متخصصة |
الأسرة 4: غايتان (Gaëtan) | 5 سنوات شُخص في سن 5 | الأم: 37 سنة (موظفة تجارية) الأب: 48 سنة (مدرب بالغين) | الأم 70% (عمل مرن عن بعد) الأب بين 50% و100% | مدرسة عامة دامجة مع مرافقة مدرسية كاملة | برنامج سلوكي مكثف (ABA) على نفقة الأسرة واستشارات إدماج |
الأسرة 5: لويس (Louis) | 9 سنوات شُخص في سن 6 | الأم: 43 سنة (معلمة) الأب: مهندس بنسبة 100% | الأم خفضت عملها إلى 30% | مدرسة عامة دامجة بالصف الخامس | معلمة تربية خاصة (4 ساعات أسبوعياً) ومرافقة إدماج كاملة |
4. نتائج التحليل النوعي: تحديات الحياة اليومية وتجربة الدعم
كشف التحليل الاستقرائي للمقابلات عن ثلاثة محاور كبرى تلخص واقع الأسر واحتياجاتها غير الملباة:
4.1 تحديات الحياة اليومية والضغوط الأسرية
استنزاف الوقت ومتطلبات الرعاية المكثفة: أجمع المشاركون على أن إنجاز الأنشطة الروتينية (كارتداء الملابس، والوجبات الغذائية الانتقائية، وضبط الحمام) يتطلب وقتاً وطاقة هائلين مقارنة بالأطفال العاديين، مع حاجة مستمرة إلى التنبؤ المسبق وإلغاء أي عنصر مفاجئ لتفادي نوبات الغضب والانهيار.
الرقابة المستمرة وغياب الوعي بالخطر: يفتقر الأطفال للوعي بالمخاطر المحيطة (مثل الاندفاع نحو حركة السير في الشارع أو السقوط)، مما يفرض على الوالدين حالة من “التيقظ المفرط الدائم” المنهك للأعصاب عند الخروج من المنزل.
التراجع المالي والوظيفي: اضطرت ثلاث أمهات إلى خفض نسب عملهن بشكل حاد (إلى 50% و30%) أو التوقف التام، مما أدى إلى فقدان كبير في الدخل الأسري، تزامناً مع رفض التأمين الفيدرالي للعجز (AI) أو الصناديق الصحية تغطية التدخلات السلوكية المكثفة المبنية على الأدلة.
تضحيات الإخوة والوصم الاجتماعي: لوحظ أن الإخوة والأخوات يتحملون مسؤوليات مبكرة كمعينين ومراقبين لأخيهم المصاب، في حين تعاني الأسر من عزلة اجتماعية حادة ناتجة عن نظرات اللوم والأحكام القاسية من المارة في الأماكن العامة، الذين يفسرون سلوكيات الطفل على أنها سوء تربية[cite: 431, 432, 440, 441].
4.2 تجارب الدعم والاحتياجات غير الملباة عبر المراحل الانتقالية الثلاث
المرحلة الأولى: إعلان التشخيص (L’annonce du diagnostic):
وصفت الأسر لحظة التشخيص بالصدمة النفسية العنيفة التي تُسقط خطط المستقبل وتتطلب مسار حداد مؤلم.
انتقد الأولياء غياب المرافقة بعد إعلان التشخيص؛ حيث تُترك الأسر بمفردها لأسابيع وشهور تصارع قوائم انتظار طويلة للوصول للخدمات، مع قسوة أسلوب الإعلان من بعض الممارسين (مثل إبلاغ أم بالتشخيص هاتفياً ومطالبتها بالبحث في الإنترنت).
طالبت الأسر بـ فصل جلسة التشخيص عن جلسة التوجيه الإجرائي؛ بحيث تُخصص المقابلة الأولى لاحتواء الصدمة النفسية وتقديم الدعم الوجداني، تليها جلسة ثانية بعد أسابيع لشرح خطط العلاج وتوزيع كتيبات الموارد.
