ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
مفهوم تقييم التفضيلات (Understanding Preference Assessments)
بالنسبة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD)، تمثل الدافعية (Motivation) عاملًا أساسيًا في تعلم المهارات الجديدة والانخراط في السلوكيات الإيجابية. ويُعد تقييم التفضيلات (Preference Assessment) أسلوبًا منظمًا يهدف إلى تحديد العناصر أو الأنشطة أو المثيرات التي يفضلها الطفل بدرجة أكبر، بحيث يمكن استخدامها لدعم المشاركة والتفاعل وتعزيز اكتساب المهارات الجديدة.
ونظرًا إلى أن لكل طفل خصائصه واهتماماته الفردية، فإن تحديد ما يجده ممتعًا أو مفضلًا يُعد خطوة أساسية لفهم العوامل التي قد تسهم في تحفيزه على التعلم والمشاركة.
وفي مجال تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA)، تُستخدم تقييمات التفضيلات للمساعدة في اختيار المعززات (Reinforcers) المناسبة. ويُقصد بالمعزز (Reinforcer) أي مثير يؤدي إلى زيادة احتمالية حدوث السلوك مرة أخرى في المستقبل.
ومع ذلك، فإن العناصر المفضلة لا تعمل جميعها بالضرورة كمعززات فعالة. إلا أن التعرف على الأشياء أو الأنشطة التي يستمتع بها الطفل يُعد الخطوة الأولى في تحديد ما يمكن أن يؤدي دورًا تحفيزيًا بالنسبة له (Cooper, Heron, & Heward, 2020).
لماذا تُعد تقييمات التفضيلات مهمة؟ (Why Are Preference Assessments Important?)
غالبًا ما يمتلك الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد تفضيلات واهتمامات خاصة بهم، وقد تتغير هذه التفضيلات بمرور الوقت أو باختلاف البيئات والمواقف المختلفة.
وفي حال عدم توفر طريقة موثوقة لتحديد العناصر أو الأنشطة المفضلة لدى الطفل، فقد يواجه الوالدان أو المختصون صعوبة في تقديم معززات ذات قيمة فعلية بالنسبة له. وعندما لا تكون المعززات المقدمة ذات أهمية أو جاذبية للطفل، فقد ينخفض مستوى المشاركة ويصبح التعلم أقل فاعلية.
ويساعد تقييم التفضيلات الذي يُجرى بصورة منظمة على تحديد العناصر الأكثر فاعلية في دعم السلوكيات الإيجابية وتعزيز المشاركة.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل يُظهر تفضيلًا مرتفعًا للعب بفقاعات الصابون، فقد يسهم تقديم هذا النشاط بعد إكمال مهمة معينة في زيادة دافعية الطفل للمشاركة. وفي المقابل، قد لا يحقق استخدام عنصر أقل تفضيلًا، مثل الملصقات، التأثير نفسه في تشجيع الطفل على التفاعل أو إتمام المهام.
أنواع تقييمات التفضيلات (Types of Preference Assessments)
توجد عدة طرق لإجراء تقييمات التفضيلات، ويعتمد اختيار الطريقة المناسبة على عوامل متعددة، من بينها قدرة الطفل على الاختيار، ومستوى مهارات التواصل لديه، والبيئة التي يُجرى فيها التقييم.
تقييم التفضيلات الحر القائم على الملاحظة (Free Operant Preference Assessment)
يتيح هذا النوع من التقييم للطفل استكشاف مجموعة متنوعة من العناصر أو الأنشطة في بيئة طبيعية دون فرض متطلبات أو توجيهات مباشرة عليه.
ومن خلال ملاحظة العناصر التي يتفاعل معها الطفل أكثر من غيرها أو يقضي معها وقتًا أطول، يمكن الحصول على مؤشرات مهمة حول تفضيلاته.
وتُعد هذه الطريقة مفيدة لأنها لا تتطلب من الطفل اتخاذ اختيارات مباشرة، كما أنها تسمح بملاحظة التفضيلات بصورة أقرب إلى السياقات الطبيعية.
تقييم التفضيلات بالمثيرات المزدوجة (Paired-Stimulus Preference Assessment)
في هذا النوع من التقييم، يُعرض على الطفل عنصران في كل مرة ويُطلب منه الاختيار بينهما.
ومن خلال المقارنات المتكررة والمنظمة بين العناصر المختلفة، يمكن ترتيب العناصر وفق تدرج يبدأ بالأكثر تفضيلًا وينتهي بالأقل تفضيلًا.
وتُعد هذه الطريقة مفيدة بصورة خاصة عند الحاجة إلى بناء تسلسل هرمي واضح للعناصر المفضلة لدى الطفل.
تقييم التفضيلات متعدد المثيرات (Multiple-Stimulus Preference Assessment)
يتضمن هذا الأسلوب عرض عدة عناصر أو أنشطة في الوقت نفسه، مع السماح للطفل باختيار أحدها.
وبعد اختيار أحد العناصر، يُزال من المجموعة ويُطلب من الطفل الاختيار مرة أخرى من العناصر المتبقية.
وتساعد هذه الطريقة على تحديد العناصر الأعلى تفضيلًا بصورة سريعة نسبيًا، إلا أنها تتطلب قدرة الطفل على إجراء عدة اختيارات خلال الجلسة الواحدة.
متى يُنصح باستخدام تقييمات التفضيلات؟ (When Should Preference Assessments Be Used?)
ينبغي إجراء تقييمات التفضيلات (Preference Assessments) بصورة دورية ومنتظمة، وذلك لأن تفضيلات الأطفال ليست ثابتة، وقد تتغير بمرور الوقت.
