ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
لا يقتصر دعم الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة على مساعدتهم في تحقيق الأهداف الأكاديمية، بل يشمل أيضًا تنمية قدرتهم على اتخاذ القرارات، وحل المشكلات، والتعبير عن احتياجاتهم والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم. وهنا تبرز أهمية تقرير المصير لدى الطلاب (Student Self-Determination).
في السياق التربوي، يشير تقرير المصير (Self-Determination) إلى قدرة الطالب على فهم نقاط قوته واحتياجاته، وتحديد أهدافه، واتخاذ القرارات، والقيام بالخطوات اللازمة لتحقيق تلك الأهداف. ويكتسب تطوير هذه المهارات أهمية خاصة لدى الأطفال والمراهقين ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة؛ لما لها من دور في تعزيز مشاركتهم واستقلاليتهم في المدرسة وفي مراحل الحياة اللاحقة. كما أن تنمية تقرير المصير لا تعني ترك الطالب لاتخاذ جميع القرارات بمفرده، بل تعني توفير فرص منظمة ومناسبة لعمره وقدراته تسمح له بالمشاركة والتعبير عن تفضيلاته وتحمل قدر متدرج من المسؤولية.
ما المقصود بتقرير المصير؟
يقوم تقرير المصير في جوهره على إتاحة مساحة للطالب للتعبير عن رأيه والمشاركة في القرارات المتعلقة بتعلمه (Student Voice). ولا يقتصر ذلك على الاختيارات اليومية البسيطة، مثل اختيار وجبة خفيفة أو نشاط ترفيهي، بل يهدف إلى تنمية مجموعة من المهارات التي تساعد الطالب على المشاركة بصورة أكثر فاعلية في شؤونه التعليمية والشخصية، ومنها:
تحديد الأهداف.
اتخاذ القرارات والاختيارات.
حل المشكلات.
التعبير عن الاحتياجات والدفاع عن الذات (Self-Advocacy).
تحمل المسؤولية عن القرارات والأفعال.
ويتطور تقرير المصير بصورة تدريجية من خلال الممارسة المتكررة في مواقف الحياة اليومية. فقد يبدأ الأمر باختيار الطالب بين نشاطين أو التعبير عن تفضيلاته، ثم ينتقل تدريجيًا إلى المشاركة في تحديد أهدافه التعليمية، وتقييم تقدمه، والتفكير في البدائل عندما تواجهه مشكلة. ومن المهم أن تتناسب فرص الاختيار مع مستوى فهم الطالب وقدرته على التواصل، بحيث تكون الخيارات واضحة وذات معنى ويمكنه إدراك النتائج المترتبة عليها.
وتسهم ممارسة هذه المهارات في تعزيز استقلالية الطالب وتهيئته للتعامل مع متطلبات الحياة أثناء المرحلة الدراسية وبعدها.
أهمية تقرير المصير في التربية الخاصة
تشير الأدبيات المتعلقة بتقرير المصير إلى وجود ارتباط بين تنمية مهارات تقرير المصير لدى الطلاب ذوي الإعاقة وبين عدد من النتائج الإيجابية في التعليم والحياة بعد المدرسة، بما في ذلك المشاركة بصورة أكبر في القرارات التعليمية، والاستعداد للانتقال إلى مراحل التعليم أو العمل والحياة المستقلة.
وتظهر أهمية هذه المهارات بصورة خاصة عندما ينتقل الطالب من مرحلة دراسية إلى أخرى أو يبدأ في الاستعداد للحياة بعد المدرسة، إذ يصبح مطلوبًا منه أن يفهم احتياجاته بصورة أفضل وأن يشارك في تحديد نوع الدعم الذي يحتاج إليه. كما تساعده مهارات مثل تحديد الأهداف وحل المشكلات والدفاع عن الذات على التعامل مع المواقف التي تتطلب منه طلب المساعدة أو توضيح تفضيلاته أو اتخاذ قرار بين بدائل متعددة.
كما يمكن أن يكون تقرير المصير جزءًا من عملية إعداد وتنفيذ الخطة التربوية الفردية (Individualized Education Program; IEP). ففي إطار هذه العملية، يجتمع المعلمون والأسرة والطالب لتحديد الأهداف التعليمية ومناقشة احتياجاته وأولوياته. وعندما يشارك الطالب بصورة فاعلة في هذه الاجتماعات بما يتناسب مع عمره وقدراته واحتياجاته، تتاح له فرص عملية للتعبير عن تفضيلاته، وطرح احتياجاته، والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بتعليمه.
وقد تتخذ هذه المشاركة صورًا مختلفة؛ فقد يشارك بعض الطلاب في عرض نقاط قوتهم أو الأهداف التي يرغبون في تحقيقها، بينما قد يحتاج آخرون إلى دعم بصري أو أسئلة مبسطة أو بدائل محددة تساعدهم على التعبير عن آرائهم. ولذلك ينبغي النظر إلى مشاركة الطالب باعتبارها عملية يمكن تكييفها وفق قدراته التواصلية والمعرفية، وليست نموذجًا واحدًا يطبق بالطريقة نفسها على جميع الطلاب.
