ترجمة: أ. جنا الدوسري
تعتبر صعوبات التواصل من أبرز التحديات التي يواجهها الأطفال المشخصين بمتلازمة داون، إذ تلعب دوراً محورياً في تشكيل ملفهم التنموي الشامل، سواء من الناحية اللغوية أو الاجتماعية أو التعليمية. وغالباً ما يعاني هؤلاء الأطفال من تأخر واضح في اكتساب اللغة، ما ينعكس على قدرتهم على التعبير عن احتياجاتهم وأفكارهم، وكذلك على مشاركتهم في التفاعلات الاجتماعية اليومية مع أقرانهم والأسرة والمعلمين. من هذا المنطلق، ركزت الدراسة الحالية على استكشاف أثر استخدام نموذج التواصل التعزيزي والبديل المدعوم (AAC-MOD) على مهارات التواصل لدى هؤلاء الأطفال، خصوصاً خلال الأنشطة التعليمية الجماعية التي تشجع على الحوار والمشاركة، مثل جلسات القراءة الحوارية الصغيرة. الهدف الرئيسي من هذه الدراسة كان تقديم دليل علمي وعملي حول فاعلية نموذج AAC-MOD في تحسين قدرة الأطفال على التعبير الرمزي والتواصل الفعال في سياق تعليم مشترك يجمع الأطفال المشخصين بمتلازمة داون مع أقرانهم الطبيعيين.
شارك في الدراسة أربع أطفال مصابين بمتلازمة داون، تراوحت أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات تقريباً، إلى جانب خمس أطفال طبيعيين من نفس الفئة العمرية، مما أتاح فرصة دراسة الأطفال المشخصين في بيئة قريبة من الصفوف المختلطة الواقعية. تم اعتماد تصميم متعدد المحطات عبر السلوكيات للأطفال الأربعة المشخصين بمتلازمة داون، بهدف قياس تأثير التدخل بشكل فردي لكل طفل، وملاحظة التغيرات في قدراتهم على استخدام الرموز والتواصل الرمزي والكلمات المختلفة. وقد ركز الباحثون على خلق بيئة تعليمية تحاكي الروتين المعتاد للقراءة الحوارية في الصفوف المختلطة، باستخدام استراتيجية تربوية معروفة باسم “اقرأ، اسأل، أجب، وجه”، والتي تهدف إلى تشجيع الأطفال على الانتباه للنصوص، المشاركة في الإجابة على الأسئلة، والتفاعل بشكل نشط مع المعلم وزملائهم، وبالتالي تعزيز التعلم النشط والتواصل الاجتماعي في الوقت نفسه.
أظهرت نتائج الدراسة وجود علاقة وظيفية واضحة بين استخدام نموذج AAC-MOD وتحسين مهارات التواصل الرمزي لدى الأطفال المشخصين بمتلازمة داون. فقد تمكن ثلاثة من الأطفال من التعرف بشكل صحيح على الرموز المستخدمة بشكل أفضل بعد تطبيق التدخل، مما يشير إلى أن نموذج AAC-MOD يساعد في تعزيز مهارات التعرف الرمزي لدى الأطفال، ويجعل عملية التعلم أكثر وضوحاً وسهولة بالنسبة لهم. أما بالنسبة لمعدل استخدام التواصل الرمزي، فقد أظهر طفلان زيادة ملحوظة في عدد المرات التي استخدموا فيها الرموز للتعبير عن أفكارهم واحتياجاتهم، وهو مؤشر على فعالية التدخل في زيادة فرص الأطفال للتواصل الفعّال مع الآخرين.
وعلاوة على ذلك، لاحظ الباحثون أن عدد الكلمات المختلفة التي استخدمها الطفلان قد ارتفع بشكل واضح، مما يعكس تطوراً ملموساً في مهاراتهم اللغوية وقدرتهم على التعبير بشكل متنوع. ولم تقتصر النتائج على الكلمات الفردية فقط، بل لوحظت أيضاً زيادات في عدد التركيبات متعددة الكلمات لدى طفلين، الأمر الذي يشير إلى تقدم ملحوظ في القدرة على تكوين جمل بسيطة وربط الكلمات معاً في سياق مفهوم، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تطوير مهارات اللغة الأساسية لديهم. ويعد هذا التقدم في تكوين التركيبات اللغوية المتعددة بمثابة مؤشر على قدرة الأطفال على نقل المفردات الرمزية المكتسبة إلى سياقات أكثر تعقيداً في التواصل اليومي.
من الأمور المهمة التي أشارت إليها الدراسة أن جميع الأطفال الأربعة حافظوا على نسبة التعرف الصحيح على الرموز، وهو ما يعكس أن استخدام نموذج AAC-MOD لا يقتصر على تحسين الأداء المؤقت فقط، بل يساعد الأطفال أيضاً على الاحتفاظ بالمهارات المكتسبة على المدى القصير، ويعزز من قدرتهم على استخدام الرموز بشكل مستقل. ومع ذلك، لوحظ أن الزيادة في معدل استخدام التواصل الرمزي لم تنتقل بشكل تلقائي إلى سياقات اللعب الموضوعي أو الأنشطة الاجتماعية التي تتطلب استجابات في بيئات مختلفة عن القراءة، وهو ما يعرف بالقياس البعيد للتعميم. وهذا يشير إلى أن الأطفال قد يحتاجون إلى دعم إضافي وتوجيه مستمر لتطبيق مهارات التواصل الجديدة في مواقف حياتية متنوعة، سواء في اللعب أو التفاعل مع الأقران في المدرسة أو المنزل.
