الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الهوية الذاتية لدى المراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

تشير الهوية الذاتية (Self-Identity) إلى إحساس الشخص بمن يكون، وما القيم والصفات والاهتمامات التي يراها جزءًا من ذاته.

ويُعد تطور الهوية الذاتية جانبًا مهمًا من جوانب النمو خلال مرحلة المراهقة. وقد يواجه بعض المراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد تحديات إضافية عند محاولة فهم ذواتهم وتحديد موقعهم ضمن البيئات الاجتماعية المحيطة بهم.

ويمكن للأسرة دعم المراهق من خلال الحديث عن التنوع والاختلافات الفردية، وإتاحة فرص مناسبة للتواصل مع الأقران، ومساعدته على التفكير في اهتماماته وقيمه وصفاته وعلاقته بأسرته.

كما يمكن استخدام أنشطة منظمة تساعد المراهق على استكشاف صورته عن نفسه، مثل إعداد كتاب أو ملف شخصي بعنوان «كل شيء عني»، يتضمن اهتماماته وصفاته وخبراته والأشخاص المهمين بالنسبة إليه والجوانب التي يحتاج فيها إلى الدعم.

ما الهوية الذاتية؟

تشير الهوية الذاتية إلى تصور الشخص عن نفسه وإحساسه بمن يكون، وما القيم التي يراها مهمة بالنسبة إليه.

ويُعد تطور الهوية الذاتية جزءًا من مرحلة المراهقة لدى جميع المراهقين، حيث يزداد خلال هذه المرحلة التفكير في الصفات الشخصية والاهتمامات والقيم والعلاقات والشعور بالانتماء.

وتتأثر الهوية الذاتية لدى المراهق بعوامل متعددة، من بينها الأقران، والأسرة، ووسائل الإعلام، والثقافة، إلى جانب الخبرات الشخصية والاجتماعية التي يمر بها.

ولا تتشكل الهوية بالطريقة نفسها لدى جميع المراهقين؛ فقد يختلف ما يراه كل شخص مهمًا في تعريف نفسه، كما قد تتطور بعض جوانب هويته مع النمو واكتساب خبرات جديدة.

كيف يمكن أن يؤثر اضطراب طيف التوحد في الهوية الذاتية لدى المراهقين؟

قد تكون عملية فهم الذات أكثر تعقيدًا لدى بعض المراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد، إلا أن ذلك لا ينطبق بالطريقة نفسها على جميع الأشخاص.

فمع التقدم في العمر، قد يصبح بعض المراهقين أكثر وعيًا بالاختلافات بينهم وبين أقرانهم. وقد يشعر بعضهم بعدم وضوح الطريقة التي يمكنهم بها الاندماج اجتماعيًا، أو قد يشعرون بأن عليهم تعديل بعض جوانب سلوكهم أو طريقة تواصلهم حتى يتوافقوا مع توقعات الآخرين.

وقد يرتبط ذلك بما يُعرف بـ التمويه الاجتماعي (Masking or Camouflaging)، حيث يغير الشخص بعض جوانب سلوكه أو طريقة تواصله بما يتوافق مع التوقعات الاجتماعية المحيطة به.

وفي المقابل، قد لا يكون الاندماج مع الأقران أو المشاركة المكثفة في العلاقات الاجتماعية أمرًا ذا أهمية كبيرة لبعض المراهقين. ولا ينبغي افتراض أن انخفاض الاهتمام بالتفاعل مع الأقران يمثل صعوبة بحد ذاته إذا كان متوافقًا مع تفضيلات المراهق واحتياجاته.

وقد يواجه بعض المراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد أيضًا صعوبة في التعرف إلى المشاعر أو فهمها أو تنظيمها، سواء تعلقت بمشاعرهم الخاصة أو بمشاعر الآخرين. وقد يجعل ذلك من الأصعب أحيانًا تحديد ما يشعر به المراهق تجاه نفسه أو تجاه بعض المواقف والتجارب من حوله.

كما تمر مرحلة المراهقة بتغيرات جسدية وانفعالية واجتماعية ونفسية متعددة. وقد تكون هذه التغيرات مربكة لبعض المراهقين، بمن فيهم المراهقون ذوو اضطراب طيف التوحد. ولا يمكن عادةً تفسير التقلبات التي تحدث خلال هذه المرحلة بعامل واحد فقط.

ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الصعوبات التي يواجهها المراهق ذو اضطراب طيف التوحد قد تستحوذ أحيانًا على قدر كبير من اهتمام الأسرة أو المدرسة أو المختصين. وعندما يتركز الحديث باستمرار على الجوانب التي تحتاج إلى دعم أو تطوير، فقد تقل المساحة المخصصة لملاحظة اهتماماته وصفاته ومهاراته ونقاط قوته.

