الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلاج بالتكامل الحسي لدى الأطفال ذوي التوحد: دراسة منهجية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

يُعد اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات النمائية الشائعة التي ترافق الفرد مدى الحياة، ويؤثر بصورة مباشرة في طريقة تفاعله مع الآخرين ومع البيئة المحيطة به. لا يقتصر تأثير اضطراب طيف التوحد على الجوانب الاجتماعية والتواصلية فحسب، بل يمتد ليشمل أنماط الاستجابة للمثيرات الحسية المختلفة. فكثير من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبات في معالجة المعلومات الحسية المرتبطة بالصوت، واللمس، والحركة، والطعم، والرؤية. وقد تتجلى هذه الصعوبات في صورة حساسية مفرطة للمثيرات، مثل الانزعاج الشديد من الأصوات المرتفعة أو حتى الضوضاء الخفيفة المستمرة كما يحدث في الصف الدراسي، أو على العكس قد يظهر لدى بعضهم انخفاض في الاستجابة للمثيرات الحسية، بحيث لا يتفاعلون معها بالشكل المتوقع.

هذه الصعوبات في المعالجة الحسية لا تُعد مسألة ثانوية، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشكلات السلوكية والاجتماعية، كما تؤثر في التحصيل التعليمي، ونوعية العلاقات، والمشاركة في أنشطة الحياة اليومية. فعندما يعجز الطفل عن تنظيم استجابته الحسية، قد يظهر سلوكيات انسحابية أو اندفاعية أو نوبات انفعالية، ما ينعكس على أدائه الأكاديمي وتفاعله الاجتماعي وشعوره العام بالرفاه.

من بين التدخلات العلاجية المطروحة لمعالجة هذه الصعوبات يبرز العلاج بالتكامل الحسي، وهو تدخل علاجي يُقدَّم وجهًا لوجه من قبل أخصائيي العلاج الوظيفي المدربين تدريبًا متخصصًا. يعتمد هذا العلاج على أنشطة حسية–حركية قائمة على اللعب، ويتم تصميمها وفق مبدأ “التحدي المناسب”، أي تقديم مستوى من المثيرات يتناسب مع قدرات الطفل بحيث يكون محفزًا دون أن يكون مرهقًا. الهدف من هذا النهج هو تحسين قدرة الطفل على معالجة المدخلات الحسية وتنظيم استجابته لها، مما يؤدي إلى خفض مستويات التوتر والانزعاج، وتعزيز المهارات الحركية، ودعم الاستجابات التكيفية، وتحسين الانتباه، وزيادة جودة التفاعل مع الآخرين.

ورغم الانتشار الواسع لاستخدام العلاج بالتكامل الحسي في الممارسات السريرية، إلا أن الأدلة البحثية عالية الجودة حول فاعليته لا تزال محدودة نسبيًا. لذلك جاءت هذه الدراسة لتضع إطارًا علميًا دقيقًا لتعريف هذا التدخل وتقييمه بصورة منهجية، من خلال تصميم تجربة عشوائية محكمة ذات طابع عملي يعكس الواقع العلاجي الفعلي.

تعتمد الدراسة على تصميم تجريبي يقارن بين مجموعتين: مجموعة تتلقى العلاج بالتكامل الحسي وفق بروتوكول علاجي منظم، ومجموعة تتلقى الرعاية المعتادة المتوفرة في المجتمع. يشارك في الدراسة أطفال في المرحلة الابتدائية ممن تم تشخيصهم باضطراب طيف التوحد ويعانون من صعوبات في المعالجة الحسية. يتم توزيع الأطفال بشكل فردي وعشوائي على إحدى المجموعتين لضمان العدالة المنهجية وتقليل التحيز.

يُقدَّم العلاج في عيادات تلتزم بمعايير صارمة لضمان الالتزام الكامل ببروتوكول العلاج بالتكامل الحسي كما هو محدد في الدليل العلاجي المعتمد. ويُنفَّذ التدخل على مدى زمني ممتد، يبدأ بمرحلة مكثفة من الجلسات الحضورية، ثم يتبعها تقليل تدريجي في عدد الجلسات مع استمرار المتابعة عبر التواصل الهاتفي. يهدف هذا التدرج إلى ترسيخ المهارات المكتسبة وتعزيز تعميمها في البيئة اليومية للطفل.

تشمل عملية التقييم متابعات دورية بعد بدء التدخل بفترات زمنية كافية تسمح بقياس التغيرات المستدامة، وليس فقط التحسن قصير المدى. ويتم قياس مجموعة واسعة من المؤشرات، تشمل الجوانب السلوكية، والوظيفية، والاجتماعية، والتعليمية، إضافة إلى مؤشرات الرفاه النفسي لكل من الطفل وأسرته. كما تهتم الدراسة بتقييم الجدوى الاقتصادية للتدخل، أي مدى كلفته مقارنة بالفوائد المحققة، وهو جانب بالغ الأهمية في اتخاذ قرارات السياسات الصحية والتعليمية.

وقبل بدء تنفيذ الدراسة، تم إشراك المعالجين في مناقشات ومقابلات تهدف إلى استكشاف طبيعة الرعاية المعتادة المقدمة في المناطق المشاركة، وذلك لرسم صورة واضحة عن الخدمات المتاحة خارج إطار الدراسة. كما دُعي أولياء الأمور إلى المشاركة في استبيانات إلكترونية لتوثيق تجاربهم مع الخدمات الحالية، بما يساهم في فهم السياق الواقعي الذي يتلقى فيه الأطفال الدعم.

وخلال فترة الدراسة، يُطلب من مقدمي الرعاية تدوين يوميات توثق تواصلهم مع الخدمات المختلفة، مما يتيح للباحثين تتبع مسار الدعم الذي يتلقاه الطفل بصورة شاملة. وبعد انتهاء فترة التدخل، تُجرى مقابلات مع كل من أولياء الأمور والمعالجين لاستكشاف تجاربهم وانطباعاتهم، وهو ما يضيف بعدًا نوعيًا يكمل النتائج الكمية المستخلصة من أدوات القياس.

تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تكتفي بتقييم فعالية العلاج من الناحية السريرية، بل تسعى أيضًا إلى فحص أثره على الحياة اليومية للطفل والأسرة، ومدى قابليته للتطبيق في السياقات الواقعية. كما أنها تُسهم في توضيح مكونات العلاج بالتكامل الحسي بصورة دقيقة، بما يساعد على توحيد الممارسة المهنية وتقليل التباين بين المعالجين.

ومن المتوقع أن تسهم نتائج هذه التجربة في سد فجوة معرفية مهمة في مجال التدخلات الحسية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. فإذا ثبتت فعالية العلاج بالتكامل الحسي من الناحية الإكلينيكية والاقتصادية، فقد يدعم ذلك اعتماده بصورة أوسع ضمن الخدمات الصحية والتعليمية. أما إذا لم تُظهر النتائج فروقًا ذات دلالة مقارنة بالرعاية المعتادة، فسيكون لذلك أيضًا قيمة علمية كبيرة، إذ سيساعد في توجيه الموارد نحو تدخلات أكثر فاعلية.

بوجه عام، تمثل هذه الدراسة خطوة منهجية متقدمة نحو بناء قاعدة أدلة قوية في مجال التدخلات الحسية، وتؤكد أهمية الجمع بين المنهج التجريبي الصارم والفهم الواقعي لتجارب الأسر والمعالجين. كما تعكس توجهًا معاصرًا في البحث العلمي يركز على جودة الحياة والنتائج الوظيفية ذات المعنى، وليس فقط المؤشرات السريرية الضيقة.

في ضوء ما سبق، فإن هذا البروتوكول البحثي لا يُعد مجرد خطة لتنفيذ تجربة علمية، بل هو محاولة متكاملة لتقييم تدخل شائع الاستخدام وفق أعلى المعايير المنهجية، بما يضمن تقديم توصيات مبنية على أدلة واضحة تخدم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم، وتعزز من جودة الخدمات المقدمة لهم على المدى الطويل.

إضافةً إلى ذلك، تولي الدراسة اهتمامًا بالغًا لفهم تأثير التدخل على الأسر، إذ أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات المعالجة الحسية غالبًا ما يكونون سببًا لارتفاع مستويات الضغط النفسي لدى أولياء أمورهم. من خلال متابعة نتائج الطفل جنبًا إلى جنب مع تقييم رفاهية الأسرة، تهدف الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة للتأثيرات المباشرة وغير المباشرة للعلاج بالتكامل الحسي. هذه الرؤية المتكاملة تسمح بفهم أعمق لكيفية دعم الطفل داخل بيئته اليومية، وتساعد المعالجين وصانعي القرار على تصميم برامج علاجية أكثر استجابة لاحتياجات الأسرة، مع تعزيز المشاركة الإيجابية للطفل في أنشطة الحياة اليومية والمدرسية والاجتماعية.

المرجع:

Sensory integration therapy versus usual

care for sensory processing difficulties in

autism spectrum disorder in children: study

protocol for a pragmatic randomised

controlled trial

https://d-nb.info/1180586425/34