الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الإعاقة الذهنية والصحة النفسية

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

تشير الأبحاث إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية (Intellectual Disability) قد يكونون أكثر عرضة لبعض مشكلات واضطرابات الصحة النفسية مقارنة بأقرانهم من غير ذوي الإعاقة الذهنية.

ومع ذلك، قد لا تُكتشف هذه المشكلات بسهولة؛ إذ يمكن أحيانًا تفسير التغيرات السلوكية أو الانفعالية على أنها جزء من الإعاقة نفسها، دون التحقق من وجود عوامل نفسية أو طبية أو بيئية أخرى.

وتزداد أهمية هذا التمييز لأن بعض الأطفال قد لا يستطيعون وصف مشاعرهم أو الأعراض التي يمرون بها بصورة لفظية واضحة. فقد يظهر القلق، على سبيل المثال، في صورة تجنب أو توتر أو زيادة في السلوكيات المتكررة، بينما قد يظهر الاكتئاب في صورة انخفاض المشاركة أو فقدان الاهتمام أو تغير واضح في النوم والسلوك. لذلك ينبغي النظر إلى التغير عن المستوى المعتاد للطفل بوصفه معلومة مهمة عند التقييم.

ما الإعاقة الذهنية؟

تتسم الإعاقة الذهنية بوجود قصور ملحوظ في الأداء الذهني (Intellectual Functioning) وفي السلوك التكيفي (Adaptive Functioning) بما يؤثر في قدرة الشخص على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية.

وتشمل المهارات التكيفية ثلاثة مجالات رئيسية:

  • المجال المفاهيمي: مثل اللغة ومفاهيم الأعداد والوقت والمال والتعلم الأكاديمي.

  • المجال الاجتماعي: مثل التفاعل مع الآخرين وفهم المواقف الاجتماعية.

  • المجال العملي: مثل العناية الشخصية والاستقلال في أنشطة الحياة اليومية.

وتختلف درجة الدعم المطلوبة بصورة كبيرة من شخص إلى آخر.

ولا ينبغي تحديد مستوى احتياجات الشخص استنادًا إلى مستوى القدرة الذهنية وحده؛ فالأداء التكيفي يقدم معلومات مهمة عن الطريقة التي يستخدم بها الفرد مهاراته في الحياة الواقعية. وقد يمتلك شخصان مستوى متقاربًا في بعض القدرات المعرفية، لكنهما يختلفان بصورة ملحوظة في التواصل أو الاستقلال أو المهارات الاجتماعية، وبالتالي في نوع الدعم المطلوب لكل منهما.

لماذا قد تزداد مشكلات الصحة النفسية؟

قد تتداخل مجموعة من العوامل في زيادة احتمالية ظهور مشكلات الصحة النفسية لدى بعض الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، ومنها:

  • بعض العوامل الجينية أو العصبية.

  • صعوبة فهم المواقف الضاغطة أو التعبير عنها.

  • محدودية مهارات التواصل لدى بعض الأطفال.

  • التنمر أو العزلة الاجتماعية.

  • الخبرات الحياتية السلبية.

  • صعوبة الدفاع عن الذات أو طلب المساعدة.

وقد يؤدي ضعف القدرة على وصف المشاعر أو التعبير عن الألم والقلق إلى ظهور الضيق في صورة تغيرات سلوكية بدلًا من الشكوى اللفظية المباشرة.

وقد يواجه بعض الأطفال كذلك صعوبة في استخدام استراتيجيات التكيف بصورة تلقائية عند التعرض للضغوط. ولهذا فإن تعليم مهارات طلب المساعدة، والتعرف إلى المشاعر، والتعبير عن الاحتياجات، والاستعداد للتغيرات المتوقعة يمكن أن يشكل جانبًا وقائيًا مهمًا، وليس مجرد استجابة بعد ظهور المشكلة.

لماذا قد لا تُكتشف الاضطرابات النفسية؟

من المشكلات المهمة ما يُعرف باسم الحجب التشخيصي (Diagnostic Overshadowing)، ويقصد به نسبة الأعراض السلوكية أو الانفعالية إلى الإعاقة الذهنية بصورة تلقائية دون التحقق من أسباب أخرى محتملة.

فعلى سبيل المثال، قد تظهر لدى الطفل:

  • نوبات غضب جديدة.

  • زيادة في السلوك العدواني.

  • انسحاب اجتماعي.

  • انخفاض في المشاركة.

  • اضطرابات في النوم.

  • تغير ملحوظ في المزاج.

وقد تُعامل هذه التغيرات باعتبارها «مشكلة سلوكية» فقط، رغم احتمال ارتباطها بالقلق أو الاكتئاب أو الألم أو مشكلات التواصل أو ظروف بيئية ضاغطة.

لذلك ينبغي أن يشمل التقييم الجوانب النفسية والطبية والبيئية، لا السلوك الظاهر فقط.

كما تفيد مقارنة السلوك الحالي بخط الأساس المعتاد للشخص؛ لأن بعض العلامات قد تكون أكثر وضوحًا من خلال ملاحظة التغير في نمط النوم أو المشاركة أو الشهية أو التواصل أو الاهتمامات، وليس من خلال مقارنة الشخص بالآخرين فقط.

