ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُستخدم اليوم مصطلح اضطراب طيف التوحد لوصف مجموعة واسعة من الاضطرابات النمائية العصبية التي تختلف في خصائصها وشدّتها، لكنها تشترك في سمات سلوكية أساسية أهمها صعوبات التواصل الاجتماعي، وأنماط السلوك التكرارية أو المقيدة. وقد كان هذا المصطلح يشمل في السابق تشخيصات منفصلة مثل التوحد الكلاسيكي، ومتلازمة أسبرجر، والاضطرابات النمائية غير المحددة، واضطراب التفكك الطفولي، ومتلازمة رِت. ومع ظهور الدليل التشخيصي الخامس للاضطرابات النفسية تم توحيد هذه الأنواع تحت مظلة واحدة هي “اضطراب طيف التوحد”، بهدف إيجاد نظام تشخيصي أوضح وأسهل، قائم على عدد من الأعراض المحددة التي يجب توفرها لتأكيد التشخيص.
ورغم التطور الكبير في فهم التوحد، إلا أن معظم الأبحاث ما تزال منحازة إلى الدول الغربية ذات الدخل المرتفع، مما يجعل أدوات التشخيص والفحص أقل ملاءمة للثقافات الأخرى. فعلى الرغم من أن مجالات السلوك الأساسية للتوحد تُرى عالميًا، إلا أن التعبير عن الأعراض قد يختلف من ثقافة لأخرى. على سبيل المثال، يُعد عدم التواصل البصري في بعض المجتمعات العربية والآسيوية احترامًا أو خجلًا، بينما في دول أخرى يُعد مؤشرًا واضحًا على اضطراب تواصل. كما يشيع في الهند الاعتقاد بأن الأولاد يتأخرون في الكلام بشكل طبيعي، وفي الصين قد يُنظر لتأخر اللغة بوصفه دلالة إيجابية، مما يؤخر طلب المساعدة. كذلك تُظهر دراسات في الهند وكينيا والمكسيك أن الخيال في اللعب أقل انتشارًا لدى الأطفال عمومًا، مما يجعل نقص اللعب التخيلي علامة أكثر بروزًا في الدول الغربية مقارنة بثقافات أخرى. هذه الفروق تجعل فهم السياق الثقافي ضرورة لا يمكن تجاهلها عند تقييم أعراض التوحد.
وقد لوحظ في السنوات الأخيرة ارتفاع واضح في نسب تشخيص اضطراب طيف التوحد حول العالم، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى اعتماد أدوات تشخيص موحّدة ومعتمدة دوليًا. تختلف معدلات الانتشار من دولة لأخرى بسبب اختلاف طرق جمع البيانات، فبعض الدول تملك أنظمة مراقبة دقيقة، مما يجعل الأرقام فيها أعلى وأكثر وضوحًا مقارنة بدول لا تمتلك أنظمة رصد أو تبليغ قوية.
أدخل الدليل التشخيصي الخامس تغييرات مهمة على معايير تشخيص اضطراب طيف التوحد، منها دمج أعراض التواصل الاجتماعي في محور واحد، وتخفيف شرط تحديد العمر الذي تبدأ فيه الأعراض، بالإضافة إلى إضافة السلوكيات المرتبطة بالاستجابة الحسية سواء كانت مفرطة أو منخفضة. ويظهر الأطفال الذين يحملون سمات التوحد منذ سنواتهم الأولى صعوبات في التواصل الاجتماعي مثل ضعف التفاعل، وعدم القدرة على تبادل الأدوار في الحديث أو اللعب، وصعوبة مشاركة الاهتمام، وقلة الاستجابة الاجتماعية. كما يظهرون أنماطًا تكرارية أو مقيدة من الاهتمامات والسلوكيات مثل تكرار الحركات، والتمسك بالروتين، والانشغال المفرط بموضوعات معينة، والاستجابة غير المعتادة للمحفزات الحسية كالضوء والصوت واللمس والحرارة.
ويُصنّف الأطفال في طيف التوحد بحسب مدى احتياجهم للدعم، من مستوى يحتاج دعمًا بسيطًا إلى مستويات تتطلب دعمًا كبيرًا جدًا. تختلف شدة الأعراض بين طفل وآخر، لكنها في أغلب الحالات تؤثر على التحصيل الدراسي، والمهارات الاجتماعية، والأداء اليومي داخل المنزل أو المدرسة.
