ترجمة: أ. أماني أبو العينين
يتم تشخيص اضطراب طيف التوحد (يُشار إليه اختصارًا بـ “اضطراب طيف التوحد “) في المراحل العمرية المبكرة (زوايغنبوم، باومان، شويري، وآخرون، 2015). وهذا يفتح الباب واسعًا أمام الاستفادة من التدخل المبكر والدعم التعليمي المتخصص، مما يؤدي إلى تحقيق نتائج أفضل على المدى الطويل (زوايغنبوم، باومان، شويري، وآخرون، 2015؛ داوسون وآخرون، 2010؛ لوفاس، 1987).
نظرًا للطبيعة المبكرة والمستمرة للتوحد، تتطور الأعراض وتتغير على مدار حياة الطفل. لذلك، لا يقل تتبع مسار نمو كل شخص مع مرور الوقت أهمية عن التشخيص المبكر نفسه. ولا يقتصر هذا التتبع الطولي على المراقبة الموضوعية والمُتكررة في المجالات المستهدفة بالتدخلات الحالية – وهو ما تتطلبه المناهج القائمة على الأدلة – بل يمتد ليشمل المتابعة الشاملة والمنتظمة باستخدام التقييمات النفسية والعصبية النمائية.
تُساعد هذه التقييمات اللاحقة، انطلاقًا من الملاحظات التشخيصية الأولية، في تحديد مسارات نمو طولية تُسهم بشكل فعال في توجيه برامج التدخل. وبالرغم من عدم وجود إطار زمني موحد حاليًا للمتابعات اللاحقة يناسب الجميع، فإننا نسلّط الضوء في هذا السياق على الأدلة التي تؤكد على ضرورة المتابعة المنتظمة خلال سنوات ما قبل المدرسة، بعد الحصول على التشخيص المبكر.
مرحلة الطفولة المبكرة: زمن التغيير والفرص
تُعتبر السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل مرحلةً مفصليةً وحاسمةً، وتمثل فرصةً ثمينةً وبالغة الأهمية في سياق اضطراب طيف التوحد. خلال هذه الفترة النمائية، يحدث تطورٌ ديناميكي في عدة مجالات وظيفية، بدءًا من المعالجة الحركية والحسية وصولًا إلى اللغة والإدراك الاجتماعي.
وفيما يخص اضطراب طيف التوحد تبدأ الأعراض الأساسية بالظهور عادةً قبل بلوغ الطفل 36 شهرًا. وقد أظهرت دراساتٌ تتبعت الأطفال من مرحلة الطفولة المبكرة حتى البلوغ أن مسار تطور الأعراض يختلف بشكل كبير بين الأطفال ، حيث تتراوح درجات التحسن بين الطفيفة والكبيرة، كما يتباين معدل هذا التحسن.
أشارت دراساتٌ أُجريت على الأشقاء الأصغر سنًا المعرضين لخطر اضطراب طيف التوحد إلى أن العديد من الأطفال قد يستوفون المعايير التشخيصية الكاملة للتوحد في عمر 18-24 شهرًا، بينما قد لا تظهر الأعراض الواضحة على آخرين حتى عمر 30-36 شهرًا، وسيتم تشخيص البعض منهم في وقت لاحق.
تتداخل القدرات الإدراكية واللغوية وأعراض اضطراب طيف التوحد .
لا تنفصل مسارات تطور أعراض اضطراب طيف التوحد المتغيرة عن التغيرات المصاحبة لها في المهارات المعرفية واللغوية. فالاستدلال اللفظي وغير اللفظي يشكلان الأساس الذي تتطور عليه جميع المهارات الأخرى، وهما بدورهما يؤثران على ظهور أعراض اضطراب طيف التوحد الأساسية. يُعدّ تطور المهارات المعرفية واللغوية بالغ الأهمية في السنوات الأولى من العمر، وقد أظهرت الدراسات أنه يؤدي إلى تحسن التوقعات على المدى الطويل حتى مع استمرار أعراض اضطراب طيف التوحد . لذا، يجب مراقبتهما بعناية لتحديد نقاط القوة والضعف التي يمكن أن تُستخدم كدعم أو كأهداف للتدخلات. وقد تتطلب حالات التأخر المعرفي الشديد التي تمتد إلى ما بعد الطفولة المبكرة خطط دعم شاملة طويلة الأمد.
تُعدّ المهارات اللغوية عاملاً هاماً آخر يُسهم في تحقيق نتائج إيجابية. تتغير المهارات اللفظية بشكل ملحوظ مع مرور الوقت، وتختلف مسارات تطورها بين الأطفال ، بدءاً من بلوغ الطلاقة اللفظية المناسبة للعمر وصولاً إلى البقاء في حد أدنى من القدرة اللفظية كما تُعدّ الجوانب غير اللفظية للتواصل والتفاعل الاجتماعي من المجالات المهمة التي يجب مراقبتها للتدخل. فعلى سبيل المثال، تُعدّ مهارات التواصل غير اللفظي، مثل الانتباه المشترك والاستخدام التلقائي للإيماءات، بالغة الأهمية في تعزيز النمو اللغوي
بالنسبة للأطفال الذين يكتسبون طلاقة لغوية، قد تتغير أعراض اضطراب طيف التوحد في سياق تطور اللغة. على سبيل المثال، قد يبدأ الأطفال الصغار في مرحلة ما قبل المدرسة، الذين ينتقلون من مرحلة عدم الكلام إلى مرحلة الكلام بطلاقة، بإظهار استخدام غير نمطي للغة، قد يكون عابرًا أو مستمرًا. قد يشمل ذلك الاستخدام المتكرر للعبارات، وأسلوب كلام مميز، وترديد عبارات من الكتب أو الأفلام. ستحدد التقييمات اللاحقة مدى تأثير هذه الأنماط اللغوية غير النمطية على التواصل الاجتماعي، أو استخدامها للمساعدة في التفاعلات الاجتماعية، وستوجه العلاج وفقًا لذلك.