ولهذا من المهم ألا تُختزل صورة المراهق عن نفسه في تشخيصه أو في التحديات التي يواجهها، بل أن تشمل أيضًا اهتماماته وقيمه وعلاقاته وصفاته ومهاراته واحتياجاته الفردية.

كيف تساعد المراهق ذي اضطراب طيف التوحد على تطوير هوية ذاتية إيجابية؟

قد يحتاج بعض المراهقين إلى دعم من الأسرة أثناء استكشاف هويتهم وفهم الطريقة التي يرون بها أنفسهم.

وقد يرتبط تكوين تصور متوازن وإيجابي عن الذات بتقدير الذات والثقة بالنفس، إلا أن هذه الجوانب تتأثر بعوامل متعددة، ولا تعتمد على طريقة واحدة أو نشاط محدد.

وفيما يلي مجموعة من الأفكار التي يمكن تكييفها وفق احتياجات المراهق واهتماماته.

تحدث عن التنوع

يمكن الحديث مع المراهق عن أن الأشخاص يختلفون في نقاط القوة والاهتمامات والتحديات والاحتياجات، وأن الاختلافات الفردية جزء من التنوع بين البشر.

وقد يساعد ذلك المراهق على النظر إلى نفسه بصورة أوسع من التركيز على الجوانب التي يجدها صعبة.

كما يمكن توضيح أن الأشخاص قد يختلفون في الطريقة التي يتحدثون بها أو يفكرون أو يتعلمون أو يتصرفون بها، وأن وجود اختلافات في هذه الجوانب لا يعني أن هناك طريقة واحدة صحيحة يجب على الجميع اتباعها.

وإذا كان المراهق يستفيد من الوسائل البصرية أو القصص المنظمة، فيمكن تقديم هذه الأفكار من خلال قصة اجتماعية (Social Story) أو نشاط بصري يتناسب مع مستوى فهمه. ويمكن الاستعانة بالمختصين عند الحاجة إلى إعداد محتوى مناسب لقدراته التواصلية والمعرفية.

كما قد يكون من المفيد مشاركة كتب أو مواد مناسبة لعمر المراهق تتناول الهوية الإيجابية لدى الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، مع مراعاة جودة المحتوى ومدى توافقه مع تجربة المراهق واحتياجاته.

التواصل مع الأقران

قد توفر المشاركة في نشاط يستمتع به المراهق، مثل الرياضة أو الموسيقى أو الفن أو الأنشطة التقنية وغيرها، فرصة لاكتشاف اهتماماته ومهاراته والشعور بمكانه داخل مجموعة تشاركه بعض الاهتمامات.

كما قد يكون التواصل مع مراهقين آخرين ذوي اضطراب طيف التوحد مفيدًا لبعض الأشخاص؛ إذ يمكن أن يتيح لهم تبادل الخبرات والتعرف إلى طرق مختلفة لفهم التوحد وعلاقته بالهوية الشخصية.

وقد توفر مجموعة متقبلة من الأقران مساحة يشعر فيها المراهق بقدر أكبر من الراحة عند مشاركة تجاربه، خصوصًا إذا كان لا يشعر بالحاجة إلى تعديل سلوكه باستمرار حتى يتوافق مع توقعات المجموعة.

ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن جميع المراهقين يرغبون في الانضمام إلى مجموعات مخصصة للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد. فقد يفضل بعضهم مجموعات قائمة على اهتمام مشترك، أو علاقات فردية، أو قدرًا أقل من التفاعل الاجتماعي. ويعتمد ذلك على تفضيلات المراهق نفسه.

التفكير في «من أنا؟»

يمكن تشجيع المراهق على التفكير في عدد من الجوانب التي تشكل صورته عن نفسه، مثل:

  • اهتماماته وقيمه.

  • صفاته الشخصية، مثل الكرم أو الإبداع أو اللباقة أو غيرها من الصفات التي يرى أنها تصفه.

  • الكلمات التي يختار استخدامها عندما يريد تعريف نفسه للآخرين.

  • الأنشطة التي يستمتع بها.

  • المجالات التي يرى أنها تمثل نقاط قوة لديه.

  • الجوانب التي يحتاج فيها إلى مساعدة أو دعم.

ومن المهم أن يشارك المراهق نفسه في تحديد الكلمات والصفات التي تصفه، بدل أن تُحدد هويته بالكامل من قِبل الآخرين.

إعداد كتاب «كل شيء عني»

يمكن استخدام كتاب أو ملف شخصي بعنوان «كل شيء عني» لمساعدة المراهق على التفكير في الجوانب المختلفة من هويته.

وقد يتضمن:

  • صورًا للأشياء التي يحبها.

  • صورًا للأصدقاء أو الأشخاص المهمين بالنسبة إليه، إذا كان يرغب في ذلك.

  • صورًا أو نماذج مرتبطة بهواياته واهتماماته.

  • رسومات أو أعمالًا فنية أو يدوية أنجزها في مراحل عمرية مختلفة.

  • تقارير مدرسية أو نماذج من الإنجازات السابقة والحالية.

  • صورًا أو أمثلة على الأنشطة والمهارات التي يعتز بها.

  • أمثلة على الجوانب التي يحتاج فيها إلى دعم.

كما يمكن إضافة الكلمات التي يختارها المراهق لوصف نفسه.

ولا يشترط أن يركز الكتاب على الإنجازات أو نقاط القوة فقط؛ فقد يتضمن أيضًا تفضيلاته واحتياجاته والأمور التي تساعده على الشعور بالراحة والجوانب التي يفضل الحصول فيها على المساعدة. وقد يسهم ذلك في تقديم صورة أكثر شمولًا وواقعية عن نفسه.

وإذا كان لدى المراهق إخوة أو أقارب مقاربون له في العمر، فقد يرغب في تنفيذ النشاط معهم، إذا كان يشعر بالراحة تجاه ذلك.

التفكير في الأسرة

تتأثر الهوية الذاتية أيضًا بعلاقة الشخص بأسرته وتاريخه العائلي وخبراته داخل الأسرة.

ويمكن مشاركة الصور العائلية مع المراهق والحديث عن أفراد الأسرة وتجاربهم، كما يمكن إدراج بعض هذه الصور والذكريات في كتاب «كل شيء عني» إذا كان يرغب في ذلك.

وقد يكون من المفيد أيضًا أن يسمع المراهق بعض تجارب والديه أو أفراد أسرته أثناء النمو ومرحلة المراهقة، بما في ذلك التغيرات والمواقف والتحديات التي مروا بها خلال هذه المرحلة.

وقد يكتسب هذا النوع من التواصل أهمية إضافية لدى المراهق الذي لديه عدد محدود من العلاقات مع الأقران، إلا أن الدعم الأسري لا يُعد بديلًا عن العلاقات الاجتماعية الخارجية إذا كان المراهق يرغب فيها.

دعم الأسرة ورفاهها

قد يساعد اهتمام الوالدين ومقدمي الرعاية بصحتهم الجسدية والنفسية واحتياجاتهم اليومية على الحفاظ على قدرتهم على تقديم الدعم للمراهق.

وقد يشمل ذلك الاهتمام بالتغذية والنشاط البدني والنوم والراحة، إضافة إلى طلب الدعم عند الحاجة.

وقد يمر بعض الوالدين بمشاعر متباينة أو صعبة مرتبطة بتشخيص طفلهم أو بالتحديات التي يواجهها خلال مراحل النمو. وفي هذه الحالات، قد يكون الحصول على دعم مناسب مفيدًا في التعامل مع هذه المشاعر بصورة لا تجعل تشخيص المراهق أو الصعوبات التي يواجهها محورًا لهويته داخل الأسرة.

كما قد تستفيد بعض الأسر من شبكات الدعم العائلية أو المجتمعية أو المهنية، مع اختلاف نوع الدعم المناسب باختلاف ظروف الأسرة واحتياجاتها.

ختامًا

تتشكل الهوية الذاتية لدى المراهق من مجموعة واسعة من القيم والصفات والاهتمامات والخبرات والعلاقات والاحتياجات، ولا تقتصر على تشخيص اضطراب طيف التوحد أو على مستوى المهارات والصعوبات التي يواجهها.

وقد يحتاج بعض المراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد إلى وقت أو دعم إضافي لاستكشاف من يكونون، وما الذي يهمهم، وكيف يصفون أنفسهم، وما الموقع الذي يحتله التوحد ضمن تصورهم لهويتهم.

ويمكن للأسرة دعم هذه العملية من خلال احترام الاختلافات الفردية، وإتاحة فرص مناسبة للتواصل والانتماء، ومساعدة المراهق على التعرف إلى اهتماماته وقيمه ونقاط قوته واحتياجاته، مع منحه مساحة متزايدة للمشاركة في تعريف نفسه.

ولا يتمثل الهدف في تكوين صورة إيجابية تتجاهل الصعوبات، بل في دعم المراهق في بناء تصور أكثر توازنًا عن ذاته، يتسع لقدراته واهتماماته واحتياجاته وتحدياته، ويمنحه دورًا أكبر في تحديد الطريقة التي يفهم بها هويته ويعبّر عنها.

المرجع: 

Self-Identity for Your Autistic Teen

https://raisingchildren.net.au/autism/development/social-emotional-development/self-identity-for-teens-with-asd