ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعتبر اضطراب طيف التوحد (ASD) في الوقت الراهن من الاضطرابات السلوكية المعقدة، حيث يتميز بصعوبات في التواصل الاجتماعي إلى جانب أنماط سلوكية محدودة ومتكررة، واهتمامات وأنشطة مقيدة. وتشير العديد من الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال المشخصين بهذا الاضطراب، قد تتراوح بين أربعين إلى ثمانين بالمئة، يواجهون تحديات في معالجة المعلومات الحسية، وهو ما ينعكس في صعوبة الاستجابة المناسبة للمحفزات الحسية المختلفة. هذه الصعوبات قد تؤثر على حياتهم اليومية وقدرتهم على التكيف مع البيئة المحيطة بهم بطريقة طبيعية ومريحة.
تهدف هذه الدراسة إلى فهم كيف يدرك الأهل والمهنيون معالجة الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد للمعلومات الحسية، مع التركيز على الفئة العمرية من ثلاث إلى ست سنوات. كما تبحث الدراسة في تأثير المتغيرات الاجتماعية والديموغرافية، بالإضافة إلى مستوى التعليم والخبرة المهنية للعاملين في مجال التدخل المبكر على تقييمهم لقدرات الأطفال الحسية.
اتبعت الدراسة منهجية كمية تعتمد على الاستدلال الإحصائي، مستخدمةً أداة تقييم معتمدة في البرتغال لتحديد مستوى التطور الحسي لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد. شملت العينة خمسين ولي أمر وخمسين متخصصًا في الرعاية والتدخل المبكر. أظهرت النتائج وجود اختلافات واضحة بين تقييمات الأهل وتقييمات المهنيين، حيث يميل المختصون إلى تقديم تقييمات أكثر إيجابية لأبعاد معالجة الحواس مقارنةً بآراء الأهل.
الملف الديموغرافي للأطفال المشاركين أظهر أن أغلبهم تمت إحالتهم من قبل الأطباء لتلقي التدخل المبكر، وأنهم يتلقون خدماتهم من فرق متعددة التخصصات. كما تبين أن غالبية أعضاء هذه الفرق يمتلكون خلفية تعليمية ومعرفة حول اضطراب طيف التوحد، إلا أن عددًا قليلاً منهم حصل على تدريب متخصص في مجالات التدخل المبكر أو التكامل الحسي، مما قد يشير إلى فجوة في التأهيل المهني المتخصص في هذا المجال الحساس. من اللافت للنظر أيضًا أن الدراسة لم تجد تأثيرًا واضحًا أو ذا دلالة إحصائية للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية على تقييمات الأهل أو المهنيين.
تعد عملية تقييم تطور الطفل ضمن برامج التدخل المبكر عملية معقدة تتطلب مزيجًا من المعرفة التخصصية من مختلف المجالات، إلى جانب مشاركة الأسرة بشكل نشط وتعاوني طوال فترة التقييم والتدخل. فالتقييم ليس مجرد عملية روتينية، بل هو عنصر أساسي لتحديد مدى حاجة الطفل للخدمات، ووضع الخطط العلاجية المناسبة، ومتابعة الأهداف التي يتم تحقيقها بمرور الوقت. في هذا السياق، تعتبر الأسرة حجر الزاوية في عملية التقييم، حيث تقدم معلومات حيوية حول مهارات الطفل وسلوكياته، كما تساهم في تعزيز التفاعل الإيجابي بين الطفل والمختصين.
تزداد تعقيدات عملية التقييم عندما يتعلق الأمر بالأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، نظرًا لصعوبة هؤلاء الأطفال في التواصل الاجتماعي والتعبير عن أنفسهم، إضافةً إلى السلوكيات المتكررة والمقيدة التي قد تعيق القدرة على تقييم مهاراتهم بشكل دقيق. ومن هنا، يأتي دور الأسرة في تقديم صورة واقعية عن قدرات الطفل، من خلال ملاحظاتهم اليومية وتجاربهم الشخصية، وهو ما يسمح للمختصين بتحديد نقاط القوة والضعف بدقة أكبر.
تشير الأبحاث إلى أن المواد والإجراءات المستخدمة في تقييم الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد ضمن برامج التدخل المبكر قد تطرح تحديات إضافية. فقد يجد الطفل صعوبة في إظهار مهاراته في بيئات غير مألوفة، أو عند التعامل مع مختصين جدد لم يعتد عليهم بعد. هذا الأمر قد يسبب قلقًا لكل من الطفل وولي الأمر، ويؤثر على دقة التقييم. لذلك، من الضروري أن تُكمل أدوات التقييم الرسمية والملاحظات السريرية بمعلومات الأهل أو مقدمي الرعاية المباشرين، بما يضمن صورة أكثر واقعية وشمولية لقدرات الطفل وسلوكه في الحياة اليومية.
تُظهر نتائج الدراسة أن هناك تفاوتًا بين تصورات الأهل والمختصين حول كيفية تعامل الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد مع المحفزات الحسية. فالأهالي عادة ما يلاحظون الصعوبات بشكل أكثر حدة، بينما قد يُظهر المختصون تقييمات أكثر إيجابية، ربما نتيجة معرفتهم بأساليب التدخل والمهارات التي يمكن للأطفال تطويرها تحت إشرافهم. هذا الفارق بين التقييمات يُبرز أهمية الحوار المستمر بين الأهل والمهنيين، وتبادل المعلومات حول ملاحظات كل طرف، من أجل الوصول إلى تقييم متوازن وشامل يعكس الواقع بأفضل صورة ممكنة.
علاوة على ذلك، أظهرت الدراسة أن وجود فرق متعددة التخصصات، بما فيها الأخصائيون في العلاج الوظيفي، وأخصائي التربية الخاصة، وأطباء الأطفال النفسيين، يعزز من جودة التقييم والتدخل، لأن كل مختص يضيف بعدًا معرفيًا يساهم في فهم الطفل بشكل أفضل. إلا أن قلة التدريب المتخصص في التكامل الحسي أو التدخل المبكر قد تحد من قدرة بعض المهنيين على تقديم تقييم دقيق وشامل لجميع جوانب معالجة الطفل الحسية، مما يسلط الضوء على الحاجة لتعزيز برامج التدريب المهني المتخصصة.
من خلال هذه النتائج، يمكن استنتاج أن عملية تقييم الإدراك الحسي لدى الأطفال المشخصين بطيف التوحد ليست مجرد عملية تقنية، بل هي تجربة معقدة تتطلب تعاونًا فعالًا بين الأسرة والمختصين. كما تؤكد الدراسة على أهمية التعليم والتدريب المستمر للمهنيين، ليس فقط في مجال اضطراب طيف التوحد بشكل عام، ولكن أيضًا في مجالات أكثر تخصصًا مثل التكامل الحسي والتدخل المبكر، لضمان تقديم خدمات عالية الجودة ومناسبة لكل طفل على حدة.
في الختام، تسلط هذه الدراسة الضوء على التباين في فهم الإدراك الحسي لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد بين الأهل والمختصين، وتؤكد على دور الأسرة المحوري في عملية التقييم والتدخل المبكر. كما تؤكد على ضرورة دعم المهنيين بالتدريب والخبرة العملية المتخصصة، لضمان تقديم تقييمات دقيقة وتدخلات فعّالة، بما يحقق أفضل النتائج للأطفال في مراحلهم الأولى من التطور. وعلى الرغم من عدم وجود تأثير كبير للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في هذه العينة، فإن النتائج تفتح المجال لمزيد من الدراسات التي تستكشف كيفية تحسين التواصل بين الأهل والمختصين، وتعزيز برامج التدريب المهني لتلبية احتياجات الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد بشكل أفضل.
بالإضافة إلى ما سبق، يُبرز هذا البحث أهمية تعزيز الوعي الحسي لدى الأهل والمختصين على حد سواء، إذ يمكن أن يؤدي فهم كيفية استجابة الطفل للمحفزات الحسية إلى تطوير استراتيجيات فعّالة لدعم التكيف اليومي. فعلى سبيل المثال، معرفة نوع المحفزات التي تسبب توترًا أو انزعاجًا للطفل تساعد في تعديل البيئة التعليمية والمنزلية، مما يقلل من السلوكيات التفاعلية السلبية ويعزز الاستقلالية. كما أن دمج الأسرة في العملية التقييمية والتدخلية يضمن توافق الإجراءات مع احتياجات الطفل الفردية، ويُسهم في تحسين جودة حياته بشكل ملموس.
المرجع:
Perception of sensory processing in children with
autism spectrum disorder: influences of age,
family education, and professional education
https://www.scielo.br/j/cadbto/a/YYzhwdfbfxjQCPvhNVtnCyk/?format=pdf&lang=en





