ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يُعد اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) مجموعة من الاضطرابات النمائية العصبية التي تتسم بوجود صعوبات في العلاقات الاجتماعية ومهارات التواصل. كما يُظهر الأفراد ذوو اضطراب طيف التوحد اهتمامات محدودة على نحو غير معتاد، وأنماطًا سلوكية تكرارية، ويواجهون صعوبة في التكيّف مع التغيرات غير المتوقعة في الروتين اليومي أو في البيئة المحيطة.
تشمل الأسباب المحتملة لاضطراب طيف التوحد قابلية وراثية تتفاعل مع عوامل بيئية قبل الولادة وبعدها، حيث تؤدي هذه التغيرات الجينية إلى اختلافات في أنماط نمو الدماغ. وتظهر أعراض اضطراب طيف التوحد منذ مرحلة الطفولة المبكرة.
تُسهم العلاجات والتدخلات المختلفة في مساعدة الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد على تنمية قدراتهم والحد من الأعراض. وتهدف العلاجات الحالية لاضطراب طيف التوحد إلى تقليل الأعراض التي تعيق الأداء الوظيفي اليومي، بما يسهم في تحسين جودة الحياة.
وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (American Academy of Pediatrics – AAP) بالبدء في تطبيق التدخلات العلاجية فور ملاحظة أعراض اضطراب طيف التوحد لدى الطفل، نظرًا لأن عملية التشخيص قد تستغرق وقتًا.
التدخلات العلاجية لاضطراب طيف التوحد
تتوفر أنواع متعددة من التدخلات العلاجية التي تهدف إلى تقليل أعراض اضطراب طيف التوحد، ومن أبرزها:
التدخلات العلاجية السلوكية
التدخلات العلاجية التعليمية
التدخلات العلاجية النمائية
التدخلات العلاجية الاجتماعية
التدخلات العلاجية النفسية
التدخلات العلاجية الدوائية
التدخلات العلاجية التكميلية والبديلة
تركز العلاجات السلوكية على تعديل السلوكيات الإشكالية، وتُعد من أكثر الأساليب التدخل العلاجية استنادًا إلى الأدلة العلمية في الحد من أعراض اضطراب طيف التوحد. وخلال تطبيق التدخل العلاجي، يقوم المعالج بتحليل ما يسبق السلوك وما يليه من مثيرات أو نتائج.
يُعد تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) أكثر التدخلات العلاجية السلوكية استخدامًا مع الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث يعمل على تعزيز السلوكيات المرغوبة وتقليل السلوكيات غير المرغوبة، ويسهم في تحسين مجموعة واسعة من المهارات. ويعتمد المعالجون على تتبع وقياس التقدم لتقييم فعالية التدخل.
توجد عدة برامج تدخلات علاجية قائمة على مبادئ تحليل السلوك التطبيقي، وتستخدم تدخلات علمية لمعالجة الاحتياجات السلوكية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد. ويُعد التعزيز الإيجابي أحد المبادئ الأساسية في تحليل السلوك التطبيقي التي يستخدمها المختصون في مجال اضطراب طيف التوحد.
وسنستعرض فيما يلي كيفية إسهام التعزيز الإيجابي في معالجة أعراض اضطراب طيف التوحد وتحسين جودة الحياة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد.
ما هو التعزيز الإيجابي؟
يُعرّف التعزيز بأنه إجراء يتم فيه استخدام معزز (Reinforcer) يؤدي إلى زيادة معدل حدوث السلوك. ويُعد استراتيجية فعالة في إدارة السلوك، خاصة في التعامل مع السلوكيات الصعبة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، كما يساعدهم على تعلم مهارات وسلوكيات جديدة.
التعزيز الإيجابي هو حافز يُقدّم للفرد ذي اضطراب طيف التوحد عند استجابته لطلب سلوكي معين. ويُعد عنصرًا أساسيًا في إحداث التغيير السلوكي، حيث يُقدم التعزيز الإيجابي مباشرة بعد حدوث السلوك المرغوب فيه بهدف تشكيل السلوك المستقبلي.
