الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

لماذا يُعتقد أن التدخلات القائمة على الحواس تدعم نمو الأطفال؟

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تنطلق التدخلات القائمة على الحواس من افتراض نظري أساسي مفاده أن العمليات الحسية تمثل حجر الأساس الذي تُبنى عليه مختلف المهارات النمائية لدى الطفل. فطريقة استقبال الدماغ للمثيرات الحسية وتنظيمها وتفسيرها تُعد عاملاً محوريًا في تطور المهارات المعرفية، والسلوكية، والاجتماعية، والانفعالية. وبناءً على هذا المنظور، فإن أي اختلافات في المعالجة الحسية، كما هو شائع لدى الأطفال ضمن اضطراب طيف التوحد، قد تؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتداخلة التي تمتد إلى مجالات متعددة من النمو.

يُعتقد أن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد قد يعالجون المعلومات الحسية بطريقة تختلف عن أقرانهم، سواء من حيث شدة الاستجابة، أو نوعها، أو قدرتهم على تنظيم المدخلات الحسية المختلفة. هذه الاختلافات قد تؤثر على اكتساب المهارات الأساسية، مثل الانتباه، وضبط السلوك، والتفاعل الاجتماعي، بل وقد تنعكس على السمات الجوهرية المرتبطة باضطراب طيف التوحد. ومن هنا جاءت فكرة التدخلات الحسية بوصفها وسيلة للتأثير في هذه العمليات الأساسية، بهدف تحسين مسار النمو العام للطفل.

تقوم هذه التدخلات على فرضية أن تعديل طريقة معالجة الطفل للمثيرات الحسية، سواء بشكل مؤقت أو دائم، قد يؤدي إلى آثار علاجية لاحقة تتجلى في تحسن اكتساب المهارات والسلوكيات التكيفية. وتشمل هذه السلوكيات جوانب مهمة مثل زيادة القدرة على التركيز، وتحسين التنظيم الذاتي، وتعزيز التفاعل مع البيئة المحيطة.

كيف تُستخدم التدخلات الحسية في الممارسة السريرية؟

في التطبيق العملي، تبدأ التدخلات القائمة على الحواس عادةً بتقييم شامل لوظائف الطفل الحسية. يهدف هذا التقييم إلى فهم أنماط الاستجابة الحسية لدى الطفل، وتحديد نقاط القوة والتحديات التي يواجهها في معالجة المثيرات المختلفة، مثل اللمس، والحركة، والصوت، والتوازن، والإحساس بوضعية الجسم.

في بعض الممارسات العلاجية المتخصصة، مثل علاج التكامل الحسي وفق نموذج “آيرز”، تُستخدم نتائج هذا التقييم لتصميم برنامج تدخل فردي يتناسب مع احتياجات الطفل الفريدة. يعتمد هذا البرنامج على توفير خبرات حسية غنية ومخطط لها بعناية، ويُفترض أن تسهم هذه الخبرات في تحسين قدرة الطفل المستقبلية على دمج المعلومات الحسية وتنظيمها بشكل أكثر كفاءة.

الهدف من هذه البرامج ليس مجرد تعريض الطفل لمثيرات حسية، بل دعم تطور مهارات المعالجة الحسية الأساسية بطريقة منهجية، بما يعزز قدرة الطفل على التفاعل مع الأنشطة اليومية بصورة أوسع وأكثر فاعلية. وغالبًا ما يُنفذ هذا النوع من العلاج في بيئات عيادية مجهزة بمعدات متخصصة، مثل الأجهزة المعلقة، وألواح الانزلاق، والأدوات التي تتيح تجارب حركية وحسية متنوعة في إطار آمن ومنظم.

في المقابل، توجد تدخلات حسية أخرى تُطبق في البيئات الطبيعية للطفل، كالمنازل، والمدارس، والمجتمع. وتهدف هذه التدخلات إلى دعم المعالجة الحسية ضمن سياقات الحياة اليومية، بما يسهّل على الطفل استخدام مهاراته المكتسبة في مواقف واقعية ومتكررة.

أنواع التدخلات الحسية والتمييز بينها

يشير عدد من الباحثين إلى ضرورة التمييز بين علاج التكامل الحسي وفق نموذج آيرز، وبين مجموعة أوسع من الممارسات والتقنيات الحسية التي تركز على تقديم مثيرات حسية محددة، وغالبًا ما تستهدف قناة حسية واحدة في كل مرة. وتشمل هذه الممارسات تقنيات متعددة، مثل التدخلات السمعية، والعلاج بالموسيقى، واستخدام الأغطية الثقيلة، والأنشطة الحركية كالتأرجح، وتقنيات التفريش، والضغط العميق، والتدليك، وضغط المفاصل، والتحفيز الدهليزي.

في كثير من الأحيان، تُدمج هذه التقنيات ضمن ما يُعرف بـ “النظام الحسي اليومي” أو “الحمية الحسية”، حيث تُوزع الأنشطة الحسية على مدار اليوم ضمن أنشطة محددة أو روتين يومي، ويتم تنفيذها من قبل مختصين، أو معلمين، أو مقدمي رعاية، تحت إشراف مهني مناسب. ويُفترض أن يساعد هذا النهج على تنظيم الاستجابات الحسية للطفل وتحسين قدرته على التكيف مع متطلبات البيئة.

المبادئ التي تقوم عليها التدخلات الحسية

لا يوجد إطار موحد أو مجموعة عالمية من المبادئ التي تحكم جميع التدخلات الحسية الموجهة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. ومع ذلك، حدد بعض الباحثين مجموعة من العناصر الأساسية التي يُفترض توافرها في علاجات التكامل الحسي، خاصة تلك المستندة إلى نموذج آيرز.

من أبرز هذه العناصر توفير فرص حسية متنوعة تشمل خبرات لمسية وحركية وإحساسًا بوضعية الجسم، مع الحرص على أن تكون الأنشطة مقدمة بدرجة تحدٍ مناسبة لقدرات كل طفل، بحيث لا تكون سهلة جدًا ولا مرهقة بشكل مفرط. كما يُشدد على أهمية إشراك الطفل في اختيار الأنشطة، واستثمار اهتماماته الشخصية لتعزيز الدافعية والمشاركة.

تشمل المبادئ أيضًا دعم قدرة الطفل على تنظيم لعبه وسلوكه، والعمل على تحقيق مستوى مثالي من الاستثارة العصبية يساعد على الانتباه والراحة والمشاركة الفعالة. ويُعد اللعب السياق الأساسي للتعلم في هذه التدخلات، حيث يُنظر إليه كوسيلة طبيعية لتطوير المهارات بطريقة ممتعة وذات معنى.

كذلك، تُولي هذه التدخلات أهمية كبيرة لضمان نجاح الطفل أثناء الأنشطة، والحفاظ على سلامته الجسدية، وتنظيم البيئة المادية بطريقة تشجع التفاعل والاستكشاف. ولا يقل عن ذلك أهمية بناء علاقة علاجية إيجابية مع الطفل، قائمة على الاحترام، والدعم، والتقبل، بما يعزز شعوره بالأمان والثقة.

من هم مقدمو التدخلات الحسية؟

نظرًا لتعدد احتياجات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، سواء في مجالات التعلم أو الصحة الجسدية والنفسية، فإن التدخل الفعّال غالبًا ما يتطلب تعاون فريق متعدد التخصصات. وقد يستفيد الأطفال وأسرهم من خبرات مختصين في مجالات الصحة، والتعليم، والطب، كلٌ ضمن نطاق تخصصه.

من الضروري أن يكون مقدمو هذه التدخلات حاصلين على مؤهلات مناسبة، وخاضعين للتنظيم المهني أو الحكومي، وأن يلتزموا بممارسة التدخلات ضمن حدود اختصاصهم المهني. ويُعد ذلك عنصرًا أساسيًا لضمان سلامة الطفل وجودة الخدمة المقدمة.

ما الأدلة العلمية على فاعلية التدخلات الحسية؟

تعتمد المعرفة الحالية حول أثر التدخلات الحسية على مراجعات منهجية للدراسات البحثية، والتي تُعد من أعلى مستويات الأدلة العلمية المتاحة. هذه المراجعات تأخذ في الاعتبار نتائج عدد كبير من الدراسات الفردية، مما يوفر صورة شاملة نسبيًا عن فاعلية هذه التدخلات على مختلف جوانب حياة الطفل والأسرة.

تشير النتائج إلى أن أثر التدخلات الحسية يختلف باختلاف نوع التدخل، والنتائج المستهدفة، وجودة الدراسات المتوفرة. ففي بعض الحالات، أظهرت الأدلة آثارًا إيجابية على جوانب معينة من السلوك أو المشاركة أو التنظيم الذاتي، بينما كانت النتائج في حالات أخرى متباينة أو غير حاسمة. كما أن جودة الأدلة نفسها تتفاوت، مما يستدعي الحذر عند تعميم النتائج أو الاعتماد عليها بشكل مطلق.

وبشكل عام، تؤكد هذه النتائج أهمية اتخاذ قرارات التدخل بناءً على أفضل الأدلة المتاحة، مع مراعاة الخصائص الفردية لكل طفل، واحتياجات أسرته، والسياق الذي يُطبق فيه التدخل.

 

المرجع:

Sensory-based interventions

https://dataresearch.ndis.gov.au/research-and-evaluation/early-interventions-and-high-volume-cohorts/evidence-review-early-interventions-children-autism/sensory-based-interventions