المرحلة الثانية: الالتحاق بدور الحضانة (L’entrée en crèche):
عانت الأمهات من صعوبة تسليم الطفل لكوادر تفتقر إلى المعرفة المتخصصة بطيف التوحد، حيث تم إجبار أحد الأطفال على أكل أطعمة تثير نفوره الحسي وتجاهل توجيهات أمه مما فاقم أزماته السلوكية[cite: 446, 447, 448].
تبرز الحاجة الماسة إلى كوادر مدربة على إدارة السلوك، وتوفير بيئات حسية هادئة وغير مفتوحة تقلل التشتت السمعي والبصري.
المرحلة الثالثة: بدء التمدرس الإلزامي (Le début de la scolarité):
برغم القوانين السويسرية الحاثة على الإدماج (LEO وLES)، واجهت الأسر رفضاً ومقاومة واضحة من بعض مديري المدارس والمعلمين، وغياباً للتكييفات التربوية، ونقصاً حاداً في ساعات دعم معلمي التربية الخاصة.
أُجبر الوالدان على تحمل دور “منسق المشروع البيداغوجي” والمطالبة المستمرة بالحقوق، مما شكل مصدراً للاحتراق النفسي والنزاع مع المؤسسة التربوية.
5. المناقشة ومقارنة النتائج بالأدبيات الدولية
أظهرت المقارنة مع الأدبيات السويسرية والدولية تقاطعات جوهرية وفرضيات عمل متسقة:
جدول 2: مقارنة نتائج الدراسة الحالية مع الأدبيات والدراسات السابقة
المحور التحليلي | نتائج الدراسة الحالية في كانتون فو PDF | التوافق مع الأدبيات الدولية والسويسرية |
الدعم غير الرسمي (Soutien informel) | ركيزة البقاء الأساسية؛ تماسك الزوجين يخفف الضغوط، بينما تعاني الأمهات العازبات من ضياع تام. | يتطابق مع نتائج أبحاث (Helitzer et al., 2002; Tunali & Power, 2002) حول هشاشة العلاقات الزوجية وأهمية الشبكات العائلية. |
جدلية الراحة والتدريب الوالدي | التدريب الوالدي وبرامج التعليم المنزلي تصبح عبئاً ومصدراً للتوتر ما لم تقترن بخدمات راحة مؤقتة تضمن نوم الوالدين. | تدعم أبحاث (Tétreault et al., 2010; VanLeit & Crowe, 2002) بأن علاج اضطرابات نوم الطفل وراحة الوالدين شرط للتدخل الإرشادي. |
التنسيق وإدارة الحالات (Case management) | تحول الوالدين رغماً عنهم إلى منسقي رعاية ومطاردين للمواعيد في ظل تشتت التدخلات الطبية والتربوية. | تتطابق مع تقارير المكتب الفيدرالي السويسري (OFAS 2018) وتوصيات نموذج “المنسق المحوري” (Agent pivot) في كندا. |
الممارسة المتمركزة حول الأسرة (PCF) | شعور الوالدين بالتهميش وتجاهل خبراتهم الميدانية العميقة بسلوكيات واحتياجات طفلهم من قِبل المهنيين. | تؤكد دراسات (Boland et al., 2019; Hanna & Rodger, 2002) وجود فجوة هيكلية بين تبني النظرية وتطبيق الشراكة الندية إكلينيكياً. |
6. دور ومساهمة العلاج الوظيفي (Occupational Therapy)
تُبرز الدراسة العلاج الوظيفي بوصفه تخصصاً محورياً مؤهلاً بطبيعته التفاعلية وجذوره في العلوم النشاطية/المهنية (Sciences de l’occupation) لقيادة التغيير في بيئة رعاية وتأهيل ذوي التوحد:
7. التوصيات الإجرائية للممارسة والسياسات العامة
صاغت الباحثة خمس حزم من التوصيات التطبيقية الموجهة للمؤسسات الإدارية والممارسين الإكلينيكيين:
تمكين الأولياء ومساندة القرار (Outiller les parents):
إعداد أدلة إرشادية وتدريبات إلكترونية وورش عمل استباقية عند كل مرحلة انتقالية لتوضيح الخيارات التعليمية والحقوق القانونية.
