ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
في مجال تحليل السلوك التطبيقي، تُعد كُل من العتبات السلوكية والسلوكيات المحورية مفاهيم أساسية عند السعي إلى إحداث تغيير سلوكي ذي معنى ومستدام. هذه الأنواع من السلوكيات لا تؤدي فقط إلى تحسينات محدودة أو معزولة، بل تُحدث تأثيرات إيجابية واسعة تمتد إلى مجالات متعددة في حياة الفرد.
دعونا نوضح الفروق بين هذين المفهومين، ونستعرض أهمية كل منهما في تصميم تدخلات فعالة ومؤثرة.
ما هي العتبات السلوكية؟
تشير العتبات السلوكية إلى سلوكيات تمكن الفرد من الوصول إلى بيئات وفرص وخبرات جديدة لم تكن متاحة له سابقًا. وعندما تتحقق عتبة سلوكية، فإنها تفتح أمام الفرد آفاقًا جديدة، وتُوسّع من نطاق تفاعله مع بيئته بشكل جوهري.
أمثلة:
تعليم طفل غير ناطق من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد “استخدام جهاز تواصل” يُعد عتبة سلوكية. إذ تُمكن هذه المهارة الطفل من التعبير عن احتياجاته، والتواصل مع الآخرين، والمشاركة بصورة أكبر في التفاعلات الاجتماعية. وتؤدي هذه القدرة الجديدة إلى تغيير نوعي في خبرات الطفل، من خلال إتاحة فرص مثل تكوين العلاقات، واتخاذ القرارات، وزيادة الاستقلالية.
تعليم طفل من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد “عبور الشارع بأمان” يُعد عتبة سلوكية. فعندما يكتسب الطفل هذه المهارة، يصبح قادرًا على الوصول إلى بيئات جديدة وخبرات لم تكن متاحة له سابقًا، مثل الذهاب إلى المدرسة، أو زيارة الحديقة، أو التنقل مع الأسرة بدرجة أكبر من الأمان والاستقلالية. ولا يقتصر أثر هذه المهارة على السلوك نفسه، بل يفتح أمام الطفل فرصًا أوسع للمشاركة المجتمعية والتفاعل مع العالم الخارجي.
ما هي السلوكيات المحورية؟
تشير السلوكيات المحورية إلى سلوكيات يؤدي تعلمها إلى إحداث تغييرات في سلوكيات أخرى غير مدرَّبة بشكل مباشر. وعلى خلاف العتبات السلوكية التي تركز على فتح بيئات أو خبرات جديدة، فإن السلوكيات المحورية تُحدث تأثيرًا داخليًا أوسع، حيث تؤدي إلى تحسينات شاملة في عدة مجالات سلوكية دون الحاجة إلى تدريب منفصل لكل سلوك.
أمثلة
تعليم طفل من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد مهارة “المبادأة بالتفاعل الاجتماعي” يُعد سلوكًا محوريًا. فعند اكتساب هذه المهارة، يُتوقع أن تتحسن جوانب أخرى من الأداء الاجتماعي، مثل الحفاظ على المحادثة، والاستجابة للإشارات الاجتماعية، والانخراط في تفاعلات اجتماعية أكثر تعقيدًا. أي أن هذه المهارة الواحدة تُحدث أثرًا ممتدًا على النمو الاجتماعي العام.
تعليم طفل من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد “مهارة التقليد” يُعد سلوكًا محوريًا. فعندما يكتسب الطفل هذه المهارة، فإن أثرها لا يقتصر على تقليد استجابة واحدة فقط، بل يمتد إلى تحسين تعلمه في مجالات أخرى متعددة، مثل تقليد الأفعال الحركية، والأصوات، واستخدام الأدوات، واتباع النماذج المقدمة في المواقف التعليمية والاجتماعية. ولهذا تُعد مهارة التقليد سلوكًا محوريًا، لأنها تُسهم في تسريع اكتساب سلوكيات ومهارات أخرى لم تُدرَّب بصورة مباشرة.
العتبات السلوكية مقابل السلوكيات المحورية: ما الفرق؟
على الرغم من أن كلاً من العتبات السلوكية والسلوكيات المحورية يُحدثان تأثيرات بعيدة المدى، فإن الفرق الجوهري بينهما يكمن في طبيعة هذا التأثير:
العتبات السلوكية:
هي سلوكيات تفتح الباب أمام مواقف شرطية (Contingencies) جديدة، أو بيئات، أو فرص لم يكن الفرد قادرًا على الوصول إليها سابقًا. أي أن العتبة السلوكية تُدخل المتعلم في خبرات جديدة تُسهم في تشكيل تعلمه المستقبلي وتفاعلاته.السلوكيات المحورية:
هي سلوكيات يؤدي اكتسابها إلى تحسين سلوكيات أخرى لم تكن مستهدفة بشكل مباشر في التدخل. أي أنها تُحدث تغيرات واسعة في مجموعة من المجالات دون الحاجة إلى تعليم إضافي لكل سلوك على حدة.
