الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

صعوبات المعالجة الحسية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ومشاركتهم اليومية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

دراسة مقارنة مع الأطفال ذوي النمو الطبيعي

اضطراب طيف التوحد هو حالة نمائية عصبية تتسم بوجود صعوبات مستمرة في التواصل الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين عبر مواقف وسياقات متعددة. ولا تقتصر التحديات التي يواجهها الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد على الجوانب الاجتماعية فحسب، بل تمتد لتشمل طريقة معالجة الدماغ للمثيرات الحسية، وهو ما يُعرف بصعوبات المعالجة الحسية. هذه الصعوبات قد تؤثر بشكل مباشر على مشاركة الطفل في أنشطة الحياة اليومية، أو ما يُشار إليه بمفهوم “الاشتغال الطفولي”، والذي يشمل اللعب، والتعلم، والتفاعل الاجتماعي، والأنشطة الروتينية المختلفة. ومن هذا المنطلق، هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين أنماط المعالجة الحسية ومستوى مشاركة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد في أنشطتهم اليومية، مقارنةً بأقرانهم من الأطفال ذوي النمو الطبيعي.

اعتمدت الدراسة على عينة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين ست إلى عشر سنوات، حيث تم تقسيمهم إلى مجموعتين: مجموعة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، ومجموعة أخرى من الأطفال ذوي النمو الطبيعي تماثلهم في العمر والجنس، وذلك بهدف تحقيق مقارنة عادلة ودقيقة. وقد جُمعت البيانات من خلال أولياء الأمور، باعتبارهم المصدر الأكثر اطلاعًا على سلوكيات أطفالهم اليومية وأنماط تفاعلهم مع البيئة المحيطة. استخدم الباحثون أداتين رئيسيتين لقياس المتغيرات: الأولى مقياس المعالجة الحسية المختصر، والذي يهدف إلى تقييم كيفية استجابة الطفل للمثيرات الحسية المختلفة، والثانية مقياس مشاركة الطفل في الأنشطة اليومية، والذي يقيس مستوى المشاركة من حيث التكرار، والقدرة، والاستمتاع.

أظهرت النتائج أن نسبة كبيرة من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يعانون من صعوبات واضحة في المعالجة الحسية مقارنةً بالأطفال ذوي النمو الطبيعي. هذه الصعوبات لم تكن متشابهة في جميع الأنماط الحسية، بل ظهرت بشكل ملحوظ في عدة مجالات مثل الحساسية للأصوات، والاستجابة للمثيرات البصرية، والتفاعل مع اللمس، بينما لم تظهر فروق ذات دلالة في جانب الحساسية للحركة. ويشير ذلك إلى أن بعض الجوانب الحسية قد تكون أكثر تأثرًا باضطراب طيف التوحد من غيرها، الأمر الذي يستدعي تركيزًا خاصًا عند التقييم والتدخل.

ومن الجوانب اللافتة في نتائج الدراسة أن الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد أظهروا مستويات أقل من المشاركة في الأنشطة اليومية مقارنةً بأقرانهم. وقد تجلى ذلك في انخفاض تكرار مشاركتهم في الأنشطة، وكذلك في مستوى أدائهم واستمتاعهم بها. هذا الانخفاض في المشاركة لا يُعزى فقط إلى الصعوبات الاجتماعية المعروفة في اضطراب طيف التوحد، بل يرتبط بشكل وثيق بصعوبات المعالجة الحسية التي قد تجعل بعض الأنشطة اليومية مرهقة أو غير مريحة للطفل، مما يدفعه إلى تجنبها أو الانسحاب منها.

عند تحليل العلاقة بين صعوبات المعالجة الحسية ومستوى المشاركة، تبين أن هناك ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بين بعض أنماط المعالجة الحسية وانخفاض المشاركة. ومن أبرز هذه الأنماط ما يُعرف بـ”تصفية المدخلات السمعية”، وهو قدرة الطفل على تنظيم الأصوات المحيطة والتركيز على الأصوات المهمة. وقد وُجد أن هذا الجانب تحديدًا يرتبط بشكل مباشر بجميع أبعاد المشاركة، بما في ذلك مدى صعوبة النشاط بالنسبة للطفل، وعدد مرات مشاركته فيه، ومدى استمتاعه به. وهذا يعني أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات في معالجة الأصوات قد يواجهون تحديات أكبر في الانخراط في الأنشطة اليومية، خاصة تلك التي تتطلب تفاعلًا في بيئات مليئة بالمثيرات السمعية مثل المدارس أو الأماكن العامة.

