ترجمة: أ. سوار الماجري
مقدمة
تُشكّل الممارسات الوالدية (Parenting Practices) الركيزة الأساسية التي تقوم عليها التنشئة الاجتماعية والدعم النمائي للطفل. ومع ذلك، فإن هذه الممارسات لا تتبع نمطًا خطيًا بسيطًا عندما يتعلق الأمر بأسر الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (TSA). إن رعاية طفل ذو اضطراب طيف التوحد تفرض على المنظومة الأسرية تحديات استثنائية تعيد صياغة الأساليب التربوية المعتادة. من هذا المنطلق، لا تُفهم الممارسات الوالدية في هذه البيئة الخاصة كاختيارات فردية معزولة، بل كاستجابة تفاعلية مرنة تتأثر بخصائص الطفل السلوكية، والوضع النفسي للوالدين (مثل مستويات الضغط الوالدي)، ومدى توافر الدعم الاجتماعي المحيط بالأسرة.
1. واقع الممارسات الوالدية لدى أسر أطفال التوحد: بين الإيجاب والسلب
تتوزع الممارسات الوالدية لدى العائلات التي ترعى أطفالًا من ذوي اضطراب طيف التوحد بين أساليب إيجابية داعمة وأساليب أخرى قد تتسم بالتذبذب أو الصعوبة. وتُظهر الدراسات تباينًا واضحًا في وتيرة استخدام هذه الأساليب:
سيادة الممارسات الإيجابية: يُظهر الآباء والأمهات عمومًا توجهًا قويًا وثابتًا نحو تبني الممارسات الوالدية الإيجابية مقارنة بالأساليب السلبية. ويعود هذا الالتزام إلى إدراك الأسر أن طفل التوحد يحتاج إلى بيئة داعمة ومحفزة لتنمية مهاراته وتيسير تكيفه اليومي.
الارتباط والالتزام الوالدي (Parental Involvement): يبرز هذا البعد كأكثر الممارسات شيوعًا وتبنيًا من قِبل أسر أطفال التوحد. ويتمثل في الانخراط النشط والمستمر للوالدين في حياة طفلهم اليومية، ومشاركته الأنشطة المختلفة، والسعي المكثف لتعويضه ومساعدته على تجاوز صعوبات التواصل الاجتماعي.
الانضباط الإيجابي (Positive Parenting): يأتي في المرتبة الثانية من حيث الشيوع، ويقوم على استخدام استراتيجيات التعزيز والثناء لتوجيه سلوك الطفل وتشجيعه على الاستقلالية، بدلاً من التركيز على العقاب والردع.
تحدي الانضباط غير المتسق (Inconsistent Discipline): على الجانب الآخر من الممارسات السلبية، يمثل تذبذب الانضباط (عدم الثبات في القواعد التربوية) التحدي الأكثر ظهورًا لدى هذه الأسر. وغالبًا ما يجد الوالدان صعوبة في الحفاظ على قواعد صارمة وموحدة بسبب التقلبات السلوكية للطفل.
انحسار الممارسات القاسية والإهمال: تسجل ممارسات مثل “ضعف الإشراف” أو “العقوبات الصارمة والجسدية” معدلات تدنٍ واضحة وشبه منعدمة لدى هذه الفئة. فالوعي بطبيعة الاضطراب وحساسية الطفل تدفع الوالدين تلقائيًا إلى تجنب أساليب العنف أو التخلي عن المراقبة اللصيقة.
2. العوامل النفسية والسياقية المؤثرة في تشكيل الممارسات الوالدية
تتداخل مجموعة من المتغيرات النفسية والاجتماعية لتحدد مدى قدرة الوالدين على تقديم رعاية والدية متماسكة وفعالة:
أ. التفاعل المختل بين الوالد والطفل وأثره على التراجع الوالدي
يُعتبر “التفاعل المختل” (Parent-Child Dysfunctional Interaction) ـ وهو أحد الأبعاد الحرجة للضغط الوالدي ـ من أقوى المهددات للممارسات الوالدية الإيجابية.
عندما يشعر الوالد بأن التواصل مع طفله غير متبادل، أو أن استجابات الطفل لا تلبي توقعاته العاطفية، يرتفع لديه الشعور بالخيبة والإنهاك.
هذا الشعور بالاغتراب التفاعلي يؤدي مباشرة إلى تراجع معدلات الارتباط والالتزام الوالدي، ويقوّض دافعية الآباء لاستخدام الانضباط الإيجابي، مما يدخل العلاقة في حلقة مفرغة من التباعد الجسدي والنفسي.
ب. تأكيد القيمة الذاتية كدرع وقائي للأسرة
يلعب الدعم الاجتماعي دورًا محوريًا في تمكين الأسر، وتحديدًا البعد المتعلق بـتأكيد القيمة الذاتية والمهنية للوالد (Reassurance of Worth):
حين يتلقى الوالد مساندة من محيطه تشيد بكفاءته وقدرته على إدارة أزمات طفله، ترتفع ثقته بنفسه وبمهاراته التربوية.