أمثلة على العتبات السلوكية والسلوكيات المحورية
لتوضيح الفرق بشكل أدق، نستعرض الأمثلة التالية:
المثال الأول: جهاز التواصل (عتبة سلوكية)
يتم تعليم طفل من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد استخدام جهاز تواصل للتعبير عن احتياجاته. تُمكّنه هذه المهارة من التواصل بشكل أكثر فاعلية مع الآخرين، وطلب ما يحتاجه، والمشاركة في تفاعلات اجتماعية لم يكن قادرًا على الوصول إليها سابقًا. يُعد هذا مثالًا على عتبة سلوكية لأنه يفتح المجال أمام فرص وخبرات جديدة تُحدث تحولًا جوهريًا في حياة الطفل.
المثال الثاني: التفاعل الاجتماعي (سلوك محوري)
يتم تعليم الطفل المبادأة بالتفاعل الاجتماعي، مثل إلقاء التحية على أحد الأقران. تُعد هذه المهارة سلوكًا محوريًا لأنها تؤدي إلى تحسينات أوسع في المهارات الاجتماعية، مثل الانخراط في المحادثات، وتكوين الصداقات، والاستجابة للآخرين في المواقف الاجتماعية. وبالتالي، يكون لها تأثير ملحوظ على السلوك الاجتماعي العام للطفل.
المثال الثالث: تنظيف الأسنان (سلوك محوري)
قد يُعد تعليم الطفل مهارة تنظيف الأسنان سلوكًا محوريًا. فعند إتقان هذه المهارة، تتحسن صحة الفم، مما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة وجودة الحياة. وعلى الرغم من أن هذا السلوك لا يفتح بيئات جديدة بالضرورة، فإنه يؤدي إلى تغييرات إيجابية في مجالات مرتبطة به.
المثال الرابع: المبادأة بالمحادثة (عتبة سلوكية)
في المقابل، يُعد تعليم الطفل المبادأة بالمحادثة مع الآخرين عتبة سلوكية. إذ يتيح له ذلك الوصول إلى فرص اجتماعية جديدة، وتكوين صداقات، والمشاركة في محادثات لم يكن جزءًا منها سابقًا.
المثال الخامس: عبور الشارع بأمان (عتبة سلوكية)
يُعد تعليم الطفل من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد عبور الشارع بأمان عتبة سلوكية. فعندما يكتسب الطفل هذه المهارة، يصبح قادرًا على الوصول إلى بيئات وخبرات جديدة لم تكن متاحة له سابقًا، مثل الذهاب إلى المدرسة، أو زيارة الحديقة، أو التنقل مع الأسرة بدرجة أكبر من الأمان والاستقلالية. ولا يقتصر أثر هذه المهارة على السلوك نفسه، بل يمتد إلى توسيع فرص المشاركة المجتمعية والتفاعل مع البيئة الخارجية.
المثال السادس: التقليد (سلوك محوري)
يُعد تعليم الطفل من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد مهارة التقليد سلوكًا محوريًا. فعندما يكتسب الطفل هذه المهارة، فإن أثرها لا يقتصر على تقليد استجابة واحدة فقط، بل يمتد إلى تحسين تعلمه في مجالات أخرى متعددة، مثل تقليد الأفعال الحركية، والأصوات، واستخدام الأدوات، واتباع النماذج المقدمة في المواقف التعليمية والاجتماعية.
لماذا تُعد هذه المفاهيم مهمة؟
إن فهم الفرق بين العتبات السلوكية والسلوكيات المحورية يساعد محللي السلوك على تصميم تدخلات تُعظّم فرص التعلم والتغيير الإيجابي. فمن خلال التركيز على تعليم سلوكيات:
تفتح المجال لخبرات جديدة (العتبات السلوكية)، أو
تُحدث تحسينات واسعة في سلوكيات أخرى (السلوكيات المحورية)،
يمكن للمتخصصين تطوير برامج تدخل أكثر كفاءة وفعالية.
ختامًا
تُعد كُل من العتبات السلوكية والسلوكيات المحورية أدوات أساسية لتعزيز التغيير السلوكي ذي المعنى في إطار تحليل السلوك التطبيقي. فبينما تفتح العتبات السلوكية أبوابًا لفرص وبيئات جديدة، تُسهم السلوكيات المحورية في إحداث تغييرات واسعة عبر مجالات متعددة في حياة المتعلم. ومن خلال تحديد هذه السلوكيات واستهدافها بشكل منهجي، يمكن مساعدة الأفراد على تحقيق إمكاناتهم الكاملة، والوصول إلى تحسينات شاملة ومستدامة في جودة حياتهم.
المرجع:
Understanding Behavior Cusps and Pivotal Behaviors in Applied Behavior Analysis (ABA)
https://abastudyguide.com/understanding-behavior-cusps-and-pivotal-behaviors-in-aba/





