ترجمة: أ. أماني أبوالعينين
لطالما كان تعريف التشخيص المتأخر لاضطراب طيف التوحد موضع نقاش لسنوات. تشير بعض الدراسات والمؤسسات إلى أن أي تشخيص بعد سن الثانية عشرة هو الحد الفاصل (هوكسورث، 2022)، بينما يرى البعض الآخر أنه قد يكون في سن مبكرة تصل إلى ثلاث سنوات (راسل وآخرون، 2025). وبغض النظر عن أي رقم رسمي، فإن العديد من المشخصين باضطراب طيف التوحد – سواء تم تشخيصهم في سن الثالثة عشرة أو الخامسة والخمسين – غالبًا ما يطرحون السؤال نفسه بعد التشخيص النهائي:
“لماذا لم يفعل أحد أي شيء في وقت سابق؟”
عندما طرحتُ هذا السؤال على والدتي، كنتُ أتلقى عادةً إجابةً واحدةً ثابتة: “لم نكن نعرف شيئًا عن التوحد آنذاك” – وللدفاع عنها، ربما كان هذا صحيحًا. فبين عامي 1998 و2018، ارتفع عدد حالات تشخيص التوحد في المملكة المتحدة بنسبة 787%، وتضاعفت الأرقام تقريبًا بين عامي 2013 و2018 فقط (راسل وآخرون، 2022). وفي مارس 2025، كان 224,382 شخصًا ينتظرون إجراء تقييم للتوحد في جميع أنحاء إنجلترا، حيث انتظر 89.9% منهم أكثر من 13 أسبوعًا (هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا، 2025). مع ذلك، لا أعتقد أن والديّ كانا يجهلان الأمر تمامًا . رغم أن معرفة عامة الناس باضطراب طيف التوحد كانت محدودة في العقدين الأولين من الألفية الثانية، إلا أن بعض أفراد عائلتي، كجدتي وخالتي، تحدثوا مع والديّ عن بعض سلوكياتي التي بدت غريبة. فقد لفتت مشاعري المتقلبة، وصعوبة اندماجي مع الأطفال الآخرين، انتباه والديّ إليها بطريقة أو بأخرى، لكنهما تجاهلها في نهاية المطاف، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى تفوقي الدراسي. مع أنني لا أعتقد أن ذلك كان متعمداً، إلا أنني أؤمن بوجود عامل أثّر على قراراتهما، أو بالأحرى على عدم اتخاذهما أي قرار: ألا وهو الوصم الاجتماعي.
يُعرَّف الوصم بأنه “موقف اجتماعي سلبي يُرتبط بصفةٍ ما في الفرد، قد تُعتبر قصورًا عقليًا أو جسديًا أو اجتماعيًا” (الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، 2018). ورغم أن التوحد والأفراد المصابين به لم يتخلصوا تمامًا من الوصم بعد، إلا أنه خلال السنوات القليلة الماضية، يبدو أن هذا الوصم بدأ يخف، حيث يتحدث عنه المزيد من الناس، سواء كانوا مشخصين باضطراب طيف التوحد أم لا، بصراحة. وبينما لا يخجل والداي اليوم من إخبار الآخرين بإصابتي بالتوحد، أظن أن الوضع كان مختلفًا تمامًا عندما كنت أصغر سنًا.
التوحد، بغض النظر عن مظاهره، هو إعاقة، واحتمالية إنجاب طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة أمرٌ مُقلق أو حتى مُحبط لكثير من الآباء، خاصةً عندما يبدو الطفل طبيعيًا عند تجاهل تلك “الغرائب” القليلة. ونتيجةً لذلك، قد ينكرون الأمر، أو على الأقل هذا ما حدث مع والديّ. كان هناك افتراض بأنني سأتجاوز ببساطة سلوكياتي الأكثر غرابة أو أتعلم كيفية التعامل معها، وهو ما فعلته في معظم الأحيان، ولكن فقط نتيجةً للتظاهر. ليس هذا فحسب، بل لأنني نشأتُ دون وعي بالتوحد، لم أفهم أنني أعمل بشكل مختلف بسببه؛ كنتُ أعتقد ببساطة أنني مُختلٌّ بالفطرة وغريب، بغض النظر عن مدى “طبيعية” سلوكي. من المفاهيم الخاطئة الشائعة بين آباء الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أن تصنيف طفلهم سيجعله أكثر عرضةً للسخرية، لكن هذا لا يُفسّر سنوات المعاناة وكراهية الذات التي كان من الممكن تجنبها بمجرد معرفة أن دماغك مختلف.
