الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

مستوى الوعي المجتمعي باضطراب طيف التوحد لدى سكان مدينة هانوي

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

دراسة تحليلية للعوامل المؤثرة واتجاهات المعرفة والتصورات العامة

يُعد اضطراب طيف التوحّد (ASD) أحد الاضطرابات النمائية العصبية المعقّدة التي تؤثر بشكل مباشر على نمو الطفل من حيث قدراته على التواصل الاجتماعي، والتفاعل مع الآخرين، إضافة إلى أنماط السلوك والتصرفات. ويُلاحظ في السنوات الأخيرة أن هذا الاضطراب أصبح أكثر شيوعًا في المجتمعات الحديثة، مما جعله قضية صحية ونفسية ذات أهمية متزايدة على مستوى الصحة العامة، خصوصًا فيما يتعلق بصحة الأطفال. ومن هنا برزت الحاجة الملحّة إلى الكشف المبكر والتدخل العلاجي المبكر للأطفال الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد، لا سيما في البيئات الحضرية التي تشهد كثافة سكانية وتطورًا اجتماعيًا سريعًا، مثل مدينة هانوي.

ينطلق هذا البحث من محاولة فهم مستوى الوعي المجتمعي تجاه اضطراب طيف التوحد، من حيث المعرفة العامة، والاتجاهات، والعوامل المؤثرة في تشكيل هذا الوعي لدى سكان مدينة هانوي. وقد اعتمدت الدراسة على مسح اجتماعي شمل عينة من السكان، حيث تم جمع بيانات من استبيانات صالحة للتحليل بهدف تقييم مستوى الفهم العام لهذا الاضطراب داخل المجتمع المدروس.

وأظهرت النتائج أن سكان هانوي يمتلكون مستوى وعي يُعد إيجابيًا إلى حد ما فيما يتعلق باضطراب طيف التوحد، خاصة في الجوانب الأساسية المرتبطة بالتعرّف على بعض العلامات الأولية للاضطراب، إضافة إلى إدراك أهمية التدخل المبكر في تحسين نتائج الأطفال المشخّصين. إلا أن الدراسة في المقابل أوضحت وجود قصور واضح في قدرة الأفراد على التمييز الدقيق بين اضطراب طيف التوحد وغيره من الاضطرابات النمائية أو السلوكية المشابهة، وهو ما يعكس وجود فجوة معرفية تحتاج إلى معالجة.

كما بيّنت النتائج أن مصادر التأثير في تشكيل الوعي تختلف في قوتها، حيث تبين أن دور العائلة والأصدقاء في رفع مستوى الوعي كان محدودًا، في حين لعبت وسائل الإعلام، إضافة إلى المجتمع المحيط، دورًا أكثر تأثيرًا في تشكيل المعرفة العامة حول الاضطراب. وهذا يشير إلى أن المعلومات المتعلقة باضطراب طيف التوحد تصل إلى الأفراد بشكل أكبر عبر القنوات الإعلامية والمنصات المجتمعية، أكثر من كونها ناتجة عن تفاعل اجتماعي مباشر داخل الدوائر الشخصية الضيقة.

وتقترح الدراسة مجموعة من التوصيات التي تهدف إلى تعزيز مستوى الوعي المجتمعي، من أهمها تطوير أساليب التواصل الإعلامي بشكل أكثر تنظيمًا وموثوقية، وتوفير برامج تدريبية وتوعوية تستهدف كلًا من المعلمين وأولياء الأمور، نظرًا لدورهم الحيوي في اكتشاف الحالات في مراحل مبكرة. كما تؤكد الدراسة على أهمية إنشاء وتفعيل برامج دعم مجتمعي تسهم في رفع مستوى الفهم العام، وتساعد في تقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة باضطراب طيف التوحد، والتي قد تشكل عائقًا أمام التشخيص المبكر والتدخل المناسب.

وفي مقدمة الدراسة، يتم التأكيد على أن اضطراب طيف التوحد يُعرف بأنه اضطراب نمائي عصبي يتميز بصعوبات مستمرة في التواصل الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين، إضافة إلى وجود أنماط سلوك متكررة وغير مرنة، واهتمامات محدودة أو أنشطة نمطية متكررة. ويُعتبر هذا الاضطراب حالة تستمر مدى الحياة، تؤثر على طريقة عمل الدماغ، وبالتالي على مختلف جوانب نمو الطفل وتطوره.