كيف يمكن للمدارس دعم تقرير المصير؟
يمكن دمج تنمية مهارات تقرير المصير ضمن الممارسات اليومية في برامج التربية الخاصة، بحيث لا تقتصر على نشاط أو موقف واحد. ويمكن للمعلمين والمختصين دعم الطلاب من خلال مساعدتهم على تعلم ما يأتي:
اتخاذ الاختيارات: إتاحة خيارات حقيقية وملائمة للطالب أثناء الدروس والأنشطة.
تحديد الأهداف: مساعدة الطالب على تحديد أهداف قصيرة وطويلة المدى وفهم الخطوات اللازمة لتحقيقها.
حل المشكلات: تدريب الطالب على التعامل مع المواقف اليومية، مثل طلب المساعدة أو التعامل مع الإحباط والمواقف الصعبة.
التعبير عن الاحتياجات والدفاع عن الذات: تشجيع الطالب على التعبير عن آرائه واحتياجاته والمشاركة في اجتماعات الخطة التربوية الفردية عندما يكون ذلك مناسبًا.
التأمل ومراجعة الأداء (Reflection): مساعدة الطالب على مراجعة ما نجح معه، وما لم ينجح، وما يمكن تعديله أو تجربته في المرة التالية.
ويمكن للمدرسة أن توفر فرصًا طبيعية لتطبيق هذه المهارات داخل الصف وخارجه. فعلى سبيل المثال، يمكن إشراك الطالب في اختيار ترتيب بعض المهام، أو تحديد الهدف الذي يرغب في التركيز عليه خلال فترة معينة، أو مناقشة الاستراتيجيات التي ساعدته على إتمام مهمة ما. كما يمكن استخدام الأسئلة الموجهة لمساعدته على التفكير في الخيارات المتاحة والنتائج المحتملة بدل تقديم الحل له مباشرة في كل موقف.
وتوفر هذه الممارسات فرصًا متكررة للطالب لممارسة الاختيار واتخاذ القرار، وفهم العلاقة بين قراراته والنتائج المترتبة عليها، والمشاركة بصورة أكثر فاعلية في عملية تعلمه.
كيف يمكن للأسرة دعم تقرير المصير؟
للأسرة دور مهم في توفير فرص يومية تساعد الطفل على ممارسة مهارات تقرير المصير خارج البيئة المدرسية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ممارسات بسيطة، منها:
إتاحة الاختيارات: تقديم خيارات مناسبة لعمر الطفل وقدراته، مثل اختيار الملابس أو تحديد المهمة المنزلية التي يرغب في البدء بها.
تحديد الأهداف بصورة مشتركة: إشراك الطفل في تحديد بعض الأهداف أو الخطط الأسرية، مثل التخطيط لنشاط في عطلة نهاية الأسبوع.
تشجيع الحوار المفتوح: إتاحة الفرصة للطفل للتعبير عن مشاعره واحتياجاته وتفضيلاته.
تعزيز الجهد وحل المشكلات: الاهتمام بالجهد الذي يبذله الطفل وبالطريقة التي يحاول بها التعامل مع المشكلة، بدل التركيز على النتيجة النهائية وحدها.
كما يمكن للأسرة أن تساعد الطفل على التفكير في نتائج اختياراته بطريقة مناسبة لمستوى فهمه؛ فبدل اتخاذ جميع القرارات نيابة عنه، يمكن طرح خيارات محددة ومناقشة ما قد يحدث بعد كل خيار. ومع مرور الوقت، يمكن زيادة مستوى المسؤولية بصورة تدريجية، بما يمنح الطفل فرصة لاكتساب الخبرة في اتخاذ القرارات والتعامل مع نتائجها في بيئة داعمة.
وتشكل هذه الفرص اليومية أساسًا يساعد الطفل تدريجيًا على التعامل مع قرارات أكثر تعقيدًا كلما تقدم في العمر.
نحو مزيد من الاستقلالية
يمثل تقرير المصير توجهًا تربويًا يركز على تمكين الطالب من المشاركة في القرارات التي تؤثر في تعلمه وحياته، مع توفير مستوى الدعم الملائم لاحتياجاته وقدراته. وعندما تعمل المدرسة والأسرة على تنمية هذه المهارات بصورة متدرجة ومستمرة، تتاح للطلاب فرص أكبر لفهم احتياجاتهم، والتعبير عن آرائهم، وتحديد أهدافهم، والمشاركة في اتخاذ القرارات المرتبطة بمسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية.
ويتطلب ذلك تحقيق توازن بين تقديم الدعم وإتاحة الفرصة للاستقلال؛ فالمبالغة في اتخاذ القرارات نيابة عن الطالب قد تحد من فرصه في ممارسة هذه المهارات، في حين أن مطالبته بالاستقلال الكامل دون دعم كافٍ قد لا تتناسب مع احتياجاته. لذلك تُبنى الممارسة الفاعلة على تقديم الدعم عند الحاجة مع إتاحة مساحات متزايدة للطالب للمبادرة والاختيار والمشاركة كلما تطورت قدراته.
المرجع:
Why Student Self-Determination Matters in Special Education
https://thelearnacademy.com/blog/why-student-self-determination-matters-in-special-education





