الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التدريب على التواصل الوظيفي (FCT) لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) هي مجموعة من الاضطرابات النمائية التي تتسم بوجود قصور في المهارات الاجتماعية، والكلام، والتواصل غير اللفظي. وعلى الرغم من هذه التحديات، يمتلك العديد من الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد نقاط قوة وقدرات فريدة.

ويُعتبر اضطراب طيف التوحد اضطرابًا طيفيًا، أي أنه يشمل نطاقًا واسعًا من التحديات ونقاط القوة التي تختلف من فرد لآخر. وقد أشارت الدراسات إلى أن مجموعة من العوامل الوراثية والبيئية تسهم في حدوث اضطراب طيف التوحد.

وبالإضافة إلى السلوكيات التكرارية، يواجه الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد صعوبات كبيرة في التواصل. وغالبًا ما يعبرون عن احتياجاتهم أو مشاعرهم من خلال سلوكيات صعبة أو غير ملائمة، أو قد تحدث لديهم انهيارات تواصلية نتيجة عدم قدرتهم على التعبير عن أنفسهم بشكل فعال، مما يؤدي إلى شعور بالإحباط لدى الطفل ووالديه والأشخاص المحيطين به.

لا يوجد علاج شافٍ دائم لاضطراب طيف التوحد، إلا أن هناك العديد من أنواع التدخلات العلاجية التي تهدف إلى مساعدة الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد والتخفيف من حدة الأعراض. ويُوصى بالبدء في التدخل العلاجي في أقرب وقت ممكن عند الاشتباه بوجود اضطراب طيف التوحد، دون انتظار اكتمال التشخيص، نظرًا لاختلاف تأثير الاضطراب من شخص لآخر، مما يستدعي تصميم تدخلات فردية مناسبة لكل حالة.

فروع علم تحليل السلوك المرتبطة باضطراب طيف التوحد

ترتكز التدخلات السلوكية المستخدمة مع الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد على ثلاثة فروع رئيسية من علم تحليل السلوك، وهي:

ويُعد تحليل السلوك التطبيقي (ABA) من أكثر الأساليب العلاجية استخدامًا مع الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث يستند إلى أدلة علمية أثبتت فعاليته في تحسين مهارات التواصل وتعزيز السلوكيات الإيجابية. ويعتمد هذا الأسلوب على مجموعة متنوعة من التدخلات، وتقنيات التعزيز الإيجابي، والمكافآت، والعواقب السلوكية.

التدريب على التواصل الوظيفي (FCT)

تُعد صعوبات التواصل والتفاعل الاجتماعي من أبرز التحديات التي يواجهها الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد، وقد يؤدي ذلك إلى تراكم مشاعر الإحباط والغضب، والتي قد تتطور لاحقًا إلى القلق أو الاكتئاب.

ويُعد التدريب على التواصل الوظيفي (Functional Communication Training – FCT) تدخلًا علاجيًا فعالًا يهدف إلى استبدال السلوكيات المتداخلة أو المعيقة، مثل السلوكيات التخريبية، أو التكرارية، أو أشكال التواصل الضمنية غير الواضحة  بوسائل تواصل أكثر فاعلية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد. ويستند هذا الأسلوب بشكل أساسي إلى مبادئ تحليل السلوك التطبيقي (ABA).

يساعد التدريب على التواصل الوظيفي في تحديد الغرض أو الوظيفة التي يؤديها السلوك المتداخل، ثم تعليم الفرد ذي اضطراب طيف التوحد وسيلة تواصل بديلة تحقق له نفس الوظيفة بطريقة أكثر قبولًا وفعالية.

خطوات تطبيق التدريب على التواصل الوظيفي (FCT)

عند تطبيق التدريب على التواصل الوظيفي، يقوم المعلم أو الأخصائي باتباع مجموعة من الخطوات المنظمة، تشمل ما يلي:

1. تحديد السلوك المتداخل

في الخطوة الأولى، يقوم الممارسون بما يلي:

  • تحديد السلوك غير المناسب الذي يؤدي وظيفة تواصلية.

  • التعرف على شكل من أشكال التواصل الضمني أو غير الواضح، والعمل على استبداله بشكل تواصل أكثر تقليدية.

يقوم الممارسون، مثل أخصائيي النطق أو اللغة، بتحديد السلوك المتداخل. وقد تكون هذه السلوكيات المتداخلة سلوكيات تكرارية، أو تخريبية، أو إيذائية للذات، أو أشكالًا ضمنية من التواصل. وتستمر هذه السلوكيات في الظهور لأنها غالبًا ما يتم تعزيزها دون قصد.

