ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
اضطرابات التعلم لا تزول، لكنها تصبح أكثر قابلية للإدارة
قد يشعر الوالدان بالقلق بشأن مستقبل طفلهما بعد تشخيصه باضطراب في التعلّم، وقد تتبادر إلى أذهانهما تساؤلات حول قدرته على الالتحاق بالتعليم الجامعي، أو النجاح في مساره المهني، أو ما إذا كانت هذه الصعوبات ستستمر معه طوال حياته.
تشير الأدلة العلمية إلى أن اضطرابات التعلّم لا تزول مع التقدم في العمر، إذ تُعد من الاضطرابات النمائية العصبية (Neurodevelopmental Disorders) التي تظهر عادة خلال السنوات الأولى من الدراسة، وتتسم بصعوبات مستمرة، غالبًا في القراءة (عسر القراءة Dyslexia)، أو الكتابة (عسر الكتابة Dysgraphia)، أو الرياضيات (عسر الحساب Dyscalculia). ومع ذلك، فإن استمرار الاضطراب لا يعني عدم قدرة الطفل على التعلم؛ إذ يمكن للأطفال اكتساب المهارات الأكاديمية بنجاح عند توفير الاستراتيجيات التعليمية المناسبة والدعم الملائم. كما يصبح كثير من الأطفال، مع التقدم في العمر، أكثر قدرة على توظيف نقاط قوتهم للتغلب على الصعوبات المرتبطة باضطراب التعلّم.
ولا يعني وجود اضطراب في التعلّم أن الطفل أقل ذكاءً من أقرانه، وإنما يعني أن دماغه يعالج المعلومات بطريقة مختلفة. كما أن اضطرابات التعلّم ليست من الاضطرابات النادرة؛ إذ تشير التقديرات في الولايات المتحدة إلى أن ما يصل إلى 15% من الأطفال في سن الدراسة لديهم أحد اضطرابات التعلّم.
ومن المهم أن يدرك الأطفال ذوو اضطرابات التعلّم أنهم قد يحتاجون إلى أساليب تعلم تختلف عن تلك التي يستخدمها أقرانهم، وأن التعلم المدرسي قد يتطلب منهم بذل جهد أكبر، إلا أن ذلك لا يمنعهم من تحقيق النجاح الأكاديمي والنمو الشخصي عند حصولهم على الدعم المناسب. وتؤدي الأسرة دورًا محوريًا في دعمهم خلال المراحل الدراسية المختلفة وحتى مرحلة الرشد.
تطور الصعوبات بمرور الوقت (Changes Over Time)
من المتوقع أن تتغير طبيعة الصعوبات التي يواجهها الطفل مع مرور الوقت، ويعتمد ذلك جزئيًا على نوع اضطراب التعلّم وشدته. ويساعد الحفاظ على تواصل مستمر مع الطفل في تهيئته لفهم الكيفية التي قد يتغير بها تأثير اضطرابه عبر مراحل حياته المختلفة.
وقد تصبح بعض الصعوبات المرتبطة باضطرابات التعلّم أكثر وضوحًا مع ازدياد متطلبات الدراسة في المراحل الدراسية المتقدمة. فعلى سبيل المثال، يواجه كثير من الأطفال ذوي عسر القراءة صعوبة أكبر ابتداءً من الصف الثالث الابتدائي، عندما يُتوقع منهم القراءة والكتابة بطلاقة أكبر.
وبالمثل، قد يواجه الطلاب الذين لديهم اضطراب المعالجة السمعية (Auditory Processing Disorder – APD) تحديات أكبر مع زيادة المتطلبات الأكاديمية والاستقلالية في المرحلتين المتوسطة والثانوية، كما قد يجد الأطفال الذين لديهم اضطراب التعلّم غير اللفظي (Non-Verbal Learning Disorder – NVLD) صعوبة في تفسير الإشارات الاجتماعية الأكثر دقة وتعقيدًا التي تظهر مع تقدمهم في العمر وتطور علاقاتهم مع أقرانهم. وبوجه عام، قد يجد المراهقون ذوو اضطرابات التعلّم صعوبة في تدوين الملاحظات بكفاءة، أو إنجاز المشروعات الدراسية الكبيرة، أو الاستعداد للاختبارات، خاصة مع بدء التخطيط للتعليم الجامعي أو المسار المهني.
وفي المقابل، قد تصبح بعض الجوانب أكثر سهولة عندما يكتسب الطفل فهمًا أفضل لطبيعة اضطرابه ويتعلم استراتيجيات فعالة للتعامل معه. فقد يعتاد استخدام الوسائل البصرية، أو أدوات تحويل الكلام إلى نص (Speech-to-Text Tools)، أو استراتيجيات تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات أصغر وأكثر تنظيمًا.
وفي مرحلة التعليم الجامعي، قد يحصل الطلاب ذوو اضطرابات التعلّم على الترتيبات أو التسهيلات التعليمية التي توفرها بعض المؤسسات التعليمية، مثل منح وقت إضافي في الاختبارات، أو توفير خدمات تدوين الملاحظات، أو أولوية التسجيل في المقررات الدراسية، أو تقديم أشكال أخرى من الدعم الأكاديمي الفردي، وذلك وفقًا للأنظمة المعمول بها في المؤسسة التعليمية.