كما تشير الأدبيات العلمية إلى أن اضطراب التوحد يمكن أن يظهر لدى أي طفل بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي، مما يعكس طبيعته المعقدة وغير المرتبطة بعوامل ديموغرافية محددة بشكل مباشر. وتوضح التقديرات العالمية أن معدلات انتشار هذا الاضطراب أصبحت في ازدياد ملحوظ، حيث تشير الإحصاءات إلى أن نسبة غير قليلة من الأطفال حول العالم يتم تشخيصهم ضمن طيف التوحد، مما يجعله من أبرز التحديات في مجال الصحة النفسية والتنموية.

وعلى الرغم من محدودية البيانات الوطنية في بعض الدول، إلا أن الدراسات الإقليمية تشير إلى اتجاه تصاعدي في عدد الحالات المُسجلة، خصوصًا في المناطق الحضرية. وفي مدينة هانوي تحديدًا، تزداد الحاجة بشكل ملح إلى تطوير خدمات الكشف المبكر والتشخيص، إلى جانب تعزيز برامج الدعم والإدماج للأطفال المشخّصين داخل المؤسسات التعليمية والمجتمع، وذلك نتيجة لتزايد الحالات المكتشفة وتنامي مطالب الأسر والمدارس بتوفير خدمات أكثر تخصصًا.

وفي هذا الإطار، تلعب الوعي المجتمعي دورًا محوريًا وأساسيًا في التعامل مع اضطراب طيف التوحد. فبحسب النظريات السلوكية والاجتماعية، فإن فهم المجتمع للاضطرابات الصحية والنفسية واتجاهاته نحوها يؤثر بشكل مباشر على سلوكيات الأفراد، بما في ذلك قدرتهم على التعرف المبكر على الحالات، والتقليل من الوصمة الاجتماعية، وتعزيز فرص الدمج المجتمعي للأطفال المشخّصين. وعلى العكس من ذلك، فإن انتشار المفاهيم الخاطئة أو الأحكام المسبقة قد يؤدي إلى تأخير التشخيص، وتقليل فرص الحصول على التدخل المناسب، مما يضاعف من الأعباء النفسية والمادية على الأسر.

ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل الدور المتنامي لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المصدر الرئيسي للمعلومات لدى شريحة واسعة من السكان في المدن الحديثة، مما يجعل جودة المحتوى الإعلامي ودقته عاملًا حاسمًا في تشكيل الوعي العام.

وعلى الرغم من وجود بعض الدراسات السابقة التي تناولت اضطراب طيف التوحد في فيتنام، إلا أن معظمها ركز على الجوانب الطبية أو التدخلات العلاجية، في حين لا تزال الدراسات التي تتناول الوعي المجتمعي بشكل شامل محدودة نسبيًا. ومن جهة أخرى، تشير الأدبيات إلى أن التدخل المبكر يُعد من أهم العناصر في تحسين نتائج الأطفال المشخّصين، مما يعزز أهمية سد الفجوة البحثية المتعلقة بفهم المجتمع للاضطراب.

وبناءً على ذلك، هدفت هذه الدراسة إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في: بناء إطار نظري يوضح مفهوم الوعي المجتمعي باضطراب طيف التوحد لدى الأطفال، وتحليل مستوى هذا الوعي لدى سكان مدينة هانوي، ثم تقديم مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تسهم في رفع مستوى المعرفة المجتمعية. ومن المتوقع أن تسهم نتائج هذه الدراسة في دعم صناع القرار والجهات المعنية في تطوير سياسات تعليمية وصحية أكثر شمولية، بالإضافة إلى تحسين برامج التوعية الصحية، وتعزيز خدمات الرعاية والدعم للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد وأسرهم.

وبالإضافة إلى ما سبق، تؤكد الدراسة أن التعامل مع اضطراب طيف التوحد لا يقتصر فقط على جانب التشخيص أو تقديم الخدمات العلاجية، بل يمتد ليشمل بناء بيئة مجتمعية داعمة تسهم في تعزيز دمج الأطفال المشخّصين داخل المدارس والمجتمع بشكل عام. كما أن رفع مستوى الوعي لا ينعكس فقط على تحسين فرص الاكتشاف المبكر، بل يساعد أيضًا في تغيير الاتجاهات السلبية وتقليل الصور النمطية المرتبطة بالاضطراب، مما يخفف من الضغوط النفسية التي تواجه الأسر. وتشير الدراسة كذلك إلى أهمية تبني سياسات تعليمية مرنة تعتمد على التكيف مع احتياجات الأطفال المختلفة، وتوفير كوادر مؤهلة قادرة على فهم خصائص اضطراب طيف التوحد والتعامل معه بشكل مهني وإنساني متكامل، بما يضمن تحسين جودة الحياة لهذه الفئة على المدى الطويل.

المرجع:

Hanoi Public Awareness and Understanding of Autism Spectrum Disorder in

Children

https://ijsshr.in/v8i10/Doc/38.pdf