2. إجراء التقييم الوظيفي للسلوك (Functional Behavioral Assessment – FBA)

بعد تحديد السلوك المتداخل، يطبق الممارس استراتيجيات منهجية للكشف عن الوظيفة الكامنة وراء هذا السلوك. ويساعد التقييم الوظيفي للسلوك في التخطيط لتدخل فعال.

يقوم التقييم الوظيفي للسلوك بوصف السلوك المتداخل وتحديد الأحداث اللاحقة التي تتحكم في استمراره. ولتنفيذ تقييم وظيفي عالي الجودة، يستخدم الممارسون ما يلي:

  • أساليب التقييم غير المباشر، من خلال المقابلات، ومراجعة السجلات، والاستبيانات.

  • أساليب التقييم المباشر، وذلك من خلال صياغة فرضية حول وظيفة السلوك المتداخل، بهدف تحديد الأسباب التي تؤدي إلى تعزيز هذا السلوك.

يوفر التقييم الوظيفي للسلوك فهمًا واضحًا للممارسين حول الأسباب التي تدفع الفرد ذي اضطراب طيف التوحد إلى الانخراط في السلوك المتداخل.

ولغرض تحديد وظيفة السلوك المتداخل، يشمل التقييم الوظيفي ما يلي:

  • الحصول على الانتباه

  • الهروب من موقف معين

  • الوصول إلى شيء مرغوب

  • الحصول على مدخلات حسية (مثل رفرفة اليدين أثناء حصة اللغة)

كما توفر البيانات معلومات بالغة الأهمية للتخطيط لتدخلات فعالة، مثل:

  • المثيرات السابقة للسلوك (أسباب حدوث السلوك)

  • العواقب، أي ما يحدث بعد السلوك ويسهم في تكراره

  • البيئات التي يحدث فيها السلوك المتداخل

  • الأشخاص المرتبطين بحدوث السلوك المتداخل

  • شدة السلوك المتداخل وتكراره

3. تحديد السلوك البديل للسلوك المتداخل

بعد تحديد الوظيفة الكامنة وراء السلوك، يقوم الممارسون بتحديد سلوك بديل.
يؤدي السلوك البديل نفس الوظيفة التي يؤديها السلوك المتداخل، ويعمل كبديل له. وبمساعدة السلوك البديل، يستطيع الفرد ذو اضطراب طيف التوحد الحصول على ما يريد بسهولة أكبر مقارنة بالسلوك المتداخل. كما يحصل الفرد ذو اضطراب طيف التوحد على المعزز أو الحافز عند استخدام السلوك البديل بدلاً من السلوك المتداخل.

يقوم الممارسون باختيار شكل مناسب من أشكال التواصل، مثل: التعبير اللفظي، الإيماءات، الصور، الغناء، أجهزة توليد الكلام

بعد ذلك، يختار الممارس سلوكًا بديلاً فعالًا، بحيث يكون بسيطًا، وسهل الاكتساب، ويسمح بالحصول على التعزيز بسهولة.
ويتم تحديد سلوك بديل يكون مقبولًا اجتماعيًا ومناسبًا للفرد.

4. تصميم وتنفيذ إجراءات جمع البيانات

في الخطوة الرابعة، يقوم الممارسون بتصميم إجراءات لجمع بيانات تكون وظيفية، وذات معنى، ومفيدة. وتساعد هذه البيانات في متابعة تقدم الفرد ذي اضطراب طيف التوحد وتحديد مدى فاعلية التدريب على التواصل الوظيفي. كما تساعد في تحديد طرق تعديل التدخلات في حال كان الفرد يستخدم السلوك المتداخل بمعدل أعلى من استخدام السلوك البديل.

يمكن جمع البيانات قبل تطبيق التدريب على التواصل الوظيفي أو أثناء عملية التقييم الوظيفي للسلوك. وتساعد البيانات في مراقبة فاعلية التدريب على التواصل الوظيفي، وتركز على ما يلي:

  • المثيرات السابقة

  • التلقينات اللازمة لإنتاج السلوك البديل

  • تحديد معدل تكرار السلوكيات البديلة

  • تحديد معدل تكرار السلوكيات المتداخلة المستهدفة

  • ملاحظة العواقب المترتبة على السلوك

كما يتيح جمع البيانات للممارسين تحديد ما إذا كان السلوك البديل يسهم في تقليل حدوث السلوك المتداخل، ويساعد في متابعة مستوى التلقين اللازم لاستخدام السلوك البديل. وتوجه البيانات الممارسين فيما إذا كانت بعض جوانب التدريب على التواصل الوظيفي بحاجة إلى تعديل لتحقيق نتائج فعالة.