كما ينبغي الإشارة إلى أن الأشخاص ذوي اضطرابات التعلّم يتمتعون، في الولايات المتحدة، بحقوق قانونية تكفل لهم الحصول على التسهيلات والخدمات الداعمة في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل، وذلك بموجب قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة (Americans with Disabilities Act – ADA) وقانون تعليم الأفراد ذوي الإعاقة (Individuals with Disabilities Education Act – IDEA). ويسهم تعريف الطفل مبكرًا بنقاط قوته، والجوانب التي تحتاج إلى دعم، والحقوق المتاحة له، في تنمية قدرته على التعبير عن احتياجاته والمطالبة بها بصورة أكثر استقلالية في المراحل التعليمية اللاحقة وفي بيئة العمل.
أثر التدخل المبكر (Early Interventions Make a Difference)
يسهم الكشف المبكر عن اضطرابات التعلّم والتدخل في الوقت المناسب في دعم النجاح الأكاديمي للطفل وتعزيز صحته النفسية مع تقدمه في العمر. ويمكن للمختصين مساعدة الطفل على الاستفادة من نقاط قوته وتنمية المهارات التي يواجه فيها صعوبة، مع اختلاف طبيعة التدخلات باختلاف نوع الاضطراب وشدته.
فعلى سبيل المثال، قد يستفيد الأطفال ذوو عسر القراءة من برامج مكثفة لتنمية مهارات القراءة خلال المرحلة الابتدائية، بما يدعم تطور الطلاقة القرائية والمهارات الأكاديمية في المراحل اللاحقة. أما الأطفال الذين يواجهون صعوبات في الرياضيات، فقد تساعدهم الاستراتيجيات التي تعتمد على التعبير اللفظي عن خطوات الحل وكتابتها في تحسين أدائهم في حل المسائل الرياضية.
وبوجه عام، يمكن للأطفال اكتساب مهارات جديدة وتحسين أدائهم الأكاديمي أو مهاراتهم في تنظيم السلوك، وفقًا لطبيعة الصعوبات التي يواجهونها. وتشير الأدلة إلى أن التدخل المبكر يرتبط غالبًا بنتائج تعليمية أكثر إيجابية.
ويتمثل الهدف الرئيس للتدخل المبكر في تزويد الطفل بالأدوات والاستراتيجيات الأكاديمية التي تساعده على إدارة الصعوبات المرتبطة باضطراب التعلّم بصورة أكثر فاعلية مع تقدمه في العمر، بما يسهم في تعزيز قدرته على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية، ويدعم نجاحه الأكاديمي والمهني مستقبلًا.
دعم الاحتياجات الانفعالية والأكاديمية للطفل (Supporting Your Child’s Emotional and Academic Needs)
قد تؤثر اضطرابات التعلّم في تقدير الطفل لذاته، خاصة إذا ظلت الصعوبات دون تشخيص أو دعم لفترة طويلة. فكثير من الأطفال يشعرون بالإحباط عندما يجدون صعوبة في مجاراة أقرانهم داخل الصف، وقد يظهر ذلك في صورة مشكلات سلوكية داخل المدرسة أو انسحاب من المواقف الاجتماعية، مما يجعل الدعم الانفعالي الذي تقدمه الأسرة أكثر أهمية.
ومن المفيد التحدث مع الطفل عن طبيعة اضطرابه في سن مبكرة، بطريقة تتناسب مع عمره ومستوى فهمه، حتى يتقبل أن طريقة تعلمه قد تختلف عن بعض أقرانه. كما يُنصح بالحفاظ على التواصل مع المدرسة لضمان توفير التسهيلات المناسبة في الاختبارات، والبرامج التعليمية، والخدمات الداعمة التي تلبي احتياجاته التعليمية.
وقد يكون من المناسب أيضًا الاستعانة بالمختصين، أو مجموعات الدعم، أو مختصي الصحة النفسية عند الحاجة. وعندما يصبح الطفل أكثر نضجًا، يمكن تدريبه تدريجيًا على التعبير عن احتياجاته التعليمية والمطالبة بها بطريقة مناسبة، وهي مهارة قد يحتاج إليها في المراحل الدراسية المتقدمة وفي بيئة العمل مستقبلًا.
وفي المنزل، يُستحسن توفير بيئة يشعر فيها الطفل بالارتياح عند طلب المساعدة في الواجبات الدراسية، مع الإشادة بالجهد الذي يبذله أكثر من التركيز على درجاته أو نتائج الاختبارات. فإدراك الطفل منذ وقت مبكر أن قيمته الذاتية لا ترتبط بأدائه الأكاديمي وحده قد يسهم في تعزيز ثقته بنفسه، ويزيد من قدرته على مواجهة التحديات مستقبلًا.
ومن المهم أيضًا مساعدة الطفل على إدراك أن لديه العديد من نقاط القوة إلى جانب الجوانب التي تحتاج إلى دعم، بما يعزز ثقته بقدراته ويشجعه على مواصلة التعلم والتطور.
المرجع:
Do Kids Grow Out of Learning Disorders?
https://childmind.org/article/do-kids-grow-out-of-learning-disorders/