فالعنصر أو النشاط الذي كان يحظى بدرجة عالية من التفضيل في وقت سابق قد لا يحتفظ بالقيمة التحفيزية نفسها في وقت لاحق. ولذلك، فإن إعادة تقييم التفضيلات بشكل دوري تساعد على ضمان بقاء استراتيجيات التعزيز فعالة وملائمة لاهتمامات الطفل الحالية.
وتُعد تقييمات التفضيلات مفيدة بصورة خاصة قبل البدء في برامج تعليمية جديدة أو تطبيق تدخلات سلوكية مختلفة. فعندما يبدأ الطفل برنامجًا جديدًا في تحليل السلوك التطبيقي (ABA) أو ينتقل إلى بيئة جديدة، يمكن أن يساعد تقييم التفضيلات في تحديد المعززات الأكثر ملاءمة لدعم التعلم والمشاركة.
كما يمكن الاستفادة منها قبل تنفيذ الأنشطة الهادفة إلى تنمية المهارات، مثل برامج التواصل أو التدريب على المهارات الاجتماعية، للمساعدة في تحديد العناصر أو الأنشطة التي قد تزيد من دافعية الطفل للمشاركة والتفاعل.
كيف يمكن للأسر استخدام تقييمات التفضيلات في المنزل؟ (How Families Can Use Preference Assessments at Home)
يمكن للوالدين ومقدمي الرعاية دمج تقييمات التفضيلات بسهولة ضمن الروتين اليومي بهدف فهم ما يفضله الطفل وما قد يشكل مصدرًا للدافعية بالنسبة له بصورة أفضل.
فمجرد ملاحظة الألعاب التي يختارها الطفل باستمرار، أو الأطعمة التي يفضلها، أو الأنشطة التي يختارها أو يسعى إليها بصورة متكررة، يمكن أن يوفر معلومات مهمة حول اهتماماته وتفضيلاته.
كما يمكن تقديم خيارات متعددة للطفل بين ألعاب مختلفة أو وجبات خفيفة متنوعة أو أنشطة متعددة، مع ملاحظة العناصر التي يختارها بصورة متكررة. ويساعد ذلك في تحديد العناصر التي تمثل قيمة تفضيلية مرتفعة بالنسبة له.
ويمكن أيضًا توظيف نتائج تقييمات التفضيلات في تسهيل الأنشطة اليومية. فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل يواجه صعوبة في تقبل تنظيف الأسنان، فقد يساعد ربط هذا النشاط بإتاحة فرصة للمشاركة في نشاط مفضل لديه بعد الانتهاء منه على زيادة احتمالية تعاونه مع النشاط المطلوب.
كما يمكن تطبيق المبدأ نفسه في الأنشطة الأكاديمية، والتفاعلات الاجتماعية، والمهام المنزلية المختلفة.
اعتبارات وحدود تقييمات التفضيلات (Considerations and Limitations)
على الرغم من الفوائد الكبيرة لتقييمات التفضيلات، فمن المهم إدراك أن التفضيل لا يعني بالضرورة أن العنصر سيعمل بوصفه معززًا فعالًا.
وبمجرد استمتاع الطفل بعنصر معين لا يضمن تلقائيًا أن يؤدي هذا العنصر إلى زيادة احتمالية تكرار السلوك المستهدف مستقبلًا.
فالمعزز الحقيقي هو المثير الذي يؤدي فعليًا إلى زيادة احتمالية حدوث السلوك أو استمراره مستقبلًا. لذلك ينبغي على الوالدين والمختصين متابعة أثر العناصر المفضلة والتحقق من فاعليتها في تعزيز السلوكيات المستهدفة.
كما قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في التعبير عن تفضيلاتهم أو اتخاذ القرارات المتعلقة بالاختيار بين البدائل المختلفة.
وفي هذه الحالات، يمكن الاعتماد بصورة أكبر على أساليب التقييم القائمة على الملاحظة المباشرة، أو الاستعانة بوسائل تواصل بديلة، مثل:
تبادل الصور للتواصل (Picture Exchange).
التواصل المعزز والبديل (Augmentative and Alternative Communication – AAC).
التقنيات والأدوات المساعدة على التواصل.
ويمكن أن تسهم هذه الوسائل في توفير صورة أكثر دقة حول تفضيلات الطفل واهتماماته.
وأخيرًا
يُعد تقييم التفضيلات (Preference Assessment) أداة مهمة لفهم العوامل التي تحفز الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، والاستفادة من هذه المعلومات في دعم التعلم واختيار معززات مناسبة للسلوكيات المستهدفة.
فمن خلال تحديد العناصر والأنشطة المفضلة لدى الطفل، يستطيع الوالدان والمختصون اختيار معززات أكثر ملاءمة وفاعلية لدعم المشاركة واكتساب المهارات.
كما أن إجراء تقييمات التفضيلات بصورة دورية يساعد على ضمان بقاء استراتيجيات التعزيز مناسبة لاهتمامات الطفل المتغيرة، مما يدعم استمرار المشاركة والتعلم بصورة أكثر فاعلية.
وتسهم الاستفادة من تقييمات التفضيلات في البيئات المنزلية والتعليمية والعلاجية في بناء خبرات تعلم أكثر توافقًا مع اهتمامات الطفل واحتياجاته الفردية، بما يدعم المشاركة والتعلم واكتساب المهارات المختلفة بصورة أكثر فاعلية.
المرجع:
What is a Preference Assessment and Why Does It Matter?
https://www.daytasticaba.com/what-is-a-preference-assessment-and-why-does-it-matter