وقد يحتاج التدريب على التواصل الوظيفي إلى تعديل إذا كان الفرد ذو اضطراب طيف التوحد:

  • يستمر في استخدام السلوك المتداخل بدلاً من اختيار السلوك البديل

  • يحتاج إلى تلقينات لاستخدام السلوك البديل

  • يجد صعوبة في استخدام السلوك البديل

5. تهيئة البيئة لاستثارة السلوك المتداخل

يقوم الممارسون بتغيير المواد أو الأنشطة بهدف استثارة السلوك المتداخل لدى الفرد ذي اضطراب طيف التوحد، مما يوفر فرصًا للفرد لممارسة السلوكيات البديلة بدلاً من السلوكيات المتداخلة.

كما يقوم الممارسون بتعليم ومساعدة الفرد على ممارسة السلوك البديل في البيئات التي يحدث فيها السلوك المتداخل، ويوفرون فرصًا متكررة للمتعلم لممارسة السلوك البديل.

6. التخطيط لفرص ممارسة السلوكيات البديلة

يُعد التخطيط لفرص تعميم المهارات عنصرًا أساسيًا في التدريب على التواصل الوظيفي، حيث يساعد الفرد ذي اضطراب طيف التوحد على ممارسة السلوكيات البديلة مع أشخاص متعددين وفي مواقف مختلفة.

ويُعد إشراك عدد من الأشخاص عاملًا مهمًا في تعميم السلوكيات البديلة، إذ يساعد الفرد ذي اضطراب طيف التوحد على التعود على التفاعل مع أشخاص مختلفين.

كما يخطط الممارس لتعليم السلوكيات البديلة في بيئات متعددة، مثل المدرسة، أو المنزل، أو موقع العمل، أو مراكز الرعاية. وتشجع البرامج المنزلية والبيئية على اتخاذ القرار وتدعم نجاح برنامج التدريب على التواصل الوظيفي، مما يسهم في تعميم المهارات.

ويقوم المعلمون أو الممارسون بتدريب الشركاء التواصليين، مثل الوالدين والأقران، على الاستجابة لاستخدام السلوك البديل من قبل الفرد ذي اضطراب طيف التوحد، مع ضرورة تقديم التعزيز بسرعة وبشكل متسق.

كما يقوم الممارسون بتعليم مفردات متنوعة للوظائف اليومية بما يتناسب مع المستوى النمائي للمتعلم، مع التأكد من أن الكلمات المختارة للتعليم تُعد معززة للفرد ذي اضطراب طيف التوحد.

7. تلقين المتعلمين لاستخدام السلوك البديل

لمساعدة الفرد ذي اضطراب طيف التوحد على استخدام السلوك البديل، يستخدم الممارسون إجراءات التلقين عند الحاجة. وتختلف التلقينات المستخدمة تبعًا لقدرات المتعلم ذي اضطراب طيف التوحد.

يبدأ الممارس بتقديم تلقين يضمن التعلم الخالي من الأخطاء للسلوك البديل، بحيث يضمن استخدام السلوك البديل. وتركز جميع إجراءات التلقين على توفير تعليم وتعلم خاليين من الأخطاء. ولتحقيق ذلك، قد يستخدم الممارس مستوى أعلى من التلقين، بما يضمن أن ينتج المتعلم السلوك البديل بدلاً من السلوك المتداخل.

ويعتمد المستوى المناسب للتلقين على خصائص المتعلم، حيث يستطيع بعض الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد استخدام السلوك البديل من خلال تلقينات بسيطة أو خفيفة.

8. عدم تعزيز السلوك المتداخل

عندما يستخدم المتعلمون ذوو اضطراب طيف التوحد أشكالًا ضمنية من التواصل أو سلوكيات خطرة، يقوم الممارسون بتغيير استجاباتهم، بحيث لا يتم تعزيز السلوك المتداخل، بهدف تقليل فاعليته.

وفي حال انخراط الفرد ذي اضطراب طيف التوحد في سلوكيات خطرة قد تُعرضه أو الآخرين للأذى، يتدخل الممارسون لحماية جميع الأطراف المعنية.

ويعمل الممارسون على جعل السلوك المتداخل أقل كفاءة في تحقيق التواصل مقارنة بالسلوك البديل، من خلال تلقين الفرد ذي اضطراب طيف التوحد لاستخدام السلوك البديل وتقديم التعزيز له.
كما أن تأخير التعزيز يجعل أشكال التواصل الضمنية أقل كفاءة من السلوك البديل.

