ترجمة: أ. جنا الدوسري
الأطفال الذين يُشخصون باضطراب طيف التوحد يواجهون تحديات معقدة ومتعددة الأبعاد في حياتهم اليومية، حيث تتراوح هذه الصعوبات بين مشاكل التواصل اللفظي والتفاعل الاجتماعي إلى الميل إلى تبني أنماط سلوكية متكررة، وغالبًا ما تظهر هذه التحديات منذ السنوات الأولى من العمر. لا تقتصر هذه الصعوبات على مرحلة عمرية محددة، بل تمتد لتؤثر على تطور مهاراتهم الاجتماعية والتواصلية على مدار مراحل حياتهم المختلفة. ومن أبرز العقبات التي يواجهها هؤلاء الأطفال هي صعوبات التواصل الاجتماعي، التي تؤثر ليس فقط على تحصيلهم الأكاديمي بل أيضًا على علاقاتهم الاجتماعية، وتضع ضغطًا كبيرًا على أولياء أمورهم، الذين كثيرًا ما يجدون صعوبة في فهم احتياجات أبنائهم والتفاعل معها بالشكل المناسب والفعّال.
تؤثر هذه الصعوبات بشكل مباشر على قدرة الأطفال على التعبير عن رغباتهم واحتياجاتهم، خاصة في البيئات التعليمية، حيث قد يؤدي ذلك إلى تراجع تحصيلهم الدراسي وظهور سلوكيات معرقلة أثناء تفاعلهم مع أقرانهم. هذه التحديات يمكن أن تعيق قدرة الأطفال على أداء المهام اليومية المستقلة، سواء كانت مهام أساسية تتعلق بالعناية بالنفس، أو مهام أكثر تعقيدًا مرتبطة بالاستقلالية في الحياة اليومية. في هذا الإطار، يبرز العلاج الوظيفي كأداة أساسية وفعّالة لتعزيز مشاركة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد في الأنشطة الاجتماعية، مما يساهم في تحسين جودة حياتهم وتعزيز استقلالهم الوظيفي، ويمنحهم فرصة لتطوير مهارات تمكنهم من التكيف بشكل أفضل مع محيطهم.
على الرغم من الأهمية الواضحة للعلاج الوظيفي، إلا أن الدراسات السابقة لم تستكشف بشكل كافٍ التدخلات التي يمكن أن يقدّمها العلاج الوظيفي لتحسين مهارات التواصل الاجتماعي لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. لهذا السبب، تهدف هذه المراجعة إلى تقديم استعراض شامل للدراسات التي تناولت التدخلات العلاجية الوظيفية في هذا المجال، لتسليط الضوء على الأساليب المتنوعة التي تم اعتمادها، وقياس مدى فعاليتها، والتحديات التي واجهت الباحثين والممارسين في تطبيقها. كما تهدف المراجعة إلى التأكيد على الحاجة المستمرة لإجراء دراسات موسعة وطويلة المدى لضمان استدامة النتائج وتحقيق أفضل استفادة للأطفال المستفيدين من هذه البرامج العلاجية.
تشير الأدلة إلى أن التدخلات العلاجية الوظيفية متنوعة ومبتكرة، إذ ركّزت العديد من الدراسات على تدريب المهارات الاجتماعية الأساسية، مثل التقليد واللعب والانتباه المشترك، باعتبارها طرقًا مباشرة لتعزيز التواصل الاجتماعي. وتم استكشاف أساليب متنوعة، منها التدخلات المعتمدة على الحيوانات، والتي أثبتت فعاليتها في تحفيز الأطفال على التفاعل والتواصل، بالإضافة إلى تعديل البيئة المحيطة لتكون أكثر دعمًا لاحتياجات الطفل، ودمج تقنيات الإدراك الحسي لمساعدتهم على التحكم في استجابتهم للمحفزات المختلفة. كما شملت بعض البرامج استخدام نماذج متكاملة مثل نموذج “دير فلور تايم”، الذي يركز على التفاعل العاطفي واللعب الموجه بين الطفل ومقدمي الرعاية، مما يوفر بيئة تعليمية محفزة وداعمة لتطوير مهارات التواصل الاجتماعي بطريقة تراعي الفروق الفردية لكل طفل.
أظهرت المراجعة أن نتائج هذه التدخلات كانت إيجابية بشكل عام، حيث لوحظ تحسن ملحوظ في قدرة الأطفال على التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين. ومع ذلك، هناك تفاوت في درجة التأثير، إذ أظهرت بعض الدراسات نتائج مختلطة أو محدودة في بعض الجوانب، وهو ما يعكس طبيعة اضطراب طيف التوحد المعقدة وتباين استجابة الأطفال للتدخلات المختلفة. ومن الضروري الإشارة إلى أن هذا التباين لا يقلل من أهمية العلاج الوظيفي، بل يسلط الضوء على الحاجة إلى تصميم برامج تدخلية فردية مدروسة بعناية، تراعي الخصائص الشخصية للأطفال واستجاباتهم المختلفة، بحيث يمكن تعديلها وفق احتياجات كل حالة على حدة لتحقيق أفضل النتائج.