تشير هذه النتائج إلى أن صعوبات المعالجة الحسية ليست مجرد عرض جانبي في اضطراب طيف التوحد، بل هي عامل أساسي يؤثر على جودة حياة الطفل وقدرته على التفاعل مع محيطه. كما تسلط الضوء على أهمية النظر إلى الطفل بشكل شامل، بحيث لا يقتصر التركيز على الأعراض السلوكية أو الاجتماعية، بل يشمل أيضًا الجوانب الحسية التي قد تكون أقل وضوحًا لكنها ذات تأثير عميق.

ومن الناحية التطبيقية، تؤكد الدراسة على أهمية الكشف المبكر عن صعوبات المعالجة الحسية لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، لما لذلك من دور في تحسين نتائج التدخل العلاجي. فكلما تم التعرف على هذه الصعوبات في وقت مبكر، زادت فرص تقديم تدخلات مناسبة تساعد الطفل على التكيف مع بيئته وتحسين مشاركته في الأنشطة اليومية. كما تبرز الدراسة دور الأسرة، خاصة الوالدين، كشركاء أساسيين في عملية التدخل، حيث يمكن تدريبهم على فهم احتياجات طفلهم الحسية وتقديم الدعم المناسب له في المنزل.

ولا يقتصر الهدف من التدخل على تقليل الصعوبات فحسب، بل ينبغي أيضًا التركيز على نقاط القوة لدى الطفل، والعمل على تعزيزها واستثمارها في تحسين مستوى المشاركة. فكل طفل يمتلك قدرات فريدة يمكن البناء عليها، وإذا ما تم دمج هذه القدرات مع تدخلات حسية مناسبة، يمكن تحقيق تحسن ملحوظ في جودة حياته.

في الختام، تقدم هذه الدراسة إسهامًا مهمًا في فهم العلاقة بين المعالجة الحسية ومشاركة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد في أنشطتهم اليومية. وتؤكد على أن تحسين هذه المشاركة يتطلب نهجًا شاملاً يجمع بين التقييم الدقيق، والتدخل المبكر، ومشاركة الأسرة، مع مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال. كما تدعو إلى مزيد من البحث في هذا المجال، خاصة فيما يتعلق بتطوير أدوات تقييم أكثر دقة، وتصميم برامج تدخل تستهدف الجوانب الحسية بشكل مباشر، بما يسهم في دعم الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد وتمكينهم من العيش بصورة أكثر استقلالية واندماجًا في المجتمع.

كما تفتح هذه النتائج المجال للتفكير في تصميم البيئات التعليمية والعلاجية بطريقة تراعي الاحتياجات الحسية للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، بحيث يتم تقليل المثيرات المزعجة، خاصة الضوضاء، وتوفير مساحات هادئة تساعد الطفل على التركيز والانخراط بشكل أفضل. فمثلًا، يمكن استخدام سماعات عازلة للصوت، أو تنظيم الصفوف بطريقة تقلل من التشتت السمعي والبصري، مما ينعكس إيجابيًا على مستوى مشاركة الطفل وتفاعله.

إضافةً إلى ذلك، من المهم تدريب المعلمين والأخصائيين على التعرف على مؤشرات صعوبات المعالجة الحسية، والتعامل معها بمرونة داخل الصف أو الجلسات العلاجية. فالفهم الجيد لهذه الصعوبات يساعد في تعديل الأنشطة لتناسب قدرات الطفل، بدلًا من إجباره على التكيف مع بيئة غير مناسبة له. كما يمكن إدخال استراتيجيات حسية ضمن الروتين اليومي، مثل فترات استراحة حسية، أو أنشطة منظمة تساعد الطفل على تنظيم استجاباته الحسية. كل ذلك يسهم في تعزيز شعور الطفل بالأمان والقدرة، ويزيد من فرص مشاركته الفعالة في مختلف جوانب حياته اليومية.

المرجع:

Sensory processing and its relationship to participation among childhood occupations in children with autism spectrum disorder: exploring the profile of differences

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10071971/