ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعدّ الصعوبات في المعالجة الحسية من السمات الأساسية المرتبطة باضطراب طيف التوحد، حيث أصبحت معترفًا بها بوصفها جزءًا جوهريًا من المعايير التشخيصية لهذا الاضطراب. وتتمثل هذه الصعوبات في الطريقة التي يستقبل بها الفرد المعلومات الحسية من البيئة المحيطة ومن جسده، ثم يفسرها ويستجيب لها. وتشمل المدخلات الحسية أنظمة متعددة مثل السمع، والبصر، واللمس، والشم، والتذوق، إضافة إلى الأنظمة العميقة كالإحساس بالحركة والتوازن وإدراك وضعية الجسد.
وتتسم الصعوبات الحسية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد بتنوعها الكبير من حيث الشكل والشدة، إذ قد يعاني بعضهم من فرط الاستجابة للمثيرات الحسية، في حين قد يظهر آخرون نقصًا في الاستجابة، أو مزيجًا متقلبًا بين الحالتين. هذا التباين الواسع يجعل من الصعب تعميم نمط حسي واحد على جميع الأفراد ضمن هذا الطيف، ويؤكد على أن التجربة الحسية هي تجربة فردية بحتة، تختلف من شخص لآخر، بل وقد تتغير لدى الشخص نفسه باختلاف الزمان والسياق.
تلعب هذه الصعوبات الحسية دورًا مؤثرًا في جوانب عديدة من الحياة اليومية، حيث قد تؤثر على قدرة الفرد على التفاعل الاجتماعي، والمشاركة في الأنشطة التعليمية، وأداء المهام اليومية، وحتى الشعور بالراحة والأمان في البيئات المختلفة. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي الأصوات المرتفعة أو الإضاءة القوية أو ملمس بعض الأقمشة إلى شعور بالانزعاج الشديد أو القلق، ما يدفع الفرد إلى الانسحاب أو إظهار سلوكيات يُساء فهمها أحيانًا على أنها سلوكيات غير مناسبة، بينما هي في حقيقتها استجابات لمحفزات حسية مرهقة.
ونتيجة لهذا التأثير الواسع، أصبحت التدخلات الحسية من أكثر الأساليب التي يُقترح استخدامها لدعم الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد. وتهدف هذه التدخلات إلى مساعدة الفرد على تنظيم مدخلاته الحسية وتحسين قدرته على التفاعل مع البيئة المحيطة بشكل أكثر راحة وتوازنًا. وغالبًا ما يتلقى أولياء أمور الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد معلومات وتوصيات متعددة من مختصين في المجالات الصحية والتعليمية حول كيفية التعامل مع هذه الصعوبات الحسية، سواء في المنزل أو المدرسة أو البيئات المجتمعية.
وتشير الأدبيات العلمية إلى أن الصعوبات الحسية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد تتميز بخصائص نوعية تختلف عن تلك التي قد تظهر لدى فئات أخرى. إذ يُعتقد أن هذه الصعوبات قد تكون مرتبطة بعوامل عصبية تتعلق بكيفية معالجة الدماغ للمعلومات الحسية، إضافة إلى عوامل نمائية وبيئية قد تسهم في تشكيل التجربة الحسية للفرد. كما تُطرح فرضيات متعددة حول الآليات الكامنة وراء هذه الصعوبات، من بينها الاختلافات في الترابط العصبي، أو في توازن الإثارة العصبية، أو في عمليات الدمج الحسي بين الأنظمة المختلفة.
ومع ذلك، تؤكد الدراسات الحديثة على ضرورة الحذر من النظر إلى الصعوبات الحسية بوصفها سمة ثابتة أو نمطًا جامدًا لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد. فالتجربة الحسية ليست فقط فردية، بل هي أيضًا ديناميكية؛ إذ قد تتغير استجابات الفرد الحسية تبعًا لحالته النفسية، ومستوى التوتر، والبيئة المحيطة، وطبيعة النشاط الذي يشارك فيه. على سبيل المثال، قد يتحمل الفرد مثيرًا حسيًا معينًا في سياق محدد، بينما يصبح هذا المثير نفسه مزعجًا في سياق آخر أكثر ازدحامًا أو ضغطًا.
