الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

سلوكيات إيذاء الذات في اضطراب طيف التوحد: بين الألم والتواصل والتنظيم الحسي

 

ترجمة : أ. جنا الدوسري

 

تشير الأدبيات العلمية إلى أن نسبة ملحوظة من الأطفال على اضطراب طيف التوحد يظهرون أنماطًا من سلوكيات إيذاء الذات، مثل ضرب الرأس، عضّ الجلد، أو خدشه بشكل متكرر. وتمثل هذه الظاهرة مصدر قلق حقيقي للأسر، إذ يجد الوالدان أنفسهم أمام سلوك يبدو مؤلمًا وخطرًا في آنٍ واحد، ويبحثون عن تفسير علمي واستراتيجيات عملية للحد منه. في هذا المقال نستعرض الأسباب المحتملة وراء هذه السلوكيات، ونناقش الفهم العلمي لها، إلى جانب بعض التوجهات الداعمة للتعامل معها.

لماذا يضرب بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد أنفسهم؟

عند الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، قد يكون ضرب الرأس أو أي شكل آخر من أشكال إيذاء الذات وسيلة لتنظيم الذات أو التعبير عن احتياجات غير مُلبّاة. كثير من الأطفال في سنواتهم الأولى يلجؤون إلى حركات إيقاعية متكررة لتهدئة أنفسهم، مثل التأرجح أو هزّ الرأس. هذه الحركات ترتبط بما يُعرف بالتحفيز الدهليزي (Vestibular Stimulation)، وهو نوع من المدخلات الحسية المرتبطة بالتوازن والحركة، ويُعتقد أنه يمنح الطفل إحساسًا بالاستقرار والأمان يشبه الإحساس الذي كان يعيشه داخل الرحم.

من هنا يمكن فهم أن بعض الأطفال قد يستخدمون ضرب الرأس كوسيلة لخلق إحساس حسي معين يساعدهم على التهدئة أو تنظيم انفعالاتهم. وتشمل السلوكيات الأخرى التي قد تؤدي وظيفة مشابهة: دحرجة الرأس، التأرجح بالجسم، العضّ، أو مصّ الإبهام. هذه الأفعال لا تكون عشوائية بالضرورة، بل قد تحمل وظيفة نفسية أو حسية واضحة بالنسبة للطفل.

الدافع إلى هذا النوع من التنظيم الذاتي قد يكون مرتبطًا بعدة عوامل، من أبرزها:

  • وجود ألم جسدي غير مُعبّر عنه لفظيًا.

  • الرغبة في جذب الانتباه.

  • اضطرابات في معالجة المعلومات الحسية.

  • محاولة للتواصل في ظل محدودية اللغة.

تشير بعض الطروحات الطبية إلى أن الحركات الإيقاعية المتكررة تُفعّل ما يُعرف بمنعكس التهدئة لدى الرضّع وصغار السن، وهو استجابة فطرية تسهم في خفض التوتر. من الملاحظ أن عددًا من الأطفال على الطيف قد يبدأون بضرب الرأس في عمر مبكر، إلا أن أقرانهم من الأطفال النمائيين عادة ما يتوقفون عن هذه السلوكيات مع تقدم العمر، بينما قد تستمر لدى بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد لفترة أطول.

الطبيعة التكرارية لسلوك ضرب الرأس

يُصنَّف ضرب الرأس ضمن فئة السلوكيات النمطية المتكررة، وهي سلوكيات قد تتكرر بمعدل مرتفع للغاية، وأحيانًا بشكل متلاحق خلال فترة زمنية قصيرة. قد يظهر السلوك في صورة نوبات متقطعة مرتبطة بمثير محدد، كصوت مزعج أو تغيير في الروتين، وقد يبدو أحيانًا وكأنه يحدث دون سبب واضح.

لذلك يُعد الرصد الدقيق للسياق الذي يسبق السلوك خطوة أساسية لفهمه. ملاحظة ما حدث قبل السلوك مباشرة — مثل طلب لم يُستجب له، أو انتقال مفاجئ بين أنشطة، أو وجود مثير حسي قوي — قد يساعد في تحديد المحفزات المحتملة. هذا التحليل يُعرف في علم تحليل السلوك التطبيقي بتحليل المثيرات السابقة (Antecedents)، وهو أداة مهمة في فهم وظيفة السلوك.

عندما يستمر ضرب الرأس بعد سن الثانية والنصف أو الثالثة، غالبًا ما يكون وراءه أحد أربعة تفسيرات رئيسية:

  1. وجود ألم جسدي.

  2. محاولة للتواصل.

  3. سلوك يهدف إلى جذب الانتباه.

  4. استجابة لحمل حسي زائد أو لنقص في المدخلات الحسية.

إيذاء الذات كاستجابة للألم

قد يتساءل بعض الوالدين: كيف يمكن لطفل يعاني أصلًا من ألم أن يزيد ألمه عبر ضرب رأسه؟ هذا التساؤل منطقي ظاهريًا، لكنه يتجاهل جانبًا مهمًا في فهم سلوك إيذاء الذات. في بعض الحالات، يعمل ضرب الرأس كوسيلة لتشتيت الانتباه عن ألم داخلي أشد أو أكثر إزعاجًا. الألم الجديد الناتج عن الضرب قد يكون أكثر وضوحًا أو قابلية للسيطرة، مقارنة بألم داخلي غير مفهوم أو غير مُعبّر عنه.