من أبرز التحديات التي واجهت الدراسات السابقة صغر حجم العينات البحثية، الأمر الذي يحد من القدرة على تعميم النتائج على نطاق واسع. كما أظهرت بعض الدراسات صعوبة في متابعة استجابة الأطفال للتدخلات على المدى الطويل، أو الحفاظ على استمرارية تطبيق البرامج بشكل متسق، ما يبرز أهمية وجود بروتوكولات واضحة ومتابعة دقيقة لضمان فعالية التدخلات. علاوة على ذلك، فإن غياب مجموعات مقارنة في كثير من الدراسات يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت التحسينات ناتجة عن التدخل ذاته أم عن عوامل أخرى، مثل التطور الطبيعي للطفل أو تأثير برامج تعليمية وعلاجية أخرى.
تتعدد الأدوات المستخدمة لتقييم مهارات التواصل الاجتماعي، مما يعكس تعقيد طبيعة اضطراب طيف التوحد وتنوع مظاهره. بعض الدراسات استخدمت مقاييس تقييم سلوكي وظيفي، بينما ركزت أخرى على الملاحظة المباشرة لسلوكيات الطفل أثناء التفاعل، أو أدوات تقييم القدرات اللغوية والتواصلية. هذا التنوع يشير إلى غياب اتفاق موحد حول أفضل الطرق لقياس فعالية التدخلات، وهو ما يتطلب جهودًا مستمرة لتطوير أدوات تقييم متسقة وموثوقة تتيح مقارنة النتائج بشكل أكثر دقة ووضوح بين الدراسات المختلفة، بما يضمن تقديم توصيات قائمة على الأدلة العلمية.
كما أظهرت المراجعة أن تدخلات العلاج الوظيفي لم تقتصر على تعزيز المهارات الاجتماعية فحسب، بل شملت أيضًا تحسين القدرات الحركية، والمهارات الذاتية، وتنظيم السلوكيات العاطفية، ما يعكس النهج الشمولي للعلاج الوظيفي الذي يهدف إلى دعم الطفل في جميع جوانب حياته. فعلى سبيل المثال، التدخلات التي دمجت اللعب الحسي والأنشطة التفاعلية ساعدت الأطفال على تحسين الانتباه والتقليد والتفاعل العاطفي مع الآخرين، كما ساهمت في تعزيز قدرة الأطفال على التعامل مع المهام اليومية وممارسة الأنشطة المستقلة، مما أتاح لهم اكتساب شعور بالاستقلالية والثقة بالنفس في حياتهم اليومية.
على الرغم من النتائج المشجعة، تؤكد المراجعة على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات الواسعة والطويلة المدى، لتقييم مدى استدامة الفوائد الناتجة عن تدخلات العلاج الوظيفي على مهارات التواصل الاجتماعي للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. كما تؤكد الحاجة إلى تطوير برامج علاجية قائمة على الأدلة العلمية، تراعي الفروق الفردية، وتتيح للمعالجين متابعة التقدم وتكييف البرامج وفق احتياجات كل طفل، بما يعزز فعالية العلاج ويحقق أكبر أثر ممكن في تحسين جودة حياة الأطفال وتطوير مهاراتهم الاجتماعية والتواصلية بشكل مستمر.
في الختام، يمكن القول إن التدخلات العلاجية الوظيفية تقدم وعدًا كبيرًا في تحسين مهارات التواصل الاجتماعي للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، من خلال التركيز على التدريب المباشر للمهارات الاجتماعية، واستخدام الألعاب والأنشطة التفاعلية، وتعديل البيئة المحيطة، وتطبيق استراتيجيات شاملة تشمل التفاعل العاطفي واللعب الموجه. ومع ذلك، يظل النجاح في تحقيق أفضل النتائج مرتبطًا بإجراء مزيد من الدراسات الشاملة، والمتابعة الطويلة المدى لضمان استدامة النتائج، وتطوير أدوات تقييم موحدة وموثوقة، لضمان تقديم تدخلات علاجية فعالة ومدعومة بأدلة قوية، مما يتيح للأطفال فرصًا أفضل للتواصل الاجتماعي والاندماج في المجتمع بشكل أكثر فعالية واستقلالية.
المرجع:
Occupational therapy interventions in promoting social
communication skills among children with autism spectrum
disorder: A scoping review
https://www.e-mjm.org/2024/v79s1/autism-spectrum-disorder.pdf?utm_source=chatgpt.com