توفير استشارات قانونية متخصصة ومجانية لحماية حقوق الطلاب في التكييفات المدرسية.
إعادة هيكلة مسار التشخيص والمتابعة (Accompagnement coordonné):
تقسيم مسار التشخيص إلى مقابلتين مستقلتين تفصل بينهما فترة زمنية: الأولى لإعلان التشخيص واحتواء الصدمة العاطفية، والثانية للتخطيط الإجرائي وربط الأسرة بالموارد.
تعيين “منسق رعاية محوري” (Coordinateur / Case manager) ملحق بمراكز التشخيص يتولى مرافقة الأسرة في إدارة المواعيد والربط مع المدارس.
التصميم الشامل للبيئات التعليمية (Aménagement inclusif):
إدراج برامج تدريبية إلزامية لمعلمي المدارس العامة والتربويين في دور الحضانة تتناول الخصائص الحسية واحتياجات التنظيم الانفعالي لدى أطفال التوحد.
تهيئة الفصول والساحات المدرسية استناداً إلى مبادئ التصميم الشامل للتعلم (Universal Design) لتقليل المشتتات والضوضاء، مما يخدم الطلاب كافة.
التوعية المجتمعية متعددة المحاور (Sensibilisation du grand public):
محور المدارس: تنفيذ برامج توعية تعتمد على تدريب الأقران (Peer-mediated intervention) لتعليم زملاء الصف مهارات التفاعل الإيجابي مع أقرانهم ذوي التوحد لمنع التنمر.
محور الفضاءات العامة: تخطيط حدائق ألعاب عامة آمنة ومحاطة بسياج حامٍ، وتزويدها بعلامات وإرشادات بصرية تدعم السلامة والحركة.
محور المنشآت والمرافق التجارية: استحداث “ساعات تسوق هادئة” أسبوعياً في المراكز التجارية والسينما تُخفف فيها الإضاءة وتُكتم الأصوات العالية مراعاةً للحساسية الحسية.
محور الأنشطة الرياضية والترويحية: تدريب مدربي الأندية الرياضية على استراتيجيات النشاط البدني المكيف، وتوفير خيارات ترفيهية دامجة لا تقوم على التنافسية والإقصاء.
8. الخاتمة
تخلص هذه الدراسة النوعية إلى أن الانخراط المهني وجودة الحياة للأسر التي ترعى طفلاً مصاباً باضطراب طيف التوحد في سويسرا الروماندية تتأثران سلباً ببيئة اجتماعية ومؤسسية ومكانية غير مهيأة كفاية لاحتضان التنوع. وتُعد المراحل الانتقالية في الطفولة المبكرة فترات حرجة تتطلب تحولاً عاجلاً من نموذج الرعاية الفردي الموجه للطفل بمعزل عن محيطه نحو نموذج متكامل يرتكز على الأسرة والمجتمع. إن مساندة اتخاذ القرار، وإرساء خدمات الراحة والتعويض المالي، وتعيين منسقين محوريين للرعاية، ومواءمة الفصول والحدائق العامة وفق مبادئ التصميم الشامل تمثل شروطاً أساسية لحماية الصحة النفسية للوالدين، وضمان المشاركة الاجتماعية الكاملة للأطفال ذوي التوحد في بيئاتهم الطبيعية.
المرجع :
EXPLORATION DES BESOINS DE SOUTIEN PERÇUS PAR LES PARENTS D’ENFANTS PRÉSENTANT UN TROUBLE DU SPECTRE DE L’AUTISME DANS DES PÉRIODES DE TRANSITION. UNE ÉTUDE QUALITATIVE TRANSVERSALE





