الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

أخصائيو العلاج الوظيفي: ما دورهم؟

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

عندما يظهر لدى الأطفال تأخر في اكتساب المهارات، قد يكون أخصائي العلاج الوظيفي من أوائل المختصين المشاركين في التقييم والتدخل

كانت كارلا تشعر بالقلق على طفلتها البالغة من العمر 11 شهرًا، التي تبنّتها من كوريا الجنوبية قبل شهر واحد. فقد كانت الطفلة تواجه صعوبة في الانتقال من الرضاعة بالزجاجة إلى تناول حبوب الأرز، مما حدّ من حصولها على ما تحتاج إليه من السعرات الحرارية والعناصر الغذائية. لذلك اصطحبتها كارلا وزوجها كريس إلى عيادة تابعة لوكالة التبنّي لإجراء تقييم لحالتها.

بعد التقييم، أُحيلت الطفلة مباشرة إلى خدمات التدخل المبكر (Early Intervention)، وهي خدمات تُقدَّم للرضع والأطفال الصغار الذين يظهر لديهم تأخر في اكتساب المهارات الأساسية التي يكتسبها الأطفال عادة خلال السنوات الثلاث الأولى من العمر.

رأى بعض المختصين أن الطفلة، التي كانت والدتها تطلق عليها اسم «الصغيرة»، قد تكون متأثرة بالضغوط المصاحبة للتبنّي والانتقال إلى بيئة جديدة، بينما اعتقد والداها أن الصعوبات التي تواجهها قد تكون أوسع من ذلك. وعلى الرغم من عدم وجود تشخيص رسمي في ذلك الوقت، اتفق المشاركون في التقييم على أن الطفلة تواجه صعوبات في التغذية مرتبطة بالحساسية الفموية، إلى جانب جوانب أخرى من التأخر النمائي. وبناءً على ذلك، أُحيلت إلى خدمات العلاج الوظيفي.

يهدف العلاج الوظيفي (Occupational Therapy – OT) إلى مساعدة الأطفال والبالغين على اكتساب المهارات اللازمة لأداء أنشطة الحياة اليومية، أو استعادتها عند فقدانها أو تأثرها. ويشير مصطلح «الوظائف» أو «المهام الوظيفية» في هذا السياق إلى الأنشطة اليومية المهمة التي يحتاج إليها الفرد للعناية بنفسه والتعلم واللعب والمشاركة باستقلالية في المنزل والمدرسة والمجتمع.

ويُعد العلاج الوظيفي مجالًا واسعًا؛ فعندما يظهر لدى الطفل تأخر في إتقان الأنشطة النمائية المعتادة، أو أنماط سلوكية تؤثر في أدائه ومشاركته اليومية، قد يكون أخصائي العلاج الوظيفي من أوائل المختصين المشاركين في تقييم احتياجاته وتقديم الدعم المناسب له.

أين يعمل أخصائيو العلاج الوظيفي؟

يعمل أخصائيو العلاج الوظيفي في بيئات متعددة. فقد يتلقى الأطفال حتى عمر ثلاث سنوات خدمات العلاج الوظيفي في المنزل ضمن برامج التدخل المبكر. كما يقدم بعض الأخصائيين خدماتهم للأطفال في المنزل أو المدرسة، بينما يعمل آخرون في عيادات أو مراكز خاصة مجهزة بأنشطة حركية وحسية.

ويعمل عدد كبير من أخصائيي العلاج الوظيفي في المدارس، حيث قد يقدمون الدعم داخل الصف الدراسي بالتعاون مع المعلمين، أو يعقدون جلسات فردية أو جماعية خارج الصف للعمل على المهارات الحركية الدقيقة والكبيرة، والمهارات المرتبطة بالمعالجة الحسية والمشاركة في الأنشطة المدرسية.

يتطلب العمل في العلاج الوظيفي الحصول على مؤهلات أكاديمية ومهنية معتمدة، وفق الأنظمة المعمول بها في كل دولة. ويتبنى الأخصائيون نهجًا شموليًا عند تقييم أداء المستفيد؛ إذ لا يقتصر التقييم على الجوانب الجسدية والحركية، بل يشمل أيضًا العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية التي قد تؤثر في قدرة الطفل على أداء الأنشطة اليومية والمشاركة فيها.

ويستخدم الأخصائي أثناء التقييم تحليل المهمة (Task Analysis) لتحديد العوامل التي تعيق أداء الطفل بدقة. فعلى سبيل المثال، إذا كان طفل يبلغ من العمر خمس سنوات لا يرتدي حذاءه بصورة مستقلة، فقد تكون الصعوبة مرتبطة بالمعالجة الحسية، أو بالمهارات الحركية الدقيقة، أو بفهم تسلسل خطوات المهمة، أو باعتماده على المساعدة والاهتمام اللذين يحصل عليهما من أحد الوالدين عند أداء المهمة.

وينطبق الأمر نفسه على طفل في مرحلة الروضة لا يزال يستخدم حفاضات التدريب. فقد يكون المرحاض مصدرًا للخوف، أو قد يشعر الطفل بعدم الثبات عندما تكون قدماه متدليتين ولا تصلان إلى الأرض، أو قد يكون مقعد المرحاض غير مريح له. وقد يقيّم الأخصائي كذلك قوة العضلات ووضعية الجلوس والتوازن والمهارات الحركية التي يحتاج إليها الطفل لإتمام خطوات استخدام المرحاض باستقلالية.

تشمل المجالات التي قد يتناولها العلاج الوظيفي ما يأتي:

  • الانتباه ومستوى الاستثارة والتنظيم.

  • معالجة المدخلات الحسية.

  • المهارات الحركية الدقيقة والكبيرة.

  • أنشطة الحياة اليومية (Activities of Daily Living – ADLs)، المعروفة أيضًا بمهارات العناية بالذات، مثل تنظيف الأسنان وارتداء الملابس واستخدام المرحاض.

  • المهارات البصرية الإدراكية.

  • الكتابة اليدوية.

  • استخدام التقنيات المساندة (Assistive Technology).

ما هي صعوبات المعالجة الحسية؟

يستند جانب من عمل أخصائيي العلاج الوظيفي في مجال المعالجة الحسية إلى أعمال أخصائية العلاج الوظيفي والباحثة إيه. جين آيرز (A. Jean Ayres)، التي طورت خلال سبعينيات القرن العشرين نظرية التكامل الحسي (Sensory Integration).

وفقًا لهذا الإطار، قد يواجه بعض الأطفال والبالغين صعوبة في استقبال المعلومات الحسية وتنظيمها ودمجها والاستجابة لها بطريقة تتناسب مع متطلبات البيئة. ولا تقتصر هذه المعلومات على الحواس الخمس المعروفة، وهي اللمس والسمع والتذوق والشم والبصر، بل تشمل أيضًا نظامين حسيين داخليين مهمين، هما الحس العميق والجهاز الدهليزي.

يساعد الحس العميق أو إدراك وضعية الجسم (Proprioception) الفرد على معرفة موضع أجزاء جسمه وحركتها ومقدار القوة المستخدمة، من خلال المعلومات الواردة من العضلات والمفاصل. وله دور مهم في التحكم الحركي والمحافظة على وضعية الجسم.

أما الجهاز الدهليزي (Vestibular System)، الموجود في الأذن الداخلية، فيزود الدماغ بمعلومات عن حركة الرأس واتجاه الجسم ووضعه في الفراغ، ويرتبط بالتوازن والتنسيق الحركي.

قد يظهر لدى الأطفال الذين يواجهون صعوبات في تنظيم المدخلات الحسية فرط في الاستجابة للمثيرