ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
تُعد اضطرابات التعلم من أكثر الاضطرابات النمائية التي تؤثر في الأداء الأكاديمي للأطفال، إذ ترتبط بصعوبات نوعية في اكتساب بعض المهارات الأساسية، مثل القراءة، والكتابة، والرياضيات، رغم تمتع الطفل بقدرات عقلية مناسبة وإتاحته فرصًا تعليمية ملائمة. وتختلف هذه الاضطرابات في طبيعتها ومظاهرها، مما يستدعي التعرف إلى خصائص كل منها بدقة لضمان إجراء تقييم شامل يسهم في تحديد الاحتياجات التعليمية ووضع التدخلات المناسبة. ويُعد التمييز بين أنواع اضطرابات التعلّم المختلفة خطوة مهمة لفهم الصعوبات التي قد يواجهها الطفل، والتمييز بينها وبين الاضطرابات الأخرى التي قد تتشابه معها في بعض الخصائص.
ولا يعني تشخيص الطفل باضطراب تعلم أنه أقل ذكاءً من أقرانه أو غير قادر على التعلم. ويساعد التشخيص الدقيق على تحديد طبيعة الصعوبات التعليمية التي يواجهها الطفل، بما يتيح اختيار التدخلات التعليمية المناسبة لدعمه أكاديميًا.
وغالبًا ما تُلاحظ اضطرابات التعلم للمرة الأولى خلال مرحلة رياض الأطفال أو السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية، عندما يواجه الطفل صعوبة في اكتساب مهارات يكتسبها أقرانه بسهولة أكبر. وتختلف العلامات والمؤشرات باختلاف نوع المهارة التي يواجه الطفل صعوبة فيها.
وتندرج عدة اضطرابات تعلم شائعة، مثل عسر القراءة (Dyslexia)، وعسر الحساب (Dyscalculia)، وعسر الكتابة (Dysgraphia)، تحت التشخيص السريري المعروف باسم اضطراب التعلّم المحدد (Specific Learning Disorder)، مع تحديد المجال الأكاديمي الذي تظهر فيه الصعوبة.
وفيما يلي عرض لأبرز أنواع اضطرابات التعلم، إلى جانب أكثر خصائصها شيوعًا.
عسر القراءة (Dyslexia)
يواجه الأطفال ذوو عسر القراءة صعوبة ملحوظة في تعلم القراءة مقارنة بما هو متوقع وفقًا لعمرهم الزمني ومستواهم التعليمي. وغالبًا ما يواجهون صعوبات في قراءة الكلمات الجديدة، وتحليل الكلمات إلى مكوناتها الصوتية، والتعرف إلى الكلمات التي سبق تعلمها، إضافة إلى التهجئة والكتابة.
ويحتاج هؤلاء الأطفال عادةً إلى برامج تعليمية تعتمد على التعليم المنهجي القائم على الصوتيات (Systematic Phonics-Based Instruction)، وهو أسلوب تعليمي منظم يركز على تعليم العلاقة المنهجية بين الحروف وأصواتها بصورة تدريجية.
من مؤشرات عسر القراءة:
صعوبة في التعرف إلى الكلمات المتشابهة في القافية.
صعوبة في الربط بين الأصوات والحروف.
صعوبة في ترتيب الأصوات داخل الكلمة بصورة صحيحة.
تأخر في اكتساب اللغة المنطوقة مقارنة بالأقران.
صعوبة في تذكر الكلمات.
صعوبة في اتباع التعليمات اللفظية.
حذف الكلمات الوظيفية الصغيرة أثناء القراءة، مثل: «الـ»، و«في»، و«و»، أو تكرار قراءتها.
صعوبة في تحليل الكلمات غير المألوفة وقراءتها اعتمادًا على أصوات حروفها.
وعند تشخيص الطفل، يُسجل التشخيص رسميًا على أنه اضطراب التعلم المحدد (Specific Learning Disorder) مع تحديد أن الصعوبة الأساسية تتمثل في القراءة.
عسر الحساب (Dyscalculia)
يعاني الأطفال ذوو عسر الحساب من صعوبة واضحة في تعلم المفاهيم الرياضية وفهمها واستخدامها، بما يشمل العمليات الحسابية الأساسية والمهارات العددية.