في نهاية المطاف، في سن الحادية والعشرين، كان قرار السعي وراء التشخيص بيدي. رحلة استغرقت، في ظل نظام الرعاية الصحية البريطاني، عامًا كاملًا تقريبًا. مع ذلك، وكما ذكرت في مقالتي السابقة، لم يحل التشخيص كل شيء. لأنني نشأت على فكرة أن لا شيء مختلف، وأنني ببساطة أعيش بطريقة خاطئة، كنت لا أزال أقارن نفسي بمعايير الأشخاص الطبيعيين، وكنت شديد الانتقاد لسلوكياتي، حتى بعد أن عرفت السبب. الآن فقط أدرك أن هذا، في حد ذاته، شكل من أشكال الوصم. وصمة داخلية.
إنه موضوعٌ جمعتني به العديد من زملائي ذوي التنوع العصبي، وخاصةً شريكتي، إذ كانت حالتها مطابقةً تقريبًا لحالتي. تم تجاهل اضطراب نقص الانتباه (ADD) لدى خطيبتي أنجلينا طوال السنوات الثماني عشرة الأولى من حياتها. ورغم أنها كانت تُفصح عن معاناتها لعائلتها، إلا أن تفوقها الدراسي وسلوكها المسؤول جعلا احتمال إصابتها بهذا الاضطراب أمرًا لا يُصدق. لكن عندما التحقت بالجامعة، أدركت أنها لا تستطيع تجاهل مشاكلها. في جلسة واحدة، تم تشخيص إصابتها باضطراب نقص الانتباه ووصف لها دواءٌ استمر في مساعدتها طوال فترة دراستها للتمريض. وعلى عكس حالتي، فإن سرعة تشخيصها لم تُؤدِّ إلا إلى تفاقم شعورها بالوصمة الداخلية. بالنسبة لها، كان ذلك بمثابة تأكيد على صحة جميع مخاوفها. حتى عندما تفاعل الناس مع تشخيصها بلطفٍ ومراعاة، لم تستطع إلا أن تشعر بخيبة أملٍ تجاه نفسها، ولم تشعر بأنها تستحق اهتمامهم، لأنها اعتادت على حل مشاكلها بنفسها. ليس هذا فحسب، بل إن معرفتها بما يعنيه تناول الأدوية جعلها أكثر وعياً باختلافاتها وكيف كان من الممكن أن تكون الأمور لو أنها حصلت على المساعدة في وقت مبكر.
مع وضع كل هذا في الاعتبار، قد تبدو دائرة الوصم لا نهاية لها. فالنظرة السلبية تجاه التنوع العصبي أو الأفراد ذوي التنوع العصبي قد تؤخر التشخيص، مما يحول دون فهمهم لأنفسهم ويمنعهم من تقبلها حتى بعد حصولهم على التفسير المهم. لحسن الحظ، ليس من المستحيل التغلب على ذلك. إن كان هناك ما يميز أنجلينا عني، فهو مرونتها المذهلة وتعاطفها مع الذات، وهما أداتان أساسيتان في مكافحة الوصم الداخلي. ورغم أن تلك المواقف السلبية وأفكار “لماذا لم يتم التشخيص مبكرًا؟” قد تظهر، إلا أنها تتغلب عليها بعبارة بسيطة: “أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا!” – وهذا صحيح . من الأفضل إدراك هذه المشاعر الآن والبدء في رحلة التخلص منها بدلًا من السماح لهذه الدائرة بالاستمرار. فقط من خلال إدراك الوصم ومقاومته، يمكننا، كمجتمع، العمل على محوه.
مراجع
The Never-Ending Cycle: Autism, Stigma, and the Cost of Late Diagnosis
https://autismspectrumnews.org/the-never-ending-cycle-autism-stigma-and-the-cost-of-late-diagnosis





