الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الكفاءة البراغماتية في التشخيص المزدوج: متلازمة داون واضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعدّ البراغماتية أحد المجالات التي يمكن أن تتأثر في مجموعة واسعة من الاضطرابات النمائية. في هذا السياق، يُعرف التوحد المتلازمي (Syndromic Autism) بأنه اضطراب يرتبط بوجود رابط سببي مباشر بين متلازمة محددة واضطراب طيف التوحد (ASD). ومن بين هذه المتلازمات، تعتبر متلازمة داون (Down Syndrome – DS) واحدة من أبرز المتلازمات ذات الأساس الجيني التي قد يظهر فيها اضطراب طيف التوحد كأحد مظاهرها المحتملة بشكل واضح وملحوظ. وعلى الرغم من أن الأفراد المشخّصين بمتلازمة داون يوصفون عادة بأنهم اجتماعيون بطبيعتهم، إلا أن الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد يظهرون اختلالًا واضحًا في المجال الاجتماعي، مما يبرز الفروقات بين الحالتين ويزيد من تعقيد التشخيص.

الطرق والمنهجية

في هذه الدراسة، تم تحليل الأداء البراغماتي لدى عينة مكونة من 72 مشاركًا، حيث تم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات متساوية: مجموعة من الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد فقط، مجموعة من الأطفال المشخّصين بمتلازمة داون فقط، ومجموعة من الأطفال المشخّصين بالاثنين معًا (DS + ASD). استخدمت الدراسة مجموعة من الأدوات القياسية والمتقدمة لتقييم الأداء البراغماتي والاجتماعي والمعرفي، مثل الاستبيان الاجتماعي للتواصل (SCQ)، وبطارية اللغة الموضوعية والمعيارية (BLOC-SR)، واختبارات فرعية في علم النفس العصبي لتقييم نظرية العقل (ToM) من خلال اختبار NEPSY-II، مع مراعاة الفروقات الفردية بين الأطفال.

النتائج

أظهرت نتائج الدراسة فروقًا ملحوظة بين المجموعات الثلاث عند النظر إلى الأداء العام في المهارات الاجتماعية والتواصلية والبراغماتية. ومع ذلك، عند إجراء مقارنات ثنائية بين المجموعتين المشخصتين بمتلازمة داون وحدها أو مع  اضطراب طيف التوحد، لم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية كبيرة. تشير هذه النتائج إلى أن أعراض اضطراب طيف التوحد في الأفراد المشخّصين بمتلازمة داون قد تكون مرتبطة بشكل أوثق بالاضطراب الفكري أو التأخر العقلي العام، وليس بظهور نمط توحدي منفصل بشكل واضح. وبالرغم من أن الدراسات السابقة تشير إلى اختلافات بين المجموعات الثلاث، إلا أن نتائج هذه الدراسة توحي بأن التشخيص المزدوج لمتلازمة داون واضطراب طيف التوحد يحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة المتأنية لضمان دقة التشخيص وفهم طبيعة هذا الارتباط بشكل أفضل وأعمق.

الخلفية

اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي عصبي يتميز بوجود صعوبات مستمرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي، بالإضافة إلى أنماط سلوكية واهتمامات محدودة ومتكررة، ولا يمكن تفسير هذه الصعوبات بشكل أفضل عن طريق وجود اضطراب فكري أو تأخر عقلي. وفي العديد من البلدان، يشير التزايد الملحوظ في تشخيص اضطراب طيف التوحد خلال العقود الأخيرة إلى التغيرات في معايير التشخيص واعتماد أساليب تقييم أدق وأكثر شمولية، مما أدى إلى تحسين اكتشاف الحالات المبكرة بشكل ملحوظ.

تعد عملية تشخيص اضطراب طيف التوحد معقدة بحد ذاتها، وتصبح أكثر تحديًا عند وجود متلازمة جينية مصاحبة. في هذه الحالات، يُعرف اضطراب طيف التوحد المتلازمي أو “المتلازمات المزدوجة”، حيث يرتبط اضطراب طيف التوحد بمتلازمة جينية أساسية. إحدى أكثر هذه المتلازمات دراسة هي متلازمة داون، والتي تعتبر من أكثر المتلازمات الجينية شيوعًا التي يمكن أن يظهر فيها اضطراب طيف التوحد كأحد مظاهره. وقد أشارت الدراسات إلى أن نسب انتشار اضطراب طيف التوحد لدى الأشخاص المشخّصين بمتلازمة داون تتراوح بين متوسطة إلى عالية، مما يعكس أهمية التركيز على هذا التشخيص المزدوج وفهم التداخل بين الأعراض السلوكية والجينية بشكل دقيق.

