ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
تُعد العمليات التحفيزية (Motivating Operations – MOs) من المفاهيم الأساسية في تحليل السلوك التطبيقي، إذ تفسر كيف تتغير القيمة التعزيزية للمثيرات تبعًا للظروف البيئية أو الخبرات السابقة، وكيف ينعكس ذلك على احتمالية حدوث السلوك. ويسهم فهم هذه العمليات في تفسير كثير من الاستجابات السلوكية التي قد تبدو متشابهة في ظاهرها، لكنها تختلف في العوامل الوظيفية التي تؤثر فيها. ومن بين هذه العمليات، تبرز العمليات التحفيزية الشرطية (Conditioned Motivating Operations – CMOs) بوصفها عمليات تكتسب خصائصها التحفيزية من خلال التعلم والاقتران بالخبرات السابقة، وليس نتيجة عمليات تحفيزية غير شرطية فطرية.
في مجال تحليل السلوك، تشير العمليات التحفيزية الشرطية (Conditioned Motivating Operations – CMOs) إلى مثيرات أو أحداث اكتسبت خصائصها التحفيزية من خلال التعلم، بحيث تؤثر في القيمة التعزيزية لمثيرات أو معززات أخرى تبعًا للخبرات السابقة. وبعبارة أخرى، تؤثر هذه العمليات في القيمة التعزيزية لبعض المثيرات أو المعززات، وما يترتب على ذلك من تغير في احتمالية السلوك المرتبط بها. وتنقسم العمليات التحفيزية الشرطية إلى ثلاثة أنواع رئيسة هي: العملية التحفيزية الشرطية البديلة (Surrogate CMO – CMO-S)، والعملية التحفيزية الشرطية الانعكاسية (Reflexive CMO – CMO-R)، والعملية التحفيزية الشرطية الانتقالية (Transitive CMO – CMO-T). ويؤدي كل نوع منها دورًا مختلفًا في تعديل السلوك من خلال تغيير القيمة التعزيزية لبعض المثيرات أو المعززات.
العملية التحفيزية الشرطية البديلة (Surrogate CMO – CMO-S)
تشير العملية التحفيزية الشرطية البديلة (Surrogate CMO – CMO-S) إلى مثير كان في الأصل محايدًا، ثم اكتسب خصائص تحفيزية نتيجة اقترانه المتكرر بعملية تحفيزية غير شرطية (Unconditioned Motivating Operation – UMO). وبمرور الوقت، يصبح هذا المثير قادرًا على إحداث الوظيفة التحفيزية نفسها التي تؤديها العملية التحفيزية غير الشرطية التي ارتبط بها.
مثال: المطاعم بوصفها عملية تحفيزية شرطية بديلة للطعام
لنفترض أن شخصًا اعتاد تناول الطعام في المطاعم عندما يشعر بالجوع. ومع تكرار هذا الارتباط، قد يكتسب وجوده داخل المطعم خصائص تحفيزية تزيد من القيمة التعزيزية للطعام، ومن ثم يزداد احتمال السلوك المرتبط بالحصول عليه، حتى وإن لم يكن الشخص يشعر بالجوع قبل دخوله. ففي هذه الحالة، أصبح المطعم يؤدي وظيفة تحفيزية مشابهة لتلك التي يؤديها الجوع نتيجة اقترانه المتكرر بالطعام.
مثال: العطر بوصفه عملية تحفيزية شرطية بديلة للشعور بالطمأنينة
قد يربط الرضيع رائحة عطر والدته بالشعور بالراحة والطمأنينة. وعندما يستخدم الأب العطر نفسه أثناء تهدئة الطفل، قد يستجيب الرضيع بالهدوء كما لو كانت والدته موجودة. وهنا أصبحت رائحة العطر عملية تحفيزية شرطية بديلة (CMO-S) لأنها اكتسبت الخصائص التحفيزية المرتبطة بحضور الأم نتيجة الاقتران المتكرر.
العملية التحفيزية الشرطية الانعكاسية (Reflexive CMO – CMO-R)
تعمل العملية التحفيزية الشرطية الانعكاسية (Reflexive CMO – CMO-R) بوصفها مثيرًا يشير إلى اقتراب نتائج مرغوبة أو منفرة، مما يزيد من احتمال قيام الفرد بسلوك يهدف إلى تجنب المواقف المنفرة أو الوصول إلى النتائج المرغوبة. ويتكون هذا النوع من العمليات عندما يقترن مثير محايد بصورة متكررة بمواقف تسبق حدوث نتائج إيجابية أو سلبية.
