ترجمة: أ. نورهان مشي
1. الإطار المفاهيمي والإشكالية البحثية
يشهد الوسط المدرسي في مقاطعة كيبيك الكندية تزايداً ملحوظاً في التنوع الطلابي، ولا سيما الارتفاع المستمر في نسبة الطلاب ذوي الإعاقة أو صعوبات التعلم والتكيف (HDAA – Élèves handicapés ou en difficulté d’adaptation ou d’apprentissage)، والذين بلغت نسبتهم نحو 23.5% من إجمالي الطلاب. وعلى الرغم من أن حوالي 80% من هؤلاء الطلاب مدمجون اليوم في الفصول العادية، إلا أن معدلات التسرب المدرسي لديهم تظل أعلى بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بأقرانهم، حيث يخفق نحو 40% منهم في نيل شهادة الثانوية العامة.
يوضح النموذج التفاعلي لنمو الإعاقة (MDH-PPH) والنموذج الاجتماعي للإعاقة أن الصعوبات التي يواجهها هؤلاء الطلاب ليست ناجمة عن قصورهم الفردي فحسب، بل تنشأ من عدم مواءمة البيئة المدرسية والمناهج وأساليب التدريس. ومن هذا المنطلق، لا يكفي مجرد الإدماج المكاني للطلاب داخل الفصول العادية، بل يستلزم الأمر تعزيز التعليم الدامج (Éducation inclusive) عبر توفير خدمات دعم تكيفية وتشاركية.
تُمثل الخدمات التعليمية التكميلية (Services éducatifs complémentaires) ركيزة أساسية لتحقيق النجاح التعليمي والرفاه النفسي والاجتماعي إلى جانب الخدمات التدريسية. وتضم هذه الخدمات كلاً من الكادر المهني الأكاديمي (الأخصائيون النفسيون التربويون، ومعلمو التربية العلاجية/Orthopédagogues، وأخصائيو التخاطب، وأخصائيو العلاج الوظيفي) بالإضافة إلى كادر الدعم الفني، ولا سيما فنيو وفنيات التربية الخاصة (TES). غير أن هذه الخدمات تعاني من التشتت، والعمل المنعزل، ونقص الموارد، مما يبرز الأهمية الحتمية لإرساء ممارسات تعاونية متداخلة التخصصات (Pratiques collaboratives).
تندرج هذه الأطروحة لنيل درجة الماجستير في علوم الصحة بجامعة شيربروك (Université de Sherbrooke) للباحثة ميليساندر بيروار (Mélissandre Berrouard) ضمن مشروع إقليمي أوسع برعاية وزارة التربية والتعليم في كيبيك (MEQ) يُعرف بمشروع POSER (الممارسات الواعدة لتحسين الخدمات التعليمية لدعم النجاح الطلابي).
2. النماذج النظرية المعتمدة والأطر المرجعية
اعتمدت الدراسة على تكامل نموذجين نظريين متكاملين لتفكيك ديناميكيات التعاون المدرسي:
2.1 نموذج ديتمر لشروط التعاون الفاعل (Dettmer et al., 2005, 2009)
يحدد النموذج 12 عنصراً حاسماً للعمل الجماعي الفعال مجمعة في أربع فئات رئيسية:
الإعداد (Préparation): التأهيل الأكاديمي، والتطوير المهني المستمر، والتدريب على كفايات التعاون.
تحديد الأدوار (Délimitation des rôles): وضوح المسؤوليات، والتكافؤ المهني، وتحديد التوقعات المشتركة والواقعية.
نموذج العمل والبيئة (Modèle): الهياكل التنظيمية، والموارد (تخصيص الوقت)، وإدارة أعباء الحالات.
التقييم والدعم (Évaluation et soutien): تقييم العوائد المشتركة، والقبول الطوعي للشراكة، والالتزام بتعديل الممارسات.
2.2 مستويات التعاون الثلاثة المتداخلة (Ianni et al., 2023)
يصنف هذا الإطار مكونات التعاون إلى ثلاثة مستويات نسقية:
المستوى الفردي (Individuel): الاتجاهات الشخصية، والانفتاح، والدافعية، والاستعداد للتغيير.
مستوى الفريق (Équipe): التواصل الثنائي، والقيادة التشاركية، وتشارك اتخاذ القرار، وإدارة النزاعات.
مستوى النظام/المؤسسة (Système/Organisation): الثقافة المؤسسية، والدعم الإداري، والتسهيلات الهيكلية.