متلازمة داون والاضطراب الفكري

تعتبر متلازمة داون من أكثر الحالات شيوعًا ضمن فئة التأخر العقلي أو الاضطراب الفكري. وتنتج هذه المتلازمة عن وجود نسخة إضافية من الكروموسوم 21، مما يؤدي إلى تطور غير نمطي للفرد وتأخر في مختلف مراحل النمو، بما في ذلك التطور الشخصي والاجتماعي، والمهارات التكيفية، والقدرات اللغوية. وتظهر الدراسات أن مستوى الذكاء والتأخر العقلي قد يؤثر على شدة الأعراض المميزة لاضطراب طيف التوحد، لكن بعض الدراسات تشير إلى أن أدوات التشخيص التقليدية لاضطراب طيف التوحد قد تفقد حساسيتها وخصوصيتها عند استخدامها مع الأفراد المشخّصين بمتلازمات جينية مختلفة ومتنوعة.

في حالة متلازمة داون مع اضطراب طيف التوحد، أظهرت الدراسات أن الأفراد الذين لديهم تشخيص مزدوج يعانون عادة من ضعف أكبر في اللغة الشاملة والتعبيرية مقارنة بمن لديهم متلازمة داون أو اضطراب طيف التوحد فقط. كما يُظهر هؤلاء الأفراد قصورًا واضحًا في الأداء البراغماتي والاجتماعي، مما يؤكد أهمية التركيز على هذه المهارات عند تقييم الأطفال المشخّصين بالتشخيص المزدوج ومراعاة احتياجاتهم الفردية بشكل دقيق.

التحديات في التشخيص المبكر

إن التعرف المبكر على اضطراب طيف التوحد لدى الأطفال المشخصين بمتلازمة داون يمثل تحديًا كبيرًا بسبب تداخل العلامات السلوكية بين الحالتين. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى وجود نمطين رئيسيين لظهور أعراض اضطراب طيف التوحد لدى الأطفال المشخصين بمتلازمة داون. في السيناريو الأول، تظهر أعراض اضطراب طيف التوحد مبكرًا في مراحل النمو المبكرة، مع وجود صعوبات واضحة في التواصل والمهارات الاجتماعية منذ الطفولة المبكرة. أما السيناريو الثاني، فيتميز بتراجع أو توقف مؤقت في مراحل النمو المرتبطة باكتساب اللغة والمهارات الاجتماعية، مما يشبه إلى حد كبير النمط الذي يظهر لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد وحده.

أهمية المهارات البراغماتية ونظرية العقل

تُبرز الأبحاث الحالية أهمية المهارات البراغماتية وقدرة الطفل على فهم منظور الآخرين، والمعروفة باسم “نظرية العقل”، في تقييم الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون معًا. وقد أظهرت الدراسات أن هؤلاء الأطفال يعانون من صعوبات كبيرة في التفاعل الاجتماعي، والاستجابة العاطفية، والقدرة على التواصل الرمزي الفعّال، مقارنة بالأطفال المشخّصين بمتلازمة داون فقط. كما أن هناك قيودًا واضحة على مهارات التواصل لديهم، مما يؤكد الحاجة إلى برامج تقييم وعلاج متخصصة تلبي احتياجات هذه الفئة بشكل شامل ودقيق.

الخلاصة والتوصيات

تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون يعانون من صعوبات اجتماعية ولغوية ومعرفية أكبر من أولئك المشخّصين بمتلازمة داون فقط. ومع ذلك، فإن التشخيص المزدوج لا يظهر دائمًا بوضوح عند المقارنة المباشرة بين الأطفال المشخصين بمتلازمة داون وحدها أو مع اضطراب طيف التوحد، مما يعكس تعقيد عملية التقييم. لذلك، هناك حاجة ماسة لمزيد من الدراسات التي تركز على هذا التشخيص المزدوج، مع تطوير أدوات تقييم أكثر دقة وحساسية، بهدف التعرف المبكر على الأطفال الذين يحتاجون إلى تدخلات متخصصة لدعم مهاراتهم الاجتماعية واللغوية والمعرفية، وضمان تقديم الرعاية الأمثل لهم.

في النهاية، يُعدّ هذا البحث خطوة مهمة نحو فهم أفضل للعلاقة بين اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون، ويسلط الضوء على الحاجة لتصميم استراتيجيات تدخل فردية مبنية على تحليل دقيق لمهارات كل طفل، مع مراعاة تأثير التأخر العقلي على ظهور الأعراض السلوكية واللغوية والاجتماعية. كما أنه يفتح الباب أمام مزيد من البحث حول كيفية تحسين أدوات التشخيص لضمان التعرف المبكر على الأطفال الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد المتلازمي، بما يعزز فرصهم في تحقيق تقدم ملموس وفعّال في مهاراتهم الاجتماعية واللغوية والمعرفية بشكل مستدام.

 

المرجع:

Pragmatic competence in people with dual

diagnosis: down syndrome and autism

spectrum disorder

https://link.springer.com/content/pdf/10.1186/s40359-023-01508-5.pdf