تُظهر الدراسات أن الاضطرابات الحسية ترتبط ارتباكًا شديدًا لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، إذ تؤثر على قدرتهم على تنظيم ردود الفعل تجاه الأصوات واللمس والحركة والضوء. وقد وضعت عالمة العلاج الوظيفي آيرز أساس نظرية التكامل الحسي، التي تُعنى بكيفية استيعاب الدماغ للمدخلات الحسية وتنظيمها. وتقوم هذه النظرية على أن الدماغ عندما يستقبل المعلومات الحسية بطريقة مضطربة، تظهر صعوبات في التعلم والسلوك والانتباه والمشاعر. لذا يهدف التدخل بالتكامل الحسي إلى تحسين قدرة الدماغ على تنظيم المدخلات الحسية بحيث يتمكن الطفل من التفاعل معها بطريقة صحية.
تشير الأبحاث إلى أن اضطراب المعالجة الحسية يظهر لدى نسبة كبيرة جدًا من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وقد يرتبط بظهور القلق والتوتر لديهم. وتُظهر دراسات عدة أن ردود الفعل الحسية المفرطة قد تزيد القلق، وأن القلق بدوره يزيد الحساسية الحسية، مما يخلق دائرة تأثير متبادلة تؤدي إلى تجنب الطفل للأنشطة أو الأماكن التي تزعجه حسيًا. وقد رُصدت علاقة بين فرط الحساسية الحسية وبين أعراض الرهاب والقلق والانزعاج وكذلك بعض السلوكيات الوسواسية.
وفي ضوء هذه المفاهيم قام الباحثون بدراسة ما إذا كانت تدخلات التكامل الحسي قادرة على تحسين الأداء الحركي والاجتماعي والمعرفي للأطفال ذوي التوحد. وأجريت مراجعات منهجية عديدة أظهرت أن التدخل القائم على نموذج آيرز يقدم نتائج إيجابية، خاصة إذا كان مكثفًا، فرديًا، وموجّهًا نحو أهداف محددة. فقد أظهرت بعض الدراسات تحسنًا في السلوك، وتقليلًا لاعتماد الطفل على والديه في المهام اليومية، وتحسنًا في المهارات الحركية، بالإضافة إلى دعم أفضل للّعب والمشاركة الاجتماعية.
كما بيّنت تجارب متعددة أن التكامل الحسي يساعد في تحسين التوازن والمهارات الحركية الدقيقة، ويعزز مشاركة الطفل في الأنشطة الاجتماعية، ويسهم في رفع كفاءته في المهارات الحياتية. وقد وجدت دراسات أُخرى أن التدخل المنزلي الذي يطبقه الوالدان بعد تدريبهم يمكن أن يكون فعالًا أيضًا، خصوصًا حين يُدمج مع تدخلات أخرى مثل العلاج السلوكي أو علاج اللغة.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، ما تزال هناك تحديات تتعلق بتباين منهجيات الدراسات، واختلاف طرق التطبيق، وقلة البحوث التي تقيس أثر التدخل على المدى الطويل أو في البيئات الطبيعية كالمنزل والمدرسة. ومع ذلك، تتفق الأدلة الحالية على أن التكامل الحسي يقدم قيمة علاجية ملحوظة، وأنه يدعم الأطفال في جوانب متعددة من حياتهم، ويرفع جودة حياتهم، ويساعد أسرهم على فهم احتياجاتهم الحسية بشكل أفضل.
وتبرز أهمية هذه النتائج بالنسبة للمعالجين الوظيفيين الذين يستخدمون نموذج التكامل الحسي، إذ يحتاجون إلى تصميم تدخلات فردية لكل طفل بناءً على استجاباته واحتياجاته. كما يتطلب هذا المجال تدريبًا مستمرًا قائمًا على الأدلة الحديثة لضمان حصول الطفل على أفضل مستوى من العلاج.
وتقترح هذه المراجعة ضرورة توسيع الأبحاث لتشمل ثقافات مختلفة، ودراسة آثار التدخل على المدى الطويل، وفحص دور التكامل الحسي في البيئات التعليمية والمنزلية، وليس فقط في العيادات.
وفي المجمل، تبيّن أن تدخلات التكامل الحسي في علاج الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد تُعد عنصرًا مهمًا ومكملًا لبقية العلاجات، وقد تسهم في تحسين مهاراتهم الاجتماعية والحركية والمعرفية، وتعزز استقلاليتهم في حياتهم اليومية. ومع أن بعض الدراسات لم تجد نتائج قوية، إلا أن غالبية الأدلة تشير إلى أن هذا النوع من التدخل يمكن أن يكون فعالًا عندما يُطبق بطريقة مدروسة وعلى يد مختصين معتمدين. وتبقى الحاجة قائمة لمزيد من الدراسات الدقيقة التي تمكننا من فهم أعمق لكفاءة هذا العلاج وكيفية تحسينه.
المرجع:
A Systematic Review of Treatment for Children with Autism Spectrum Disorder: The Sensory Processing and Sensory Integration Approach
https://www.mdpi.com/2227-9067/11/10/1222?utm_source=chatgpt.com





