ترجمة: أ. جنا الدوسري
تشير الأدبيات الحديثة إلى أن اضطراب طيف التوحد يُعد من الحالات النمائية الشائعة بين الأطفال في سن المرحلة الابتدائية، حيث تتراوح نسب انتشاره بشكل ملحوظ، ويصاحبه تأثيرات متعددة تمس الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية. من أبرز هذه التأثيرات ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية المصاحبة، وعلى رأسها القلق، إذ يُلاحظ أن نسبة كبيرة من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يعانون في الوقت ذاته من اضطراب قلق واحد على الأقل. هذا التداخل بين اضطراب طيف التوحد والقلق ينعكس بشكل مباشر على جودة حياة الطفل وأسرته، حيث يُبلغ الوالدان عن مستويات مرتفعة من الضغوط النفسية، إضافة إلى أعباء مالية قد تصل إلى فقدان جزئي أو كلي للدخل بسبب متطلبات الرعاية المستمرة.
ولا تقتصر آثار اضطراب طيف التوحد على نطاق الأسرة فقط، بل تمتد لتشمل البيئة المدرسية والاجتماعية، إذ يواجه الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد صعوبات واضحة في بناء العلاقات الاجتماعية، ويكونون أكثر عرضة للتنمر مقارنة بأقرانهم من الأطفال النمطيين. كما يميلون إلى تكوين عدد أقل من الصداقات، الأمر الذي يعزز شعور العزلة لديهم ويؤثر على نموهم الاجتماعي والانفعالي.
من الجوانب الجوهرية المرتبطة باضطراب طيف التوحد ما يُعرف بصعوبات المعالجة الحسية، وهي من السمات الشائعة جداً لدى هذه الفئة. تتمثل هذه الصعوبات في خلل في كيفية استقبال الدماغ للمثيرات الحسية من البيئة المحيطة وتفسيرها، سواء كانت سمعية أو بصرية أو لمسية أو حركية. ويظهر ذلك على شكل حساسية مفرطة لبعض المثيرات، كالأصوات العالية أو اللمس أو الروائح، أو على العكس، انخفاض الاستجابة لها. هذه الأنماط المختلفة من الاستجابة الحسية قد تؤدي إلى سلوكيات تبدو غير مفهومة للآخرين، لكنها في الواقع تعكس محاولة الطفل التكيف مع بيئة حسية غير مريحة له.
فعلى سبيل المثال، قد تؤدي الحساسية المفرطة إلى استجابات تشبه ردود الفعل الدفاعية للجهاز العصبي، مثل القلق الشديد أو الانسحاب أو حتى السلوك العدواني، نتيجة عدم القدرة على تحمل المثيرات. في المقابل، قد يظهر الأطفال ذوو الاستجابة المنخفضة نقصاً في الانتباه للمثيرات المحيطة، مما قد يؤثر على وعيهم بالبيئة وقدرتهم على التفاعل معها بشكل مناسب. هذا الخلل في المعالجة الحسية لا يؤثر فقط على السلوك، بل يمتد أيضاً ليشمل الجوانب الحركية، حيث قد يعاني الطفل من ضعف في التناسق الحركي، مما يحد من مشاركته في الأنشطة اليومية.
كما أن صعوبات تنظيم المدخلات الحسية، والتي تتضمن القدرة على تفسير المعلومات الحسية ودمجها بشكل متكامل، تُعد من التحديات الكبيرة لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. هذه الصعوبات قد تؤثر بشكل مباشر على أنشطة الحياة اليومية مثل الأكل والنوم وارتداء الملابس والعناية الشخصية، فضلاً عن مشاركتهم في الأنشطة الترفيهية. وبالتالي، فإنها تشكل عبئاً مستمراً على الطفل وأسرته، وتطرح تحديات طويلة الأمد أمام مقدمي الخدمات الصحية والتعليمية.
وفي السياق التعليمي، فإن ضعف الوعي بهذه الصعوبات أو عدم التعامل معها بشكل مناسب قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات السلوكية والاجتماعية، ويؤثر سلباً على التحصيل الدراسي والعلاقات مع الأقران. ورغم أن الآليات الدقيقة التي تربط بين صعوبات المعالجة الحسية وهذه النتائج لا تزال غير واضحة تماماً، إلا أن من المنطقي افتراض أن تحسين هذه الصعوبات قد يسهم في تحسين الأداء السلوكي والاجتماعي والتعليمي لدى الأطفال.