في سياق التعزيز، يُقصد بالمُعزز أي نشاط أو مثير أو حدث يتبع السلوك ويؤدي إلى زيادة تكراره، إذ يعمل المُعزز على تقوية السلوك.
التعزيز الإيجابي والتعزيز السلبي
ينقسم التعزيز إلى نوعين: التعزيز الإيجابي والتعزيز السلبي.
أولًا: التعزيز الإيجابي
يعمل التعزيز الإيجابي على إثراء خبرة الفرد من خلال إضافة شيء مرغوب، ولا يقوم على إزالة شيء، بل على إضافة مثير يسهم في تعديل السلوك، مما يجعله أداة فعالة في زيادة السلوكيات الإيجابية من خلال المكافآت.
وينقسم المعزز الإيجابي إلى نوعين:
المعززات الأولية
وهي المعززات التي تكون معززة بطبيعتها.
مثل: النوم، الطعام، الماء.المعززات الثانوية
وهي معززات يتعلمها الفرد ذوو اضطراب طيف التوحد مع مرور الوقت، وتختلف من شخص لآخر.
ومن أمثلتها:
الثناء اللفظي وتقدير الجهد المبذول
المال، ويُعد من المعززات الثانوية القوية
ويُعد اقتران المعززات الأولية بعناصر أخرى لتكوين معززات ثانوية جديدة أمرًا مفيدًا في كثير من الأحيان. فعندما يتم مدح الطالب بعبارات مثل «أحسنت» مع تقديم لعبة صغيرة، تصبح عبارة «أحسنت» مع مرور الوقت معززًا بحد ذاتها، وقد لا يعود الطالب بحاجة إلى المعزز الأولي.
في بعض الأحيان، قد تكون لدى الطلاب أنشطة أو عناصر محدودة تعمل كمعززات إيجابية. وهنا يكون من المفيد تعريضهم لخبرات وأنشطة جديدة. كما أن ملاحظة ما يثير اهتمام الطالب في البيئة المحيطة تساعد في تحديد المعززات المناسبة.
يُعد التعزيز ممارسة أساسية، وغالبًا ما يُستخدم بالاقتران مع ممارسات قائمة على الأدلة مثل: التأخير الزمني، والتلقين، والتدريب على التواصل الوظيفي.
ويُستخدم التعزيز الإيجابي كاستراتيجية لتعليم مهارات جديدة تحل محل السلوكيات المعيقة، حيث يسهم في زيادة السلوكيات المناسبة ويوفر فرصًا تعليمية أفضل للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد.
اعتبارات مهمة لاستخدام التعزيز الإيجابي بفعالية:
عدم الخلط بين التعزيز والرشوة؛ إذ تُقدم الرشوة قبل أداء المهمة، بينما يُقدم التعزيز بعد إتمامها.
تقليل التعزيز تدريجيًا بمرور الوقت، بهدف تمكين الطفل من أداء المهمة دون الاعتماد على الحوافز.
تقديم معززات ذات قيمة مناسبة تتوافق مع السلوك المستهدف.
ثانيًا: التعزيز السلبي
يقوم التعزيز السلبي على إزالة نشاط أو مثير غير مرغوب للفرد ذي اضطراب طيف التوحد، حيث تهدف إزالة المثير المزعج إلى زيادة حدوث السلوك المستهدف مستقبلًا.
ويُعرف التعزيز السلبي بأنه زيادة في تكرار السلوك نتيجة إزالة مثير معين.
مثال: إيقاف تشغيل موسيقى مزعجة عندما يطلب الطفل ذلك؛ حيث يؤدي إزالة المثير المزعج (إطفاء الراديو) إلى زيادة سلوك الطلب لدى الطفل.
ويُعد التعزيز الفردي أو المخصص أكثر فاعلية، إذ يجب تقديمه استجابة لاستخدام الفرد ذي اضطراب طيف التوحد للمهارة أو السلوك المستهدف، مع العمل تدريجيًا على تقليل استراتيجيات التعزيز.
تكرار التعزيز
يُعد تحديد معدل استخدام التعزيز أمرًا بالغ الأهمية، حيث إن الإفراط في استخدام المعززات قد يؤدي إلى شعور الفرد بالملل وفقدان المعزز لفاعليته. لذلك، ينبغي وضع جدول مناسب لتطبيق التعزيز.