هذه الثقة المرتفعة تترجم على أرض الواقع إلى زيادة ملحوظة في الارتباط والالتزام بالطفل.
كما تعمل كحائط صد يمنع الوالد من السقوط في فخ التردد والتراجع، مما يقلل من الانضباط المتذبذب وغير المتسق ويجعل القواعد المنزلية أكثر ثباتًا واستقرارًا.
ج. دور الإرشاد والتوجيه المعرفي: مفارقة الاحتياج
على الرغم من الأهمية النظرية لتزويد الأسر بالمعلومات والنصائح (Guidance)، إلا أن الاعتماد المفرط والشعور الدائم بالحاجة إلى التوجيه المستمر قد يرتبط أحيانًا بـتراجع المبادرة والارتباط الوالدي الفعلي. فالآباء الذين يعيشون في حالة قلق دائم حول “الطريقة الصحيحة” للتعامل والبحث المستمر عن استشارات خارجية قد يصابون بنوع من شلل المبادرة، مما يعيق عفوية تواصلهم المباشر واليومي مع طفلهم.
3. خصائص الطفل السلوكية والنمائية كمتغيرات تفاعلية
لا يمكن قراءة أسلوب الوالدين بمعزل عن ردود فعل الطفل وسلوكه اليومي؛ فالطفل التوحدي شريك أساسي في صياغة هذه الديناميكية:
أعراض القلق الداخلي واستثارة الحمائية: تدفع مشكلات القلق والاضطرابات الداخلية لدى الطفل الوالدين إلى زيادة مستويات ارتباطهم والتزامهم به. فالطفل الذي يبدو خائفًا أو قلقًا يستثير غريزة الرعاية والحماية الوالدية بشكل مضاعف.
السلوكيات الخارجية وأزمة الانضباط المتذبذب: تمثل السلوكيات الخارجية (مثل الاندفاع، والعدوانية، وتخريب الأشياء، ونوبات الغضب الحادة) التحدي الأكبر لثبات الوالدين. تحت وطأة هذه السلوكيات المستنزفة، يضطر الآباء أحيانًا لتعديل أساليبهم:
فمن ناحية، قد يحاولون استخدام الانضباط الإيجابي بشكل مكثف لامتصاص وتعديل السلوك.
ومن ناحية أخرى، قد يقودهم الإنهاك إلى الوقوع في تذبذب الانضباط وعدم اتساقه؛ حيث يتنازل الوالد عن قواعده السلوكية المعيارية لتهدئة نوبة الغضب الحالية للطفل، وهو ما يضر بالعملية التربوية على المدى الطويل.
المرحلة العمرية للطفل: تلعب سن الطفل دورًا في تحديد نمط الانضباط المتخذ؛ إذ يميل الآباء إلى استخدام الانضباط الإيجابي بمعدلات أعلى بكثير مع الأطفال الأصغر سنًا (من 6 إلى 8 سنوات) مقارنة بالأطفال الأكبر سنًا (من 9 إلى 12 سنة). ويعود ذلك لوعي الوالدين بعدم جدوى القسوة في المراحل النمائية المبكرة وأهمية التدريب القائم على اللين والتحفيز المستمر.
الفترة الزمنية المنقضية على التشخيص: تُظهر الأسر التي تلقت تشخيص طفلها بالتوحد حديثًا (أقل من 3 سنوات) مستويات من الارتباط والالتزام تفوق تلك الأسر التي تعايشت مع التشخيص لسنوات طويلة (أكثر من 5 سنوات). فالسنوات الأولى للتشخيص تتسم بالاستنفار الأسري والرغبة القصوى في استكشاف الحلول، بينما قد يتسلل الإنهاك التدريجي للوالدين مع مرور الزمن.
خلاصة وتطبيقات إرشادية
تؤكد المعطيات العلمية أن الممارسات الوالدية لدى أسر الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد هي نتاج تفاعل نسقي معقد. ولفهم هذه التنشئة وتطويرها، يجب التركيز على:
علاج شرخ التفاعل: لا يكفي تدريب الآباء على “تعديل سلوك الطفل”؛ بل يجب أولاً ترميم جودة العلاقة والتفاعل الثنائي بين الوالد والطفل للحد من مشاعر الاغتراب التفاعلي.
الدعم النفسي والاجتماعي التمكيني: يحتاج الآباء إلى شبكات دعم تؤكد كفاءتهم الوالدية وتقدّر مجهوداتهم الاستثنائية. هذا التمكين المعنوي هو ما يضمن استقرار ممارساتهم الوالدية وثبات انضباطهم الأسري في مواجهة السلوكيات الصعبة للطفل.
المرجع :
Facteurs associés à l’utilisation de pratiques parentales positives et négatives chez les parents d’enfants autistes d’âge scolaire.
https://corpus.ulaval.ca/server/api/core/bitstreams/1e4ca16f-e627-492c-9326-0086662e523f/content