عند الانتقال إلى الجوانب العلاجية، يتضح أن هناك حاجة متزايدة إلى تدخلات فعالة تستهدف هذه الصعوبات الحسية. وتشير الإرشادات المهنية إلى أن كثيراً من الأسر ترى أن هناك نقصاً في الخدمات العلاجية، خاصة في مجال العلاج الوظيفي الذي يركز على تحسين قدرة الطفل على أداء أنشطة الحياة اليومية. وعلى الرغم من تنوع الأساليب العلاجية المستخدمة، إلا أنه لا يوجد حتى الآن دليل علمي كافٍ يدعم اعتماد طريقة علاجية واحدة بشكل قاطع، مما يستدعي المزيد من الأبحاث في هذا المجال.
يرتكز العلاج الوظيفي في جوهره على تمكين الطفل من المشاركة الفعالة في أنشطة حياته اليومية، من خلال مراعاة تفاعله مع البيئة المحيطة. وتتنوع الاستراتيجيات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف بين منهجين رئيسيين: الأول يُعرف بالمنهج “القاعدي” أو “من الأسفل إلى الأعلى”، والذي يركز على معالجة الخلل الأساسي في المعالجة الحسية نفسها، والثاني هو المنهج “الوظيفي” أو “من الأعلى إلى الأسفل”، والذي يركز على تعديل البيئة أو النشاط بما يتناسب مع قدرات الطفل.
في المنهج الثاني، يتم استخدام استراتيجيات حسية تهدف إلى التكيف مع احتياجات الطفل بدلاً من تغييرها، مثل تعديل الروتين اليومي أو البيئة المحيطة، أو تعليم الطفل مهارات التنظيم الذاتي للتعامل مع المثيرات الحسية. هذه الأساليب تُستخدم بشكل واسع في البيئات المنزلية والمدرسية، وغالباً ما تُعد جزءاً من الرعاية المعتادة.
أما المنهج الأول، فيشمل تدخلات أكثر تخصصاً، مثل العلاج بالتكامل الحسي، والذي يعتمد على أنشطة قائمة على اللعب تهدف إلى تحسين قدرة الطفل على معالجة المعلومات الحسية من خلال تجارب حسية حركية منظمة وموجهة. يتم تنفيذ هذا النوع من العلاج ضمن إطار تفاعلي بين المعالج والطفل، بحيث يتم تقديم أنشطة تتناسب مع مستوى الطفل وتحدياته، فيما يُعرف بمبدأ “التحدي المناسب”.
إضافة إلى ذلك، توجد تدخلات حسية تُطبق بشكل مباشر من قبل البالغين، مثل استخدام البطانيات الثقيلة أو السترات الضاغطة أو أنشطة التأرجح، وتهدف إلى التأثير على استجابات الطفل الحسية وتنظيم سلوكه. وعلى الرغم من انتشار هذه الأساليب، إلا أن الأدلة العلمية الداعمة لفعاليتها ما تزال محدودة، خاصة فيما يتعلق بتحسين الأداء الوظيفي على المدى الطويل.
وقد أظهرت مراجعات علمية أن معظم الدراسات التي تناولت هذه التدخلات كانت محدودة من حيث التصميم والمنهجية، وغالباً ما اعتمدت على عينات صغيرة أو دراسات حالة فردية، مما يقلل من إمكانية تعميم النتائج. كما أن بعض الدراسات التي أظهرت نتائج إيجابية لم تتمكن من عزل تأثير التدخل الحسي عن عوامل أخرى، مثل استخدام تقنيات سلوكية مرافقة.
في المقابل، يُعد العلاج بالتكامل الحسي من الأساليب التي حظيت باهتمام متزايد، خاصة عند تطبيقه وفق معايير دقيقة تضمن جودة التنفيذ. وتشير بعض الدراسات إلى أنه قد يسهم في تحسين الأهداف الفردية للأطفال، خصوصاً عندما يكون التدخل منظماً ويعتمد على مشاركة الطفل الفعالة. ومع ذلك، لا تزال الحاجة قائمة لإجراء المزيد من الدراسات المحكمة التي توضح مدى فعاليته بشكل قاطع.
في المجمل، يمكن القول إن صعوبات المعالجة الحسية تمثل جانباً محورياً في فهم اضطراب طيف التوحد والتعامل معه، لما لها من تأثيرات واسعة على مختلف جوانب حياة الطفل. كما أن تطوير تدخلات علاجية فعالة ومبنية على أدلة علمية قوية يُعد ضرورة ملحة لتحسين جودة حياة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد وأسرهم، ودعم اندماجهم بشكل أفضل في المجتمع.
المرجع:
Sensory integration therapy for children with autism and sensory processing difficulties: the SenITA RCT
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK581602/