القلق والاكتئاب

قد تسهم بعض الصعوبات الاجتماعية والأكاديمية في زيادة الضغوط لدى الأطفال والمراهقين ذوي الإعاقة الذهنية.

فقد يواجه الطفل صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية أو المحافظة على العلاقات، أو قد تختلف مهاراته واهتماماته عن أقرانه، مما يمكن أن يؤدي لدى بعض الأطفال إلى الشعور بالعزلة أو انخفاض تقدير الذات.

كما قد تسبب المهمات الأكاديمية التي تفوق قدرات الطفل الحالية شعورًا متكررًا بالإحباط.

ويجب عدم اعتبار الضيق النفسي نتيجة طبيعية للإعاقة؛ فظهور تغيرات مستمرة في المزاج أو السلوك أو التفاعل الاجتماعي يستدعي النظر في الحاجة إلى تقييم متخصص.

اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)

قد يكون تشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة أكثر تعقيدًا لدى الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية.

فقد تكون بعض مهارات الانتباه والوظائف التنفيذية أقل من المتوقع وفق العمر الزمني بسبب المستوى النمائي العام للطفل.

ولذلك ينبغي تحديد ما إذا كانت صعوبات الانتباه أو الاندفاعية أو النشاط الزائد أشد مما هو متوقع مقارنة بالمستوى النمائي والمعرفي للطفل نفسه.

ولا يكفي انخفاض الانتباه مقارنة بالأطفال من العمر الزمني نفسه وحده لتأكيد التشخيص.

تعليم مهارات التكيف (Coping Skills)

يمكن تعليم الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية مهارات تساعدهم على التعامل مع المشاعر والضغوط، مثل:

  • التعرف إلى المشاعر وتسميتها.

  • التعرف إلى الإشارات الجسدية المرتبطة بالانفعال.

  • طلب المساعدة.

  • استخدام استراتيجيات للتهدئة.

  • التعبير عن الرفض والاحتياجات.

  • التعامل التدريجي مع المواقف المسببة للضغط.

وقد يحتاج الطفل إلى لغة أبسط، وتكرار أكثر، واستخدام وسائل بصرية وتقسيم المهارة إلى خطوات صغيرة.

ومن المفيد كذلك تدريب المهارة في أكثر من موقف ومع أكثر من شخص، لأن إتقانها داخل جلسة تعليمية لا يضمن بالضرورة استخدامها في المدرسة أو المنزل أو المجتمع. ويساعد التدريب في سياقات متنوعة على زيادة احتمالية تعميم المهارة والمحافظة عليها.

العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy; CBT)

تشير الأدلة إلى إمكانية تكييف بعض أساليب العلاج المعرفي السلوكي ليستفيد منها بعض الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية البسيطة إلى المتوسطة، خصوصًا في التعامل مع القلق والاكتئاب.

ومن التعديلات التي قد تساعد:

  • استخدام لغة مباشرة وبسيطة.

  • تقصير الجلسات عند الحاجة.

  • تقسيم المهام إلى خطوات.

  • استخدام أمثلة واقعية ووسائل بصرية.

  • تكرار التدريب على المهارات.

  • إشراك الأسرة في تطبيق الاستراتيجيات خارج الجلسات.

ولا توجد طريقة واحدة تناسب جميع الأشخاص؛ إذ يجب تعديل التدخل وفق مستوى الفهم والتواصل والاحتياجات الفردية.

أهمية التقييم الشامل

عند ظهور تغير مفاجئ أو مستمر في سلوك الطفل أو حالته النفسية، ينبغي النظر في مجموعة من الجوانب، مثل:

  • الصحة الجسدية ووجود الألم.

  • مهارات التواصل.

  • النوم.

  • الأدوية المستخدمة.

  • التغيرات الأسرية أو المدرسية.

  • التنمر أو الضغوط الاجتماعية.

  • مستوى المتطلبات التعليمية.

  • ظهور أعراض نفسية جديدة.

ويحد هذا النهج من تفسير السلوك بصورة سطحية، ويساعد على تحديد الأسباب المحتملة بصورة أكثر دقة.

كما أن التعاون بين الأسرة والمدرسة والمتخصصين يمكن أن يقدم صورة أكثر اكتمالًا؛ فقد تظهر بعض التغيرات في بيئة دون أخرى، أو تكون مرتبطة بمواقف أو متطلبات محددة. وتبادل الملاحظات بين البيئات يساعد على تحديد نمط الأعراض والعوامل التي قد ترتبط بها.

ختامًا

قد يواجه الأطفال ذوو الإعاقة الذهنية احتياجات تتعلق بالصحة النفسية إلى جانب احتياجاتهم المعرفية والتكيفية.

ولا ينبغي افتراض أن التغيرات السلوكية أو الانفعالية جزء من الإعاقة نفسها. فالتقييم المتكامل الذي يشمل الجوانب النفسية والطبية والتواصلية والبيئية يساعد على تحديد الاحتياجات بصورة أدق.

كما يمكن تكييف التدخلات النفسية والتعليمية بما يتناسب مع مستوى الطفل من خلال تبسيط اللغة، واستخدام الدعم البصري، وتقسيم المهارات، وتكرار التدريب، وإشراك الأسرة عند الحاجة.

المرجع:

Intellectual Disability and Mental Health

https://childmind.org/article/intellectual-developmental-disorder-and-mental-health/