ترجمة: أ. جنا الدوسري
يعاني الأطفال المشخصين بمتلازمة داون من صعوبات واضحة ومعقدة في تطور اللغة، وهو أمر يجذب اهتمام الباحثين منذ سنوات عديدة. هذه الصعوبات تظهر بشكل خاص في مجالات عدة مثل فهم اللغة، استخدام الكلمات للتعبير عن الاحتياجات، وتنمية المفردات بشكل عام. لذلك، ركزت العديد من الدراسات على فهم العوامل المبكرة التي تمهد لتطور اللغة لدى هؤلاء الأطفال، محاولةً تحديد أي مؤشرات أو سلوكيات يمكن أن تساعد في توقع مدى تطور قدراتهم اللغوية في المستقبل. من بين هذه العوامل، يُعد “الانتباه المشترك” أحد العناصر الأساسية، حيث يشير إلى قدرة الطفل على مشاركة التركيز مع شخص آخر تجاه شيء معين. على سبيل المثال، قد ينظر الطفل إلى لعبة معينة، ثم ينظر إلى الأم أو أي شخص آخر كنوع من التأكيد على مشاركة الاهتمام نفسه. هذا النوع من الانتباه لا يقتصر فقط على النظر أو الإشارة، بل يشمل قدرة الطفل على إدراك أن الآخرين لديهم اهتماماتهم الخاصة، وأنه يمكن توجيه انتباههم لمشاركة تجربة معينة.
على الرغم من أهمية الانتباه المشترك في تنمية اللغة عند الأطفال الطبيعيين، فإن الدراسات المتعلقة بدوره التنبؤي في الأطفال المشخصين بمتلازمة داون كانت متباينة، وأظهرت نتائج غير متسقة. بعض الدراسات أظهرت أن هناك علاقة قوية بين قدرة الطفل على الانتباه المشترك وتطور مفرداته، بينما أظهرت دراسات أخرى أن هذه العلاقة ضعيفة أو غير واضحة. لذلك، كان من الضروري إجراء دراسة دقيقة تركز على هذا الجانب لتقديم رؤى أوضح حول كيفية تأثير الانتباه المشترك على اللغة لدى الأطفال الذين يعانون من تطور غير نمطي.
هدفت الدراسة الحالية إلى تحليل سلوكيات الانتباه لدى مجموعة من الأطفال المشخصين بمتلازمة داون، مع التركيز على العلاقة بين الانتباه المشترك وتطور المفردات اللغوية على المدى القريب والبعيد. الفكرة الأساسية كانت البحث عن وجود علاقات سواء متزامنة أو ممتدة على المدى الطويل بين قدرة الطفل على الانتباه المشترك ونمو مفرداته، سواء من حيث الفهم أو التعبير.
شارك في الدراسة مجموعة من الأطفال الإيطاليين الذين يبلغون حوالي عامين من العمر، وتمت مراقبتهم أثناء تفاعلاتهم مع أمهاتهم خلال جلسات لعب شبه منظمة. استخدم الباحثون أسلوب الملاحظة المباشرة في بيئة اللعب الطبيعية، حيث تم تشجيع الأطفال على التفاعل بحرية ضمن أنشطة تحاكي حياتهم اليومية. وتم تطبيق نظام دقيق لتصنيف سلوكيات الأطفال، بحيث يمكن ملاحظة كل محاولة من الطفل لمشاركة الانتباه مع الأم، سواء عن طريق النظر، أو الإشارة، أو استخدام الأصوات، أو أي تعبير وجهي يدل على الرغبة في التواصل ومشاركة الاهتمام مع الآخر.
خلال هذه الجلسات، لاحظ الباحثون أن الأطفال المشخصين بمتلازمة داون يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم في مواقف الانتباه المشترك. هذا يشير إلى أن لديهم رغبة طبيعية وقوية في التواصل مع الآخرين، على الرغم من الصعوبات اللغوية التي يواجهونها. فالطفل قد ينظر إلى لعبة معينة، ثم يحاول لفت انتباه الأم إليها، أو يصدر صوتًا لجذب الانتباه، مما يعكس رغبة واضحة في مشاركة الخبرة مع شخص آخر. هذا السلوك يعتبر مؤشرًا مهمًا على استعداد الطفل للتواصل اللغوي، ويعطي الباحثين فكرة عن كيفية استخدام الطفل للمهارات الاجتماعية كأساس لتعلم اللغة.