جدول 1: التكامل المنهجي بين نموذج ديتمر (Dettmer) ونموذج إياني (Ianni et al., 2023)
فئات نموذج ديتمر (Dettmer) PDF | مستويات إياني وشركائه (Ianni et al.) PDF | التطبيق الميداني في الممارسة المدرسية PDF+ 1 |
الإعداد (Préparation) | الفردي والمؤسسي | التدريب التشاركي المشترك، واكتساب كفايات العمل الفريقي. |
تحديد الأدوار (Délimitation des rôles) | مستوى الفريق | تكريس التكافؤ والندية، وتفكيك عقلية “الخبير الفوقي”. |
نموذج التنظيم (Modèle) | المستوى المؤسسي والنظامي | تفريغ أوقات ثابتة للاجتماعات ضمن جدول العمل وتوفير الميزانيات. |
التقييم والدعم (Évaluation et soutien) | الفردي ومستوى الفريق | المتابعة المنتظمة لخطط التدخل، والتأمل المشترك، والالتزام الذاتي. |
3. منهجية الدراسة وإجراءات جمع البيانات
اشتملت الأطروحة على جزأين تكامليين: مراجعة سريعة للأدبيات العلمية الموثقة (Article 1)، وبحث نوعي ميداني وصفي-تفسيري قائم على مقابلات فردية متعمقة (Article 2):
3.1 عينة الدراسة وخصائص المشاركات
شملت العينة 14 مشاركة جميعهن من الإناث، موزعات على 5 مراكز خدمات مدرسية (CSS) ولجنة مدرسية إنجليزية واحدة عبر 5 مناطق إدارية بمقاطعة كيبيك:
الكادر التدريسي (50%، n=7): معلمات تعليم ابتدائي وثانوي.
مقدمو الخدمات التكميلية (PSEC) (50%، n=7): 3 أخصائيات نفسيات تربويات، وأخصائية إعادة تأهيل، ومعلمة تربية علاجية (Orthopédagogue)، وفنيتا تربية خاصة (TES).
سنوات الخبرة: جميع المشاركات يمتلكن خبرة لا تقل عن عام، مع وجود 35.7% بخبرة تتجاوز 5 سنوات.
4. النتائج الميدانية: أنماط الممارسات التعاونية
أظهرت المخرجات أن الممارسات التعاونية اليومية في المدارس تتجسد عبر ثلاث استراتيجيات رئيسية:
اجتماعات التعاون الدورية (Rencontres de collaboration):
ذكرتها 12 مشاركة، وتمثل الفضاء الأكثر تنظيماً لتنسيق الجهود.
تُعقد لمناقشة احتياجات الطلاب الفردية، وتصميم وتكييف خطط التدخل الموجهة (Plans d’intervention)، والتنسيق بشأن فصول الدعم المصغرة (“الفصول الهجينة” في مادتي اللغة والرياضيات).
مرافقة الكادر التدريسي ودعمه (Accompagnement du personnel enseignant):
ذكرتها 10 مشاركات؛ وترتكز على تقديم الاستشارات الفنية والنمذجة الميدانية (Modelage) داخل الفصل من قبل الأخصائيين.
تلعب فنيات التربية الخاصة (TES) دوراً محورياً في الدعم المباشر الميداني والتدخلات اللحظية المرافقة للمعلم.
التدخل المباشر المشترك داخل الفصل (Présence ou intervention en classe):
أشارت إليها 6 مشاركات؛ وتتضمن التدريس المشترك (Co-teaching)، وتنشيط ورش المهارات الحركية، الحسية، والتنظيم الانفعالي لعموم طلاب الصف.