كيفية استخدام التعزيز الإيجابي
تشمل خطوات استخدام التعزيز ما يلي:
تحديد السلوك المرغوب بدقة، على أن يكون سلوكًا قابلًا للملاحظة والقياس.
اختيار المعزز المناسب من خلال الملاحظة أو المقابلات أو قوائم المعززات.
تقديم المعزز وفق جدول محدد بعد حدوث السلوك المرغوب مباشرة.
ومن المهم الإشارة إلى أن ما يُعد معززًا لشخص ما قد لا يكون معززًا لشخص آخر، كما أن الاستخدام المتكرر للتعزيز قد يقلل من فعاليته.
متى يُستخدم التعزيز؟
يُستخدم التعزيز عندما يكون الهدف هو زيادة أو المحافظة على سلوك معين. ويساعد المعزز على زيادة احتمالية تكرار السلوك المرغوب في مواقف وبيئات مشابهة.
ويمكن استخدام التعزيز في أي وقت ومكان وفق جدول محدد مسبقًا، سواء في المنزل أو المدرسة أو أي بيئة أخرى.
اختيار المعززات الإيجابية
يستجيب كل فرد ذي اضطراب طيف التوحد لمعززات مختلفة. وعند اختيار المعزز، ينبغي مراعاة ما يلي:
الرجوع إلى عادات الفرد ومعرفة ما حفّزه في السابق
تحديد ما يفضله وما لا يفضله
مراعاة حالة الحرمان، أي ما يرغب فيه وما يصعب عليه الحصول عليه
التأكد من أن المعزز عملي وأخلاقي ومرتبط بالسلوك المستهدف
أمثلة على التعزيز الإيجابي
عبارات الثناء والتشجيع اللفظي
الأنشطة المفضلة، مثل اللعب مع الأصدقاء أو أداء مهام محببة
وقت اللعب الحر
الأطعمة المفضلة
الأدوات أو الأشياء المرغوبة ذات التكلفة المعقولة
الجوائز والهدايا والرموز التقديرية
كما يمكن استخدام التعزيز القائم على الاهتمام الإيجابي من خلال:
الاقتراب الجسدي المناسب، أو النظر، أو الاحتضان
الابتسام
طرح الأسئلة والتحدث وإبداء التعليقات
المشاركة في الأنشطة
ويُعد التوقيت عاملًا حاسمًا في فعالية التعزيز الإيجابي، حيث ينبغي أن يشعر الفرد بأن الهدف قابل للتحقيق وأن السلوك ممكن الأداء.
ولا يُنصح بإتاحة الوصول الحر إلى المعزز؛ بل ينبغي أن يعمل الفرد ذوو اضطراب طيف التوحد على الحصول عليه.
كما يجب توثيق التقدم من خلال سجلات أو جداول أداء سلوكي لمتابعة التحسن.
قواعد استخدام التعزيز الإيجابي
مكافأة الفرد في كل مرة يحدث فيها السلوك المستهدف
التدرج في تقليل المعززات مع ظهور السلوك المرغوب
دمج المعززات المادية أو الترفيهية مع الثناء اللفظي
الاكتفاء في المراحل النهائية بالتعزيز اللفظي
التحلي بالصبر وعدم فقدان السيطرة عند حدوث نوبات غضب
تقديم التعليمات بشكل واضح ومحدد
الخلاصة
يتطلب تطبيق إجراءات التعزيز وقتًا وتخطيطًا دقيقًا لدعم اكتساب المهارات. ويُعد المعزز فعالًا إذا أدى إلى زيادة السلوك المستهدف أو الحفاظ عليه بعد اكتساب المهارة. ويجب أن يكون التعزيز مخصصًا وفق خصائص كل فرد ذي اضطراب طيف التوحد، مع امتلاك المعالج مجموعة متنوعة من المعززات لاستخدامها حسب الحاجة.
المراجع:
Positive Reinforcement and Autism
https://www.ahappyfam.com/positive-reinforcement-and-autism/





