الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

انتقاء الطعام لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد: نحو تغذية صحية مدى الحياة

 

ترجمة: أ. أماني أبو العينين 

 

إنّ انتقاء الطعام لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد  ليس مجرد مرحلة عابرة في الطفولة. تشير الأبحاث إلى أن سلوكيات الأكل غير النمطية، كالانتقائية الشديدة في اختيار الطعام والحساسية المفرطة للملمس، شائعة بين الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد . وقد وجدت إحدى الدراسات أن 70% من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد  يُظهرون أنماطًا غذائية غير نمطية، مقارنةً بـ 4.8% فقط من الأطفال ذوي النمو الطبيعي 

 

يُعدّ تناول الطعام بشكل انتقائي أكثر شيوعاً بما يصل إلى 15 مرة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد .

يتساءل العديد من الآباء عما إذا كان طفلهم سيُوسّع نظامه الغذائي بشكل طبيعي مع مرور الوقت. وبينما تشير الأبحاث إلى أن بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد  يستمرون في اتباع عادات غذائية انتقائية حتى سن المراهقة والبلوغ فمن المهم معرفة أن التغييرات الصغيرة والتدريجية يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا في تعزيز عادات غذائية صحية .

قد يؤدي انتقاء الطعام إلى مشاكل صحية مثل سوء التغذية، وزيادة الوزن، واضطرابات الجهاز الهضمي ولكن مع الدعم المناسب، حتى أكثر الأطفال انتقائية في الطعام يمكنهم تطوير نظام غذائي أكثر تنوعًا وتوازنًا. يكمن السر في مراعاة وتيرة طفلك، وإيجاد طرق مبتكرة لتقديم أطعمة جديدة، والاحتفاء بالإنجازات الصغيرة على طول الطريق.

يقول آندي شيه، كبير المسؤولين العلميين في منظمة “أوتيزم سبيكس”: “إن تأثير انتقائية الطعام يتجاوز مرحلة الطفولة بكثير. فنحن نتلقى اتصالات من عائلات لا يقتصر قلقها على تغذية أطفالها اليوم فحسب، بل يمتد ليشمل ما قد تعنيه هذه العادات الغذائية المفيدة لصحتهم و استقلاليتهم على المدى البعيد. ولذلك، من الأهمية بمكان تزويد الآباء بالأدوات والاستراتيجيات المناسبة لمساعدة أطفالهم على اتباع نظام غذائي أكثر توازناً واستدامة.”

إن تشجيع اتباع نظام غذائي متوازن لا يعني إجبار الطفل على تناول أطعمة جديدة، بل يعني توفير فرص إيجابية ومريحة له لاستكشاف نكهات و قوامات مختلفة. من خلال البدء بخطوات صغيرة و مراعاة ميول الطفل الطبيعية، يستطيع الأهل مساعدة طفلهم على بناء عادات صحية تدوم مدى الحياة.

أهمية وجود فريق رعاية قوي

قد يبدو توسيع النظام الغذائي للطفل وتحسين تغذيته أمرًا شاقًا، لكن ليس على العائلات مواجهة هذه التحديات بمفردها. يمكن لنهج الفريق أن يوفر دعمًا أساسيًا في وضع استراتيجيات لتعزيز الأكل الصحي مع مراعاة الاحتياجات الحسية الفريدة للطفل.

يمكن لأخصائي التغذية المسجل، أو معالج تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، أو أخصائي علم نفس الأطفال، أو معالج مهني، تقديم إرشادات حول:

وضع خطط وجبات منظمة

تطوير استراتيجيات لتعزيز سلوكيات الأكل الإيجابية

معالجة الحساسيات الحسية المتعلقة بالغذاء

ولكن حتى لو لم تتمكن العائلات من الوصول إلى هؤلاء المتخصصين، فلا يزال بإمكانهم اتخاذ خطوات عملية في المنزل لتعزيز عادات الأكل الأفضل.

موازنة الاحتياجات الحسية والتغذية

غالباً ما تلعب الحساسية الحسية دوراً في انتقائية الطعام لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ، مما يدفعهم إلى رفض الأطعمة بناءً على ملمسها ومظهرها. يميل معظم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد  إلى تناول الأطعمة ذات المذاق الخفيف والألوان المحايدة مثل المعكرونة والفطائر وشطائر الجبن المشوي، أو الخيارات المصنعة والغنية بالسعرات الحرارية مثل قطع الدجاج (مايز وآخرون، 2019).

مع أهمية مراعاة التفضيلات الحسية، من الضروري أيضاً تشجيع الأطفال على تنويع أذواقهم. إن توسيع خيارات الطعام بطريقة تحترم مستوى راحة الطفل يساعد على ضمان حصوله على العناصر الغذائية اللازمة، مع تعزيز مرونته في التعامل مع الأطعمة الجديدة.

إحدى الطرق الفعّالة هي تقديم أطعمة جديدة تُشبه الأطعمة المفضلة لدى الطفل، ولكن مع تعديلات بسيطة. على سبيل المثال، قد يتقبّل الطفل الذي يستمتع بالوجبات الخفيفة المقرمشة الخضراوات النيئة المقطعة إلى شرائح رقيقة مع صلصة، بينما قد يكون الطفل الذي يُفضّل الأطعمة الناعمة مُستعدًا لتجربة الحساء أو العصائر المخلوطة. حتى التعديلات البسيطة، مثل إضافة شريحة طماطم إلى شطيرة الجبن المشوي، تُمكن من زيادة مرونة النظام الغذائي دون إرباك الطفل.