9. تقديم التعزيز

يُعد تقديم التعزيز بسرعة وبشكل منتظم استجابة لاستخدام السلوك البديل أمرًا بالغ الأهمية. فإذا لم يحصل الفرد ذو اضطراب طيف التوحد على المعزز فورًا، فإن السلوك المتداخل لن ينخفض، ولن يستخدم المتعلم السلوك البديل.

10. تقليل استخدام التلقينات تدريجيًا

تتضمن الخطوة التالية تقليل استخدام التلقينات تدريجيًا. ويعمل الممارسون على خفض الاعتماد على التلقينات بهدف تمكين الفرد ذي اضطراب طيف التوحد الذي يتعلم من خلال التدريب على التواصل الوظيفي من استخدام السلوكيات البديلة بشكل أكثر استقلالية. ويتم تقليل التلقينات تدريجيًا باستخدام البيانات وأساليب التأخير الزمني.

تُقدم التلقينات في المراحل المبكرة من عملية التدريب، ثم يتم تقليلها تدريجيًا واستبدالها بتلقينات أقل تدخلًا. ويساعد التأخير الزمني في تحديد نوع التلقينات التي يحتاجها الفرد ذو اضطراب طيف التوحد أثناء تطبيق التدريب على التواصل الوظيفي. فعند تقديم تلقين أقل تدخلًا، ينتظر الممارس مدة كافية للسماح بحدوث الاستجابة. أما عند تقديم تلقينات أكثر تدخلًا، فيتدخل الممارس إذا بدا أن المتعلم ذو اضطراب طيف التوحد قد ينتج سلوكًا متداخلًا بدلاً من السلوك البديل. وتختلف المدة الزمنية المناسبة من متعلم لآخر.

11. زيادة الفترة الزمنية بين السلوك البديل والتعزيز

يقوم الممارسون بزيادة الفترة الزمنية بين السلوك البديل والتعزيز بشكل تدريجي، إذ لا يُعد من المناسب تقديم التعزيز فور كل طلب بشكل دائم.

ويحدد الممارسون وأعضاء الفريق فترة زمنية معقولة بين إنتاج السلوك البديل وتقديم التعزيز، ثم يتم زيادة هذه الفترة تدريجيًا.

كما يزيد الممارس لاحقًا المسافة بين الفرد ذي اضطراب طيف التوحد المشارك في التدريب على التواصل الوظيفي والشركاء التواصليين. ويهدف ذلك إلى تمكين المتعلمين من البحث عن الشريك التواصلي قبل استخدام السلوك البديل، حيث قد يكون الشريك التواصلي والمتعلم في الغرفة نفسها أو في قاعة واحدة ولكن على مسافة.

  1. متابعة التقدم

يقوم ممارس التدريب على التواصل الوظيفي بجمع جميع البيانات المتعلقة باستخدام المتعلم للسلوك البديل. وتساعد هذه البيانات في قياس مستوى التقدم وتحديد إجراءات التلقين والتعزيز التي يحتاجها الفرد ذو اضطراب طيف التوحد.

كما تساعد البيانات في ملاحظة كيفية استخدام المتعلم للسلوك البديل في البيئات المختلفة، وتوجه نوع وشدة التلقينات اللازمة لاستخدام السلوك البديل بشكل صحيح. بالإضافة إلى ذلك، يستخدم الممارسون البيانات لتحديد ما إذا كان الاستخدام المستقل للمهارات قد تعمم عبر جميع المواقف والبيئات ومع جميع الشركاء التواصليين.

وأخيرًا

إن عدم القدرة على التواصل للتعبير عن الاحتياجات والرغبات يؤدي في كثير من الأحيان إلى ظهور سلوكيات غير مناسبة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، نتيجة الإحباط والقلق. ويُعد التدريب على التواصل الوظيفي (FCT) تدخلًا سلوكيًا فعالًا يزود الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد بوسائل بديلة للتواصل، مما يسهم في التخفيف من قدر كبير من الإحباط الناتج عن صعوبات التواصل.

كما يساعد التدريب على التواصل الوظيفي في تزويد الفرد ذي اضطراب طيف التوحد بطريقة مختلفة للتواصل بهدف الحد من المشكلات السلوكية. ويُعد التدريب على التواصل الوظيفي حلًا مدعومًا بالأدلة العلمية لاستبدال السلوكيات المتداخلة وتعليم مهارات تواصل جديدة. وعلى الرغم من أن نتائجه لا تظهر بشكل فوري، إلا أن تطبيقه بالشكل الصحيح يؤدي إلى نتائج إيجابية ومشجعة.

المراجع:

Functional Communication Training (FCT) in Autism  https://www.ahappyfam.com/functional-communication-training-fct-in-autism/