في ضوء هذا التعقيد، تناقش الأدبيات مجموعة متنوعة من التدخلات الحسية، مع ربطها بالنظريات التي تستند إليها، وكذلك بالأدلة العلمية الداعمة لفعاليتها. وتشمل هذه التدخلات استراتيجيات متنوعة مثل تعديل البيئة الحسية، واستخدام أنشطة منظمة تهدف إلى تنظيم المدخلات الحسية، وتقديم أدوات أو وسائل مساعدة تساعد الفرد على التكيف مع المثيرات المحيطة. إلا أن فعالية هذه التدخلات تختلف باختلاف الفرد، ولا يمكن اعتبارها حلولًا عامة تنطبق على الجميع.
وتشدد المراجع العلمية على أهمية أن يتم اختيار التدخلات الحسية وتنفيذها ضمن إطار الممارسة المبنية على الدليل العلمي. ويعني ذلك أن يعتمد المختص في قراراته العلاجية على ثلاثة عناصر رئيسية: أفضل الأدلة البحثية المتاحة، والخبرة السريرية للممارس، واحتياجات الفرد وتفضيلاته الخاصة. فالتدخل الحسي الناجح هو ذلك الذي يُصمم بناءً على تقييم شامل للفرد، مع الأخذ في الاعتبار نقاط القوة والتحديات والسياق البيئي والاجتماعي الذي يعيش فيه.
كما توصي الأدبيات بضرورة المتابعة المستمرة وتقييم فاعلية التدخلات الحسية بشكل دوري، نظرًا للطبيعة المتغيرة للصعوبات الحسية. فالتدخل الذي يكون مناسبًا وفعالًا في مرحلة معينة قد يحتاج إلى تعديل أو استبدال في مرحلة لاحقة. ويُعد التعاون بين المختصين وأولياء الأمور والمعلمين عنصرًا أساسيًا لضمان تطبيق التدخلات بشكل متسق وملائم عبر مختلف البيئات التي يتواجد فيها الفرد.
يتضح أن الصعوبات في المعالجة الحسية تمثل جانبًا محوريًا في فهم تجربة الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، لما لها من تأثير مباشر على جودة حياتهم ومشاركتهم اليومية. وعلى الرغم من الخصائص المميزة لهذه الصعوبات لدى هذه الفئة، إلا أنها تظل تجربة فردية فريدة، تتأثر بعوامل متعددة وتختلف باختلاف الزمان والسياق. ومن هنا، تبرز أهمية تبني نهج علاجي مرن، مبني على الدليل العلمي، ويراعي الفروق الفردية، بهدف دعم الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد وتمكينهم من التفاعل مع بيئاتهم بشكل أكثر راحة واستقلالية.
كما تشير الأدبيات الحديثة إلى أن الفهم المتعمق للصعوبات الحسية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد يتطلب تجاوز النظرة التقليدية التي تركز فقط على الأعراض، والانتقال نحو فهم التجربة الحسية من منظور الشخص نفسه. فالكثير من السلوكيات التي تُفسَّر على أنها تحديات سلوكية أو صعوبات في التكيف قد تكون في جوهرها استجابات دفاعية أو تنظيمية ناتجة عن إجهاد حسي مزمن. ومن هذا المنطلق، فإن الاستماع إلى خبرات الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، وأخذ آرائهم وتفضيلاتهم بعين الاعتبار، يُعد عنصرًا أساسيًا في تصميم تدخلات حسية أكثر إنسانية وفاعلية.
كما تؤكد الدراسات على أهمية دمج التدخلات الحسية ضمن برامج شاملة لا تعمل بمعزل عن الجوانب النفسية، والاجتماعية، والتعليمية. فالتدخل الحسي وحده قد لا يكون كافيًا ما لم يُدعَم باستراتيجيات تعزز الشعور بالأمان، وتنظم الانفعالات، وتدعم مهارات التكيف. ويُنظر إلى البيئة الداعمة، سواء في المنزل أو المدرسة، بوصفها عاملًا محوريًا في تقليل الضغط الحسي وتحسين قدرة الفرد على المشاركة الفعالة.
وأخيرًا، تبرز الحاجة المستمرة إلى مزيد من البحوث عالية الجودة التي تقيم فاعلية التدخلات الحسية بمناهج علمية دقيقة، مع مراعاة الفروق الفردية والسياقات المختلفة. فتعزيز القاعدة المعرفية في هذا المجال يسهم في تطوير ممارسات مهنية أكثر وعيًا، ويضمن تقديم دعم يتسم بالمرونة والاحترام لتجربة الفرد الحسية، بما ينعكس إيجابًا على جودة حياته واندماجه المجتمعي.
المرجع:
Sensory interventions.
https://psycnet.apa.org/record/2023-11668-059