5. نموذج البنية المدرسية: ميسرات الممارسات التعاونية وعوائقها
ابتكرت الباحثة نموذجاً تحليلياً يصور المدرسة كبنية معمارية متكاملة تتقاطع فيها أربع فئات من الشروط المتفاعلة:
جدول 2: التحليل التركيبي لميسرات الممارسات التعاونية وعوائقها في الميدان المدرسي
الفئة العاملية | العوامل الميسرة للتعاون (Facilitateurs) | العوائق والمثبطات الميدانية (Obstacles) |
الظروف الهيكلية (Conditions structurelles) | • تخصيص وقت رسمي ومحمي ضمن جدول الحصص. • دعم قيادي والتزام صريح من مديري المدارس. • مساطر واضحة وأطر محددة لإدارة الحالات. | • ضيق الوقت وتراكم الأعباء الإدارية والتعليمية. • تشتت الأخصائيين بين عدة مدارس ومؤسسات. • ضبابية قنوات الإحالة والمساطر الإدارية. |
شروط التدخل (Conditions d’intervention) | • البداية التدريجية بتغييرات بسيطة لضمان التقبل. • مرونة التدخلات لتلائم واقع عمل المعلم اليومي. • فصول متجانسة وسلوكيات طلابية مستقرة. | • صعوبة تكييف التدخلات المقترحة مع واقع الصف. • فصول مكتظة وسلوكيات حادة تشتت الانتباه. • الضوضاء والتشويش الملازم للتدخل داخل الفصل. |
محاذاة الممارسات (Alignement des pratiques) | • تبني رؤية تربوية دامجة مشتركة بين الفريق. • توحيد المصطلحات والمفاهيم التربوية التخصصية. • انطلاق التدخلات من الاحتياجات المصرح بها من المعلم. | • التمسك الحرفي بالحدود التخصصية الضيقة للوظيفة. • تصادم الأولويات (الأكاديمية مقابل السلوكية). • تضارب تفسير طبيعة الصعوبات التي يمر بها الطالب. |
الظروف الإنسانية والعلاقاتية (Conditions relationnelles) | • التواصل الشفاف والإنصات المتبادل دون أحكام مسبقة. • الاعتراف بندية الخبرات وتجنب نزعة “الخبير المطلق”. • احتواء المشاعر وإتاحة التعبير عن الإحباطات المهنية. | • خوف المعلم من المراقبة والتقييم السلبي لكفاءته. • التواصل الأحادي القائم على إعطاء الأوامر والتوجيهات. • التشكيك في جدوى التغيير واعتباره إهداراً للوقت. |
6. العوائد الإكلينيكية والميدانية المرصودة
أظهرت المقابلات والبيانات المسجلة باقة من العوائد الإيجابية المباشرة الناتجة عن تفعيل الممارسات التعاونية:
ومع ذلك، سجلت الدراسة ملاحظة نقدية جوهرية؛ إذ نبّهت بعض المشاركات إلى أن الاقتصار على التدخلات الشاملة الموجهة لكامل الفصل يكرس مبدأ “المساواة الشكلية” (Égalité) بدلاً من “العدالة والإنصاف” (Équité)، حيث قد تفشل هذه الأنشطة العامة في تلبية الاحتياجات النوعية المعقدة لبعض الطلاب ذوي الإعاقات الشديدة، مما يؤكد ضرورة الحفاظ على التوازن بين الدعم الشمولي والدعم الفردي التخصصي المركز.
7. الاستنتاجات والتوصيات التطبيقية
تخلص هذه الدراسة إلى أن التعاون المدرسي المتداخل ليس حدثاً عفوياً أو مجرد إضافة تطوعية، بل هو كفاية مهنية مركبة وعملية بنائية علائقية تتطلب استثماراً زمنياً وتنظيمياً وعاطفياً مستمراً.
التوصيات الإجرائية الموجهة لصناع القرار والإدارات المدرسية:
مأسسة أوقات العمل التشاركي: إدراج فترات التخطيط والتنسيق الجماعي بصفة رسمية ومحمية ضمن النصاب الوظيفي للمعلمين والأخصائيين.
التحول التدريجي في الممارسات: تبني التغيير المتدرج عبر أهداف جزئية بسيطة لإتاحة استيعاب المعلمين للشراكة الميدانية وتبديد مخاوفهم.
التدريب التشاركي المشترك: توفير برامج تدريب مهني تدمج المعلمين والأخصائيين وفنيي TES معاً، لترسيخ مصطلحات موحدة وتعزيز مهارات التواصل غير الدفاعي.
تثبيت الكوادر وتمركزها: الحد من تنقل الأخصائيين بين مدارس متعددة وتثبيت تواجدهم الميداني لتعميق الاندماج وبناء روابط الثقة اليومية مع فرق التدريس.
المرجع الأصلي للدراسة:
بيانات التوثيق الأكاديمي: Berrouard, M. (2026). Les pratiques collaboratives entre le personnel enseignant et les prestataires des services éducatifs complémentaires pour soutenir les élèves (Mémoire de maîtrise en sciences de la santé, Université de Sherbrooke, Québec, Canada