من مؤشرات عسر الحساب:
صعوبة في التعرف إلى الأرقام.
تأخر في تعلم العد مقارنة بالأقران.
صعوبة في حل المسائل الحسابية.
ارتكاب أخطاء حسابية بسيطة ومتكررة، مثل زيادة رقم واحد أو إنقاصه عند العد أو الحل.
الخلط بين الرموز الرياضية الأساسية، مثل (+) و(−).
صعوبة في تذكر التعليمات.
صعوبة في استخدام المهارات العددية في الحياة اليومية، مثل تذكر أرقام الهواتف، أو قراءة الوقت، أو عد النقود.
وعند تشخيص الطفل، يُسجل التشخيص رسميًا على أنه اضطراب التعلم المحدد (Specific Learning Disorder) مع تحديد أن الصعوبة الأساسية تتمثل في الرياضيات.
عسر الكتابة (Dysgraphia)
يشير عسر الكتابة إلى مجموعة من الصعوبات التي تؤثر في قدرة الطفل على الكتابة. وقد تنشأ هذه الصعوبات نتيجة ضعف في المهارات الحركية اللازمة للكتابة، أو نتيجة صعوبات في التعبير الكتابي، أو اجتماع الجانبين معًا. فقد يواجه بعض الأطفال صعوبات في الجانب الحركي فقط، بينما يعاني آخرون من صعوبات في تنظيم الأفكار وصياغتها كتابيًا، وقد يجتمع النوعان لدى بعض الأطفال.
من مؤشرات عسر الكتابة:
صعوبة في كتابة الحروف، بما يشمل رسمها، وترك مسافات مناسبة بينها، والمحافظة على تقارب أحجامها.
صعوبة في الإمساك بالقلم.
الإرهاق السريع أو الشعور بالألم أثناء الكتابة.
صعوبة في التهجئة، والقواعد اللغوية، وعلامات الترقيم، وبناء الجمل.
صعوبة في تنظيم الأفكار وصياغتها كتابيًا؛ فقد يمتلك الطفل أفكارًا جيدة، لكنه يجد صعوبة في التعبير عنها في صورة نص مكتوب.
ولا يُعد عسر الكتابة (Dysgraphia) تشخيصًا رسميًا في حد ذاته. فالأطفال الذين تتمثل صعوباتهم في المهارات الحركية اللازمة للكتابة، مثل رسم الحروف، قد يُشخَّصون بـ عسر الأداء (Dyspraxia) أو اضطراب التناسق النمائي (Developmental Coordination Disorder). أما الأطفال الذين تتركز صعوباتهم في مهارات التعبير الكتابي وتنظيم الأفكار، فقد يُشخَّصون بـ اضطراب التعلم المحدد (Specific Learning Disorder) مع تحديد أن الصعوبة الأساسية تتمثل في التعبير الكتابي.
اضطراب التعلم غير اللفظي (Non-Verbal Learning Disorder – NVLD)
يشير اضطراب التعلم غير اللفظي إلى نمط من صعوبات التعلّم يتمثل في ضعف القدرة على تفسير وفهم المعلومات غير اللفظية، مثل لغة الجسد، والمعلومات البصرية المكانية، وغيرها من أشكال التواصل غير اللفظي. ويُشار إليه أحيانًا بالاختصارين NVLD أو NLD. وغالبًا ما يتمتع الأطفال الذين تظهر لديهم هذه الصعوبات بمهارات لغوية لفظية جيدة، إلا أنهم يواجهون تحديات في التفاعل الاجتماعي وفهم الإشارات غير اللفظية.
من مؤشرات اضطراب التعلم غير اللفظي:
صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية غير اللفظية، مثل تعابير الوجه ولغة الجسد.
صعوبة في فهم السخرية.
صعوبة في إدراك مشاعر الآخرين.
صعوبة في تفسير المعلومات البصرية والمكانية.
ضعف في التناسق الحركي.
صعوبة في استيعاب المفاهيم الرياضية المتقدمة.
التحدث أكثر من أقرانهم.
صعوبة في تقسيم المهام أو المشروعات الكبيرة إلى خطوات أصغر يمكن تنفيذها.
ضعف المهارات التنظيمية.