مثال: اقتران مثير محايد بصدمة كهربائية
في أحد المواقف التجريبية، قد يقترن ظهور ضوء بشكل متكرر بحدوث صدمة كهربائية. ومع مرور الوقت، يصبح الضوء عملية تحفيزية شرطية انعكاسية (CMO-R) تشير إلى اقتراب حدوث الصدمة. وعند رؤية الضوء، قد يتخذ الفرد إجراءات تقلل من احتمال التعرض للصدمة أو تحد من آثارها، لأن الضوء يزيد من احتمال حدوث سلوك التجنب.
مثال: المدير بوصفه عملية تحفيزية شرطية انعكاسية للهروب
إذا اعتاد المدير الصراخ على أحد الموظفين كلما اقترب من مكتبه، فقد يصبح مجرد سماع خطوات المدير مؤشرًا على اقتراب موقف غير سار. ومع تكرار هذا النمط، قد يختار الموظف مغادرة المكان أو أخذ استراحة قصيرة لتجنب المواجهة. وفي هذه الحالة، أصبح سماع خطوات المدير عملية تحفيزية شرطية انعكاسية (CMO-R) لأنها تزيد من احتمال سلوك الهروب أو التجنب.
العملية التحفيزية الشرطية الانتقالية (Transitive CMO – CMO-T)
تشير العملية التحفيزية الشرطية الانتقالية (Transitive CMO – CMO-T) إلى تغير في الظروف البيئية يجعل مثيرًا آخر أكثر قيمة تعزيزية لأنه أصبح ضروريًا للوصول إلى المعزز. وبذلك، تزيد هذه العملية من احتمال ظهور السلوك الذي يهدف إلى الحصول على ذلك المثير.
مثال: المفتاح والقفل
تخيل خزانة مغلقة تحتوي على طعام. في هذه الحالة، يصبح المفتاح ذا قيمة لأنه الوسيلة اللازمة لفتح الخزانة والوصول إلى الطعام. وعلى الرغم من أن المفتاح قد لا تكون له أهمية في الظروف العادية، فإنه يكتسب قيمة تعزيزية وظيفية عندما يصبح الحصول على الطعام متوقفًا عليه. ولذلك، يزداد احتمال أن يبحث الشخص عن المفتاح ويستخدمه لفتح الخزانة والحصول على الطعام.
أهمية فهم العمليات التحفيزية الشرطية (The Importance of Understanding CMOs)
يمثل فهم العمليات التحفيزية الشرطية (Conditioned Motivating Operations – CMOs) أهمية كبيرة لأخصائيي تحليل السلوك، وللمختصين في التربية الخاصة وعلم النفس والمجالات ذات الصلة؛ إذ تساعد هذه العمليات على تفسير كيفية تأثر السلوك بالمثيرات البيئية والخبرات السابقة، وكيف تتغير القيمة التعزيزية للمثيرات أو المعززات تبعًا للسياق الذي يحدث فيه السلوك.
كما يوضح هذا المفهوم سبب اختلاف استجابات الأفراد للمواقف نفسها باختلاف تاريخهم التعلمي والظروف البيئية المحيطة بهم. فسواء كان السلوك يهدف إلى تجنب موقف منفّر، أو الوصول إلى معزز معين، أو الحصول على أداة تتيح الوصول إلى ذلك المعزز، فإن العمليات التحفيزية الشرطية تسهم في تفسير هذه الأنماط السلوكية في ضوء العلاقة بين التعلم والسياق البيئي الذي يحدث فيه السلوك.
ختامًا
يمثل فهم العمليات التحفيزية الشرطية (Conditioned Motivating Operations – CMOs) جانبًا مهمًا في تفسير العلاقة بين الخبرات السابقة والسلوك الحالي، كما يساعد على فهم الكيفية التي تؤثر بها المثيرات البيئية في القيمة التعزيزية للمعززات واحتمالية حدوث السلوك. ويُسهم التمييز بين أنواع العمليات التحفيزية الشرطية، وفهم خصائص كل منها، في دعم تفسير السلوك بصورة أكثر دقة، واختيار الإجراءات التدخلية المناسبة في ضوء الوظيفة التي يؤديها السلوك والسياق الذي يحدث فيه، بما يعزز دقة التحليل السلوكي وفاعلية التخطيط للتدخلات المبنية على الأدلة.
المرجع:
Conditioned Motivating Operations (CMOs): Understanding Behavioral Triggers in Everyday Life