إدخال الأطعمة الجديدة تدريجياً

إن منح الأطفال خيارات وإشراكهم في
إعداد الطعام يمكن أن يحفزهم على تجربة أشياء جديدة.

إن مجرد وضع أطعمة جديدة في طبق ليس بالضرورة أفضل استراتيجية، في أسلوب تقديم الطعام يلعب دورًا حاسمًا في رغبة الطفل بتجربته. ومن الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الآباء تقديم كمية كبيرة من طعام غير مألوف، مما قد يُشعر الطفل ذو اضطراب طيف التوحد  بالإرهاق. بدلًا من ذلك، يُمكن تقديم لقمة واحدة في كل مرة والاحتفاء بالنجاحات الصغيرة، مما يُساعد الأطفال على بناء ثقتهم بأنفسهم في تجربة نكهات وقوامه جديدة.

من الأفضل البدء بإدخال الأطعمة التي يتقبلها الطفل بالفعل، حتى لو لم يطلبها كثيرًا. على سبيل المثال، إذا كان الطفل يتقبل تناول الزبادي، يمكن للوالدين إدراجه بانتظام في نظامه الغذائي. ومن ثم، يمكن التوسع في نفس فئة الطعام، كتجربة نوع أو نكهة مختلفة من الزبادي، مما يشجع على تجربة أصناف جديدة تمامًا.

من المهم ترك الطفل يكمل وتيرته الخاصة. إذا نجح في تجربة طعام جديد، دعه يختار الطعام التالي الذي يرغب في تجربته. إذا وجد الطعام صعبًا، قلل الكمية أو استبدله بطعام أقرب إلى ما اعتاد عليه. عندما ينجح الطفل في تناول طعام جديد، شجعه وكافئه – ليس بطلب المزيد، بل بالاحتفال بنجاحه أو حتى بتقديم مكافأة صغيرة.

أنشئ روتينًا منتظمًا لوقت الوجبات

يزدهر العديد من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد  في بيئة منظمة وروتينية، ووجبات الطعام ليست استثناءً. فأنماط الأكل غير المنظمة، كالأكل المتقطع على مدار اليوم، قد تُصعّب مراقبة النظام الغذائي للطفل. لذا، فإن وضع توقعات واضحة بشأن الوجبات والوجبات الخفيفة يُساعد على تهيئة بيئة غذائية أكثر استقرارًا.

يمكن للعائلات استخدام جداول مرئية لتحديد مواعيد الوجبات، أو ضبط مؤقتات لتحديد مدة الوجبة، أو استخدام صور توضيحية لعرض أحجام الحصص المناسبة. مع مرور الوقت، يمكن لهذه الاستراتيجيات أن تقلل من القلق المصاحب لأوقات الوجبات وتساعد الأطفال على الشعور براحة أكبر عند تجربة أطعمة جديدة.

يمكن أن تُشكّل وجبات الطعام العائلية المشتركة فرصةً للأطفال لملاحظة عادات الأكل الصحية. فعندما يرى الطفل أفراد أسرته يتناولون أطعمةً متنوعة، قد يصبح أكثر فضولاً واستعداداً لتجربة أشياء جديدة بنفسه.

مع ذلك، لا يشترط أن تتم تجربة الأطعمة الجديدة أثناء الوجبات. فجدولة جلسة تدريبية قصيرة ومركزة مرة أو مرتين يوميًا تُمكّن الأطفال من إنهاء التجربة بنجاح دون الشعور بالضغط. وبمجرد أن يعتاد الطفل على تناول لقمة أو اثنتين من الطعام الجديد بانتظام خلال هذه الجلسات، يمكن للوالدين إضافته إلى وجبات الطعام المعتادة.

بناء عادات صحية مدى الحياة

يُعدّ انتقاء الطعام شائعًا جدًا لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ، وتختلف تجربة كل طفل. فبعض الأطفال يُوسّعون نظامهم الغذائي بسرعة، بينما قد يستغرق الأمر وقتًا أطول لدى آخرين. والأهم هو تهيئة بيئة إيجابية وهادئة تُساعد الأطفال على التطور بوتيرتهم الخاصة. حتى وإن بدا التقدم بطيئًا في بعض الأحيان، فإن كل تجربة طعام جديدة تُعدّ خطوة في الاتجاه الصحيح.

للعائلات التي تبحث عن ارشادات ودعم إضافيين، تقدم منظمة “أوتيزم سبيكس” نصائح وأدوات متخصصة لمساعدة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد  على تجاوز تحديات التغذية وتعزيز صحتهم العامة. بالصبر والمثابرة، يستطيع الآباء مساعدة أطفالهم على بناء أساس متين لتغذية سليمة تدوم طويلًا بعد مرحلة الطفولة.

مراجع

Beyond Picky Eating: Supporting Lifelong Health in Autistic Children

 

https://autismspectrumnews.org/beyond-picky-eating-supporting-lifelong-health-in-autistic-children