على سبيل المثال، قد يعاني الطفل من ألم في الأذن أو الأسنان أو البطن، ولا يملك القدرة اللغوية للتعبير عنه. فيلجأ إلى ضرب الرأس، ليس رغبة في إيذاء نفسه، بل كطريقة غير مباشرة للتعامل مع الإحساس غير المريح. لذلك من الضروري عند ملاحظة هذا السلوك إجراء تقييم طبي شامل للتأكد من عدم وجود أسباب عضوية، مثل التهابات، كدمات، تورم، أو إصابات غير مرئية.

استشارة طبيب الأطفال خطوة محورية في هذه المرحلة، إذ يمكنه فحص الطفل بدقة واستبعاد الأسباب الجسدية المحتملة. معالجة الألم إن وُجد قد تؤدي إلى انخفاض ملحوظ في السلوك دون الحاجة إلى تدخلات سلوكية مكثفة.

التواصل المحدود ودوره في السلوك

الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد الذين يواجهون صعوبات في التواصل قد يستخدمون السلوكيات الجسدية كوسيلة لإيصال رسالة. إذا لم يتمكن الطفل من التعبير عن الجوع، أو الإرهاق، أو الإحباط، فقد يظهر ذلك في صورة سلوك مؤذٍ للذات. من هنا يصبح السلوك لغة بديلة.

في هذه الحالات، يكون التدخل الأمثل هو تعزيز مهارات التواصل البديلة، سواء عبر التدريب على اللغة المنطوقة، أو استخدام وسائل تواصل معززة وبديلة (مثل الصور أو الأجهزة اللوحية). كلما ازدادت قدرة الطفل على التعبير عن احتياجاته بطرق مفهومة، قلّت حاجته إلى استخدام سلوكيات مؤذية كوسيلة للتعبير.

البحث عن الانتباه

أحيانًا يتعلم الطفل — دون وعي — أن ضرب الرأس يؤدي إلى استجابة فورية من الوالدين، سواء كانت هذه الاستجابة قلقًا أو توبيخًا أو احتضانًا. فيتحول السلوك إلى وسيلة فعالة لجذب الانتباه. في هذه الحالة، لا يكون الهدف هو الألم بحد ذاته، بل الاستجابة الاجتماعية التي تليه.

التعامل مع هذا النوع من السلوك يتطلب توازنًا دقيقًا: حماية الطفل ومنع الأذى، مع تقليل التعزيز غير المقصود للسلوك. يُنصح هنا بتعزيز السلوكيات الإيجابية البديلة، ومنح الانتباه بشكل استباقي عند ظهور سلوكيات مناسبة، بدلاً من ربط الانتباه فقط بالسلوك المؤذي.

الحمل الحسي الزائد أو النقص الحسي

يعاني كثير من الأطفال على الطيف من اضطرابات في معالجة المعلومات الحسية. بعضهم يكون شديد الحساسية للأصوات أو الأضواء أو اللمس، ما يؤدي إلى حالة من الحمل الحسي الزائد (Sensory Overload). في هذه الحالة قد يكون ضرب الرأس محاولة لتفريغ التوتر الناتج عن هذا الفيض الحسي.

في المقابل، قد يسعى بعض الأطفال إلى تحفيز حسي إضافي إذا كانوا يعانون من نقص في المدخلات الحسية. فيضربون رؤوسهم للحصول على إحساس قوي ومباشر يساعدهم على الشعور بالوجود أو التركيز.

التدخل هنا قد يشمل العمل مع أخصائي علاج وظيفي لتصميم برنامج تكامل حسي يلبي احتياجات الطفل، سواء عبر تقليل المثيرات المزعجة أو توفير بدائل حسية آمنة (مثل الوسائد الثقيلة أو الأنشطة الحركية المنظمة).

خلاصة

سلوكيات إيذاء الذات، مثل ضرب الرأس، ليست مجرد أفعال عشوائية أو تحديات سلوكية بسيطة، بل غالبًا ما تكون مؤشرات على احتياجات غير مُلبّاة أو صعوبات تنظيمية عميقة. الفهم الدقيق لوظيفة السلوك — هل هو استجابة لألم؟ أم محاولة تواصل؟ أم بحث عن انتباه؟ أم تنظيم حسي؟ — هو الخطوة الأولى نحو التدخل الفعّال.

بدلاً من التركيز فقط على إيقاف السلوك، ينبغي السعي إلى فهم الرسالة الكامنة وراءه، وتقديم بدائل آمنة وفعالة تساعد الطفل على تلبية احتياجاته بطرق صحية. بهذا النهج المتكامل، يمكن للأسرة أن تتحول من موقع القلق والحيرة إلى موقع الفهم والدعم الواعي.

 

المرجع:

Autism, Head Banging, and Other Self-Harming Behavior

https://www.autismparentingmagazine.com/autism-self-harm/?srsltid=AfmBOorp-lEzv2XbQldVj1az5lgdwxm233r1Hl1wnrzm7qv-ofL8kYqd