أهمية التنظيم السلوكي
يؤثر ضعف التنظيم السلوكي، الذي يشمل صعوبة التحكم في الحركات، الحفاظ على الانتباه، وتنظيم المشاعر حسب الموقف، على أداء الطفل بشكل عام. يمكن أن يُعيق هذا الضعف التفاعل الاجتماعي ويؤثر لاحقًا على التحصيل الأكاديمي، وقد يتطلب بيئات تعليمية مقيدة، بغض النظر عن قدرات الطفل الفكرية أو اللغوية.
أهمية الكشف المبكر والتدخل:
عندما تتزامن أعراض اضطراب طيف التوحد مع ضعف في تنظيم السلوك، يصبح من الضروري تحديد المحفزات في وقت مبكر لاستهدافها فورًا ضمن خطط التدخل السلوكي.
مؤشرات النتائج الإيجابية على المدى الطويل:
تشير التقارير إلى أن الانخفاض في السلوكيات المفرطة النشاط في الفترة العمرية ما بين 24 و 36 شهرًا يميز مجموعة من الأطفال الذين يحققون نتائج إيجابية جدًا في مرحلة الشباب، بما في ذلك:
ظهور أعراض توحد ضئيلة أو معدومة.
وظائف تكيفية أفضل.
بالإضافة إلى انخفاض فرط النشاط، كانت السمة الأبرز الأخرى في مرحلة الطفولة المبكرة لهذه المجموعة هي الانخفاض الكبير في حدة السلوكيات التكرارية المقيدة (RRB) بين عمر 24 و 36 شهرًا.
فهم السلوكيات التكرارية المقيدة (RRB):
مصطلح RRB مصطلح شامل يشمل:
أعراض الدرجة الدنيا: مثل اضطرابات المعالجة الحسية والأنماط الحركية النمطية.
أعراض الدرجة العليا: مثل التمسك المفرط بالروتين وقلة الاهتمام.
التركيز المستقبلي للبحث والتقييم:
لا يزال الدور النسبي لتنظيم السلوك والسلوكيات التكرارية المقيدة، وخاصة تفاعلهما، في تحديد النتائج طويلة الأمد، غير مفهوم تمامًا. ومع ذلك، يمثل هذا التفاعل مجالًا مهمًا للتركيز السريري في تقييمات المتابعة والتدخلات الخاصة باضطراب طيف التوحد .
.
إرشادات لبطارية التقييم
يتطلب إعادة تقييم الأداء النمائي وأعراض اضطراب طيف التوحد الأساسية استخدام اختبارات معيارية، حيث تكون بعض الأدوات أكثر فعالية من غيرها في تتبع مسار النمو. يوفر دمج مقاييس الاختبار المعيارية الذهبية، التي تم تطويرها وتوثيقها بناءً على أبحاث قوية، إطارًا موحدًا لمقدمي الخدمات والمؤسسات، مما يسهل تنسيق الرعاية.
تقيس هذه الاختبارات المعيارية، مثل مقياس مولين للتعلم المبكر (MSEL) ومقياس القدرات التفاضلية، الإصدار الثاني (DAS-2)، الأداء النمائي للطفل في الجوانب المعرفية اللفظية وغير اللفظية، وقد استُخدمت بشكل واسع في الدراسات البحثية.
حتى الآن، يُعد جدول الملاحظة التشخيصية للتوحد، الإصدار الثاني (ADOS-2) الأداة التشخيصية المعيارية الذهبية لاضطراب طيف التوحد ويُستخدم عادةً لرصد التغيرات الكبيرة بمرور الوقت. بالإضافة إلى ذلك، تم تطوير أدوات معيارية ذات حساسية أعلى للتغيرات الطفيفة، أبرزها أداة الملاحظة الموجزة لتغير التواصل الاجتماعي (BOSCC)، وتخضع حاليًا لدراسات تحقق مستقلة.
من المهم الإشارة إلى أن التقييمات التي يجريها أخصائيون ليسوا جزءًا مباشرًا من الخطة التعليمية والعلاجية اليومية للطفل، يمكن أن تقلل من التحيزات المحتملة وتوفر مؤشرات موضوعية للتغيرات.
يُوصى بإجراء تقييمات النمو العصبي والنفسي للمتابعة سنويًا على الأقل، أو بوتيرة أعلى إذا ظهرت مخاوف جديدة. يمكن للأسر الحصول على هذه التقييمات من خلال معظم عيادات اضطراب طيف التوحد المتخصصة وبرامج البحث.
فرصة للمشاركة في البحث:
يقدم معهد عقل الطفل حاليًا تقييمات تشخيصية للتوحد وتقييمات متابعة سنوية للتغيرات السلوكية والمعرفية. يتم ذلك كجزء من دراسة ممولة من قبل المعهد الوطني للصحة العقلية، ويستهدف الأطفال الصغار ومرحلة ما قبل المدرسة المشخصين باضطراب طيف التوحد والمهتمين والمؤهلين للمشاركة في هذا البحث.
مراجع
The Critical Need for Tracing Individual Trajectories After an Early Diagnosis of Autism