ولا يُعد اضطراب التعلم غير اللفظي (NVLD) اضطرابًا تشخيصيًا مستقلاً في بعض أنظمة التصنيف التشخيصي، كما لا يوجد اتفاق كامل بين المختصين حول اعتباره اضطرابًا مستقلاً. وقد تتشابه خصائصه مع خصائص اضطرابات أخرى، مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder – ADHD) أو اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). كما تختلف هذه الصعوبات من طفل إلى آخر، لذلك يُعد التقييم الشامل خطوة أساسية لتحديد جوانب التعلّم التي تحتاج إلى الدعم.
اضطراب المعالجة السمعية (Auditory Processing Disorder – APD)
يشير اضطراب المعالجة السمعية إلى صعوبة في معالجة المعلومات السمعية وتفسيرها، رغم سلامة حاسة السمع وعدم وجود ضعف سمعي. ويواجه الأطفال الذين لديهم هذا الاضطراب صعوبة في فهم ما يسمعونه، خاصة في البيئات التي تكثر فيها الضوضاء أو المشتتات السمعية.
من مؤشرات اضطراب المعالجة السمعية:
صعوبة في اتباع التعليمات الشفهية.
طلب إعادة المعلومات بصورة متكررة.
صعوبة في التمييز بين الكلمات المتقاربة في النطق، مثل bat وpat، اللتين يختلف نطقهما في الصوت الأول فقط.
ضعف التركيز، خاصة في البيئات الصاخبة.
صعوبة في تذكر الأناشيد أو كلمات الأغاني.
الخلط بين ترتيب الأصوات داخل الكلمات أو ترتيب الأرقام في المتسلسلات، مثل سماع الرقم (48) بدلًا من (84).
صعوبة في متابعة المحادثات.
ولا يُعد اضطراب المعالجة السمعية (APD) اضطرابًا تشخيصيًا مستقلاً في بعض أنظمة التصنيف التشخيصي، كما تتداخل خصائصه مع خصائص اضطرابات أخرى، مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder – ADHD)، واضطرابات التعلّم، واضطرابات اللغة. كما قد يتزامن مع واحد أو أكثر من هذه الاضطرابات لدى بعض الأطفال.
عسر الأداء (Dyspraxia) أو اضطراب التناسق النمائي (Developmental Coordination Disorder – DCD)
عسر الأداء هو اضطراب يؤثر في القدرة على تخطيط الحركات وتنسيقها، فيبدو الطفل أقل توافقًا في أدائه الحركي مقارنة بأقرانه، رغم سلامة العضلات وعدم وجود حالة عصبية تفسر هذه الصعوبات. ويُعرف أيضًا باسم اضطراب التناسق النمائي (Developmental Coordination Disorder – DCD).
وقد تؤثر هذه الصعوبات في المهارات الحركية الدقيقة (Fine Motor Skills)، مثل استخدام المقص أو الملعقة، أو في المهارات الحركية الكبرى (Gross Motor Skills)، مثل التقاط الكرة أو ركوب الدراجة، وقد تشمل النوعين معًا.
من مؤشرات عسر الأداء:
بطء اكتساب المهارات الحركية المبكرة، مثل الحبو، والمشي، واستخدام أدوات تناول الطعام.
صعوبة في المهارات الحركية الدقيقة، مثل الإمساك بالقلم، أو استخدام السحاب، أو إغلاق الأزرار.
صعوبة في الحفاظ على التوازن.
صعوبة في أداء الأنشطة البدنية، مثل الجري والقفز.
التعثر أو السقوط بصورة متكررة.
تجنب الأنشطة التي تتطلب مهارات حركية دقيقة أو تنسيقًا حركيًا، مثل الرسم، أو الكتابة اليدوية، أو ممارسة الرياضة.
ورغم أن عسر الأداء (Dyspraxia)، أو اضطراب التناسق النمائي (Developmental Coordination Disorder)، يُصنف ضمن الاضطرابات الحركية وليس ضمن اضطرابات التعلم، فإن تأثيره قد ينعكس على الأداء الأكاديمي واكتساب بعض المهارات المدرسية.
المرجع:
What Are the Different Kinds of Learning Disorders?
https://childmind.org/article/what-are-the-different-kinds-of-learning-disorders/