تستخلص الدراسة أن نموذج التواصل التعزيزي والبديل المدعوم يعد أداة فعالة لتعزيز تعلم المفردات المستهدفة وزيادة معدل التواصل الرمزي لدى الأطفال الصغار المشخصين بمتلازمة داون. يمكن استخدام هذا النموذج كجزء من برامج تعليمية فردية أو جماعية، مع التركيز على دمجه في الروتين اليومي للصفوف المختلطة لضمان تحقيق أقصى استفادة للأطفال، وتعزيز قدرتهم على المشاركة بفاعلية في الأنشطة التعليمية والاجتماعية. كما تشير النتائج إلى ضرورة التفكير في استراتيجيات إضافية لتعميم المهارات المكتسبة على بيئات مختلفة، بما في ذلك اللعب الحر والأنشطة اليومية المنزلية والمواقف الاجتماعية الواقعية، بهدف تعزيز قدرة الأطفال على استخدام ما تعلموه بطريقة طبيعية ومرنة في حياتهم اليومية.
يعكس هذا البحث أهمية الجمع بين التعليم التقليدي واستخدام تقنيات دعم التواصل الحديثة، إذ أن الاعتماد على الأساليب التعليمية التقليدية وحدها قد لا يكون كافياً لتطوير مهارات التواصل لدى الأطفال المشخصين بمتلازمة داون. يساهم استخدام نموذج AAC-MOD في توفير وسيلة مرئية ومحفزة تمكن الأطفال من التعبير عن أفكارهم واحتياجاتهم، وهو ما يعزز من شعورهم بالقدرة والاستقلالية ويقلل من الإحباط الناتج عن صعوبة التواصل اللفظي. كما يوفر النموذج وسيلة للمعلمين وأولياء الأمور لتتبع تطور مهارات الأطفال وتقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب، بما يضمن تعزيز التعلم المستمر وتحقيق نتائج إيجابية طويلة المدى.
كما توفر الدراسة دليلاً على إمكانية دمج الأطفال المشخصين بمتلازمة داون في أنشطة صفية جماعية تشمل أقرانهم الطبيعيين، مع ضمان توفير الدعم المناسب لهم. هذه البيئة التفاعلية لا تعزز فقط المهارات اللغوية، بل تسهم أيضاً في تطوير المهارات الاجتماعية وبناء الثقة بالنفس، إذ يتيح للأطفال المشاركة في الحوار وممارسة التفاعل مع الآخرين في سياق طبيعي ومشجع. إن القدرة على التواصل الرمزي واستخدام كلمات وتركيبات متعددة تعد مهارة أساسية تعزز الاستقلالية التعليمية والاجتماعية، وتمثل خطوة مهمة نحو تمكين هؤلاء الأطفال من الانخراط في المجتمع بشكل فعال ومثمر.
بالإضافة إلى ذلك، توضح الدراسة أن تحقيق نتائج مستدامة وفعالة يتطلب مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، واستخدام استراتيجيات تعليمية مرنة تتناسب مع قدراتهم ومستوى تقدمهم. هذا يشمل تعديل مستوى الصعوبة، استخدام مؤثرات بصرية إضافية، وتقديم تحفيزات مشجعة تساعد الأطفال على مواصلة التعلم وتطبيق مهاراتهم في مواقف جديدة. ومن خلال هذه المقاربة، يمكن للأطفال تطوير مهارات تواصل شاملة تعزز من استقلاليتهم وقدرتهم على التفاعل الاجتماعي بشكل فعّال ومستمر.
باختصار، يقدم هذا البحث دليلاً قوياً على فاعلية نموذج التواصل التعزيزي والبديل المدعوم في تحسين مهارات التواصل لدى الأطفال الصغار المشخصين بمتلازمة داون، خاصة في سياق القراءة الحوارية الجماعية الصغيرة. كما يؤكد على أهمية استمرار البحث والتطوير في مجال استراتيجيات التواصل التعزيزي والبديل، لضمان تقديم أفضل دعم تعليمي واجتماعي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتمكينهم من تحقيق إمكاناتهم الكاملة في مختلف مجالات حياتهم. ويعكس أيضاً أهمية دمج هذه الاستراتيجيات في البرامج التعليمية اليومية، مع مراعاة تنويع المواقف التعليمية والتفاعلية لضمان تعميم المهارات المكتسبة وتطبيقها بفاعلية في الحياة الواقعية.
المرجع:
Teaching Preschoolers With Down Syndrome Using Augmentative and Alternative Communication Modeling During Small Group Dialogic Reading
https://pubs.asha.org/doi/10.1044/2019_AJSLP-19-0017





