ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى عدم وجود أي ارتباط موثوق بين اللقاحات واضطراب طيف التوحد. ويشرح المختصون السريريون الفهم العلمي الحالي لاضطراب طيف التوحد والعوامل المحتملة المرتبطة بظهوره.
قد يسمع بعض الأفراد مزاعم تفيد بأن اللقاحات تسبب اضطراب طيف التوحد. إلا أن أكثر من عشرين دراسة علمية محكمة وعالية الجودة لم تجد أي دليل يدعم هذا الادعاء. ومع ذلك، لا تزال هذه الفكرة متداولة، الأمر الذي قد يثير القلق لدى الأسر التي تحاول اتخاذ قرارات صحية مناسبة لأطفالها. ولذلك، تم الاستعانة بعدد من المختصين السريريين المتخصصين في اضطراب طيف التوحد لفهم أصل هذه الادعاءات، وأسباب استمرارها، وما توصلت إليه الأبحاث العلمية الحالية بشأن الأسباب المحتملة لاضطراب طيف التوحد.
ما هو اضطراب طيف التوحد؟
يُعد اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder [ASD]) اضطرابًا نمائياً عصبيًا، أي أنه يؤثر في نمو الدماغ وتطوره. ويتميز هذا الاضطراب بصعوبات في مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، وهو ما يعني تأثر قدرة الطفل على المشاركة في المحادثات، وتكوين الصداقات، وفهم الإشارات الاجتماعية.
كما يظهر لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد أنماط سلوكية واهتمامات مقيدة ومتكررة، وقد تشمل هذه السلوكيات الحركات التكرارية أو الاستخدام المتكرر للأشياء، مثل رفرفة اليدين، أو ترتيب السيارات اللعبة في صفوف، أو فرز أقلام التلوين حسب اللون. وقد تشمل أيضًا اهتمامات شديدة ومحددة بموضوعات معينة مثل الرياضة، أو أنظمة النقل، أو الأرقام، أو الأنمي (Anime)، أو الماء.
وتشير الأبحاث إلى أن اضطراب طيف التوحد قد يكون موجودًا لدى الطفل قبل الولادة، رغم أن سماته لا تظهر بصورة واضحة غالبًا قبل مرحلة الطفولة المبكرة. كما يمكن تشخيص الأفراد باضطراب طيف التوحد في أي عمر. وقد يكون السبب في تأخر التشخيص أن السمات كانت أقل وضوحًا في المراحل العمرية المبكرة، أو أن الفرد لم يكن قد استوفى جميع المعايير التشخيصية بعد، أو أن الحالة لم تُلاحظ سابقًا. ويظهر الأفراد ذوو اضطراب طيف التوحد نطاقًا واسعًا من المهارات الاجتماعية والأنماط السلوكية، ولهذا يُستخدم مصطلح “الطيف”.
وتوضح سينثيا مارتن (Cynthia Martin, PsyD)، وهي أخصائية نفسية إكلينيكية متخصصة في العمل مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، أن مظاهر اضطراب طيف التوحد تختلف بصورة كبيرة من شخص إلى آخر، لدرجة أنه قد يكون من الأدق الحديث عن “أنماط متعددة من التوحد” بدلًا من التعامل معه بوصفه حالة واحدة متجانسة.
ولكي يُشخَّص الطفل باضطراب طيف التوحد، يجب أن تؤثر صعوبات التواصل الاجتماعي والأنماط السلوكية المتكررة أو المقيدة في الأداء اليومي بصورة تستدعي نوعًا من الدعم أو التدخل. وقد يعني الدعم لبعض الأطفال توفير تكييفات تعليمية داخل المدرسة أو حضور جلسات علاجية عدة مرات أسبوعيًا، بينما قد يحتاج آخرون إلى دعم مستمر في مهارات العناية الذاتية الأساسية.
هل تسبب اللقاحات اضطراب طيف التوحد؟
الإجابة هي: لا.
فعلى الرغم من نشر أكثر من عشرين دراسة بحثية تناولت هذا الادعاء بصورة مباشرة، لا يزال لا يوجد أي دليل علمي مقبول يثبت أن اللقاحات تسبب اضطراب طيف التوحد. ومع ذلك، من المهم فهم أصل هذه الفكرة، ولماذا ارتبطت الشكوك — على وجه الخصوص — بلقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR).
ما هو لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)؟
لقاح (MMR) هو لقاح مركب يوفر مناعة ضد ثلاثة أمراض خطيرة قد تهدد الحياة، وهي: الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية. وقد تم تطويره عام 1971.
وقبل توفر هذا اللقاح، كان معظم الأطفال يُصابون بالحصبة قبل سن الخامسة عشرة. وكان المرض يؤدي إلى وفاة طفل أو طفلين من كل ألف طفل مصاب، كما لم يكن هناك علاج نوعي له. أما التعرض للحصبة الألمانية أثناء الحمل فقد يؤدي إلى الإجهاض، أو وفاة الجنين، أو حدوث تشوهات خلقية خطيرة. في حين أن مرض النكاف أقل فتكًا، إلا أنه قد يسبب تورمًا حول الدماغ ومضاعفات دائمة مثل فقدان السمع.
ويحمي لقاح (MMR) الأفراد من الإصابة بهذه الأمراض، كما يسهم في حماية المجتمع بصورة عامة. فمرض الحصبة، على سبيل المثال، يتميز بمعدل عدوى مرتفع للغاية يصل إلى 90%. وحتى وجود عدد محدود من الأشخاص غير المحصنين قد يؤدي إلى تفشي المرض داخل المجتمع. وتبلغ فعالية جرعتين من لقاح (MMR) نحو 97% في الوقاية من الحصبة، بينما تبلغ فعالية الجرعة الواحدة حوالي 93%.
وقد أدى انخفاض معدلات التحصين — نتيجة امتناع بعض الأسر عن تطعيم أطفالها — إلى ارتفاع حالات الإصابة بالحصبة عالميًا بنسبة 20% بين عامي 2022 و2023.
تقرير ويكفيلد وبداية الشكوك حول لقاح (MMR)
في عام 1998، نشر الطبيب أندرو ويكفيلد (Andrew Wakefield) مقالًا في مجلة “ذا لانسيت” (The Lancet)، وهي مجلة طبية معروفة. وادعى في مقاله وجود أدلة تشير إلى أن لقاح (MMR) قد يسبب ظهور أعراض مرتبطة باضطراب طيف التوحد لدى الأطفال.
إلا أن الدراسة كانت تعاني من مشكلات علمية ومنهجية خطيرة. فقد أظهرت التحقيقات اللاحقة أن ويكفيلد قام بالتلاعب بالبيانات، بل وتزوير بعضها، إضافة إلى ارتكابه مخالفات أخلاقية جسيمة، وهو ما أقرت به المجلة لاحقًا.
واعتمد تقرير ويكفيلد على تقارير حالة تخص 12 طفلًا فقط. وتُعد هذه النقطة مهمة لسببين رئيسيين:
الدراسات العلمية الموثوقة تحتاج إلى أعداد أكبر بكثير من المشاركين لإثبات الدلالة العلمية وتمثيل المجتمع بصورة مناسبة.
تقارير الحالة لا تُعد دراسات علمية قائمة بذاتها، وإنما تُستخدم لوصف التاريخ الطبي لحالات فردية. وقد تساعد في جمع البيانات أو لفت الانتباه إلى موضوع يحتاج إلى مزيد من البحث، لكنها لا تكفي لإثبات علاقة سببية.
وفي عام 2010، أدان المجلس الطبي العام البريطاني (General Medical Council [GMC]) ويكفيلد بارتكاب ثلاثين مخالفة مهنية. وأشار المجلس إلى «التجاهل القاسي» الذي أبداه تجاه الأطفال المشاركين في التقرير، بالإضافة إلى تحريفه لأعراضهم الطبية. كما أشار التحقيق إلى أن جزءًا من تمويل الدراسة جاء من محامين كانوا يسعون إلى مقاضاة شركات تصنيع اللقاحات.
وعقب ذلك، قامت مجلة “ذا لانسيت” بسحب المقال رسميًا، كما تم سحب الترخيص الطبي من ويكفيلد.
وفي الوقت نفسه، قام باحثون آخرون باختبار ادعاءاته من خلال عشرات الدراسات العلمية، بما في ذلك دراستان واسعتان شملتا جميع الأطفال المولودين في الدنمارك خلال فترة امتدت ثلاثين عامًا. ولم تجد أي من هذه الدراسات أي ارتباط بين لقاح (MMR) واضطراب طيف التوحد.
لماذا استمرت الشكوك المرتبطة بلقاح (MMR)؟
حظي تقرير ويكفيلد بتغطية إعلامية واسعة، مما أدى إلى ترسيخ الربط بين اللقاحات واضطراب طيف التوحد في الوعي العام. كما بدا هذا الربط منطقيًا لبعض الأفراد بسبب التزامن الزمني بين ظهور بعض سمات اضطراب طيف التوحد والحصول على اللقاح.
فعادةً ما تبدأ ملامح اضطراب طيف التوحد بالظهور بين عمر الولادة وسنتين، وهي المرحلة نفسها التي يراقب فيها الوالدان والأطباء تطور مهارات التواصل الاجتماعي لدى الطفل، مثل التواصل البصري، واستخدام الإشارات، والاستجابة للاسم. كما أنها الفترة العمرية التي يُوصى خلالها بإعطاء الجرعة الأولى من لقاح (MMR).
وتوضح الدكتورة مارتن — وهي أيضًا والدة — هذه الفكرة بقولها:
«إذا رأى الوالدان حدثين متقاربين زمنيًا لدى الطفل، فمن الطبيعي أن يعتقدا بوجود علاقة بينهما.»
إلا أن ما يلاحظه الوالدان في هذه الحالات يُعد علاقة ارتباطية، وليس علاقة سببية مباشرة. فحدوث أمرين في الوقت نفسه لا يعني بالضرورة أن أحدهما تسبب في حدوث الآخر.
ماذا عن مكونات اللقاحات؟
لا توجد أسباب علمية تدعو للقلق بشأن مكونات اللقاحات.
وقد ركز بعض المعارضين للقاحات على مادة حافظة تحتوي على الزئبق تُعرف باسم الثيميروسال (Thimerosal). وفي عام 1999، طلبت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (Food and Drug Administration [FDA]) من الشركات إزالة هذه المادة من اللقاحات كإجراء احترازي، رغم عدم وجود أدلة على ضررها. ومنذ ذلك الحين، أظهرت عشرات الدراسات العلمية أنها آمنة.
وفي عام 2000، ادعت بعض مجموعات أولياء الأمور أن مادة الثيميروسال تسبب اضطراب طيف التوحد. ونتيجة لذلك، أجرى الباحثون عشرات الدراسات وفحصوا بيانات تمتد لعقود وفي عدة دول، إلا أنهم لم يجدوا أي علاقة بين اللقاحات أو الثيميروسال أو الزئبق واضطراب طيف التوحد.
ومن المهم التوضيح أن مادة الثيميروسال تحتوي على كمية صغيرة وآمنة من النوع نفسه الموجود طبيعيًا في بعض الأسماك، وبمستوى يقارب الكمية الموجودة في علبة تونة صغيرة، والأهم من ذلك أن لقاح (MMR) لم يحتوي أصلًا على مادة الثيميروسال.
ما الأسباب المحتملة لاضطراب طيف التوحد؟
لا يزال السبب الدقيق لاضطراب طيف التوحد غير معروف بصورة كاملة حتى الآن، إلا أن الأبحاث العلمية قدمت فهمًا أوسع للعوامل المرتبطة به.
لمحة تاريخية عن اضطراب طيف التوحد
تم التعرف على اضطراب طيف التوحد لأول مرة خلال أربعينيات القرن العشرين، لكنه لم يُدرج كتشخيص رسمي إلا عام 1980 عند ظهوره في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-3).
وفي عام 1987، تم توسيع معايير التشخيص، ثم استمرت التعديلات في الإصدارات اللاحقة. أما النسخة الأحدث (DSM-5)، فقد أصبحت تضم تحت مظلة اضطراب طيف التوحد بعض الاضطرابات التي كانت تُصنف سابقًا بصورة منفصلة، مثل متلازمة أسبرجر.
وفي عام 2000، كان معدل تشخيص اضطراب طيف التوحد في الولايات المتحدة طفلًا واحدًا من كل 150 طفلًا. أما في عام 2025، فقد أشار تقرير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن المعدل أصبح طفلًا واحدًا من كل 31 طفلًا.
ويرى المختصون أن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة زيادة فعلية في حدوث الاضطراب، بل يعكس تحسن الوعي، واتساع معايير التشخيص، وزيادة القدرة على التعرف على السمات في أعمار مختلفة، إضافة إلى حصول الأطفال على التقييمات والخدمات بصورة أكبر من السابق.
العوامل الجينية والبيئية المحتملة
مع تطور فهم اضطراب طيف التوحد، تطورت أيضًا الأبحاث الجينية المتعلقة بأسبابه. وتشير الدكتورة أدريانا دي مارتينو (Adriana Di Martino, MD)، المديرة البحثية المؤسسة لمركز التوحد في معهد تشايلد مايند (Child Mind Institute)، إلى أن عدد الجينات المعروفة المرتبطة باضطراب طيف التوحد كان محدودًا في السابق، بينما تمكن الباحثون اليوم من تحديد أكثر من مئة جين مرتبط به، مما يشير إلى تعدد العوامل والمسارات المرتبطة بتطور الاضطراب.
ويُعتقد أن اضطراب طيف التوحد ينشأ نتيجة تفاعل معقد بين عوامل تؤثر في نمو الدماغ المبكر، وتشمل هذه العوامل:
العوامل الجينية والوراثية.
الطفرات النادرة.
التغيرات الجينية متعددة العوامل.
بعض العوامل البيئية وما قبل الولادة.
كما ترتبط بعض العوامل بزيادة احتمالية ظهور اضطراب طيف التوحد، ومنها:
تقدم عمر الوالدين، خصوصًا عمر الأب.
إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل.
التعرض لبعض السموم البيئية.
بعض الاضطرابات الأيضية أثناء الحمل.
مضاعفات الولادة.
أهمية الوعي والتدخل المبكر
يشدد المختصون على أهمية الوعي باضطراب طيف التوحد، والتثقيف، والتدخل المبكر. فكلما تم تشخيص الطفل في وقت مبكر، أمكن البدء بتقديم الدعم والخدمات المناسبة بصورة أسرع.
وتوضح الدكتورة مارتن أهمية ذلك بقولها:
«ينبغي أن يحصل الأطفال على التقييم بمجرد أن تصبح سمات اضطراب طيف التوحد قابلة للملاحظة، مع ضرورة تقديم تدخلات فردية مصممة بما يتناسب مع احتياجات كل طفل وظروفه، بهدف دعمه وتحسين جودة حياته إلى أقصى حد ممكن.»
المرجع:
Vaccines and Autism: A Clinical Perspective
https://childmind.org/article/vaccines-and-autism-a-clinical-perspective/