أحد النتائج المهمة التي أظهرتها الدراسة هو أن الأطفال الذين أظهروا قدرة أكبر على اقتراح موضوع الانتباه المشترك لشريكهم في التفاعل كانوا أكثر قدرة على فهم المفردات اللغوية بعد فترة زمنية لاحقة. بمعنى آخر، الأطفال الذين لم يقتصروا على متابعة اهتمام الأم، بل سعوا إلى توجيه الانتباه بأنفسهم، أظهروا تحسنًا أكبر في فهم الكلمات واستيعاب المعاني بعد عدة أشهر. هذا الاكتشاف يؤكد أن السلوكيات البسيطة التي يقوم بها الطفل في مرحلة ما قبل الكلام، مثل مشاركة الانتباه، ليست مجرد نشاط اجتماعي عابر، بل هي أساس لتطوير اللغة والمفردات لاحقًا، حتى في الحالات التي يكون فيها نمو الطفل غير نمطي.
تدعم هذه النتائج الفكرة القائلة بوجود استمرارية بين السلوكيات السابقة للغة وبين تطور المفردات. بعبارة أخرى، ما يقوم به الطفل قبل أن يتمكن من الكلام الفعلي، من حيث مشاركة الانتباه مع الآخرين، يعكس قدراته المستقبلية على تعلم الكلمات وفهم اللغة بشكل أوسع. لذلك، يشير الباحثون إلى أهمية التركيز على هذه السلوكيات المبكرة عند تصميم برامج التدخل المبكر للأطفال المشخصين بمتلازمة داون، حيث يمكن تعزيز قدراتهم اللغوية من خلال أنشطة تشجعهم على الانتباه المشترك والتفاعل مع الآخرين.
كما توضح الدراسة أن الدعم الذي يقدمه الوالدان أثناء اللعب له تأثير كبير على تطوير اللغة. فعندما تشارك الأم الطفل في اللعب، وتستجيب لمحاولاته في توجيه الانتباه، فإنها تعزز من قدرته على تعلم المفردات وفهم معاني الكلمات. هذه التفاعلات اليومية، حتى لو كانت بسيطة، تمثل فرصة حقيقية لتقوية الأساس اللغوي لدى الطفل، لأنها تربط الكلمات بالخبرات العملية والمواقف الواقعية، مما يساعد الطفل على إدراك معاني الكلمات وتذكرها واستخدامها لاحقًا.
كما ركزت الدراسة على المفردات الاستقبالية وليس فقط التعبيرية، أي الكلمات التي يفهمها الطفل عند سماعها. وأظهرت النتائج أن قدرة الطفل على الانتباه المشترك كانت مرتبطة بشكل واضح بتحسن المفردات الاستقبالية بعد عدة أشهر، مما يعكس أن هذه القدرة تمثل أساسًا قويًا لتلقي اللغة وفهمها، وليس فقط للتعبير بها. هذه الملاحظة مهمة لأنها توضح أن الأطفال المشخصين بمتلازمة داون قد يفهمون أكثر مما يستطيعون التعبير عنه شفهيًا، وأن الانتباه المشترك يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيز هذه القدرة على الاستقبال والفهم.
في الختام، تقدم الدراسة دليلًا قويًا على أن الأطفال المشخصين بمتلازمة داون يظهرون مستويات متفاوتة من الانتباه المشترك، وأن هذه الاختلافات ترتبط مباشرة بتطور قدراتهم اللغوية لاحقًا. كما تشير النتائج إلى أن تعزيز الانتباه المشترك في بيئة اللعب اليومية، مع تشجيع الأطفال على اقتراح موضوعات الانتباه والمشاركة فيها، يمكن أن يكون استراتيجية فعّالة لتعزيز اللغة لديهم. كما تؤكد الدراسة على أهمية مراقبة السلوكيات المبكرة للطفل، لأنها تقدم مؤشرات حقيقية على إمكانيات التعلم المستقبلية وتساعد في تصميم برامج تدخل مبكر مخصصة تلبي احتياجات كل طفل على حدة.
وبشكل عام، تؤكد الدراسة على أن النظر إلى التطور اللغوي عند الأطفال المشخصين بمتلازمة داون يجب أن يشمل فهم السياق الاجتماعي والانتباه المشترك، وليس التركيز فقط على الكلمات المنطوقة. فاللغة ليست مجرد كلمات، بل هي عملية معقدة تتشكل من خلال التفاعل الاجتماعي، والانتباه المشترك، والخبرة اليومية. ويمكن تعزيز هذه العملية من خلال استراتيجيات تعليمية مناسبة وداعمة للأطفال وذويهم، مما يوفر لهم أساسًا قويًا لتطوير مهارات التواصل والفهم اللغوي بشكل أفضل، حتى في ظل تحديات النمو غير النمطي.
المرجع:
Joint attention behaviours and vocabulary development in children with Down syndrome
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/epdf/10.1111/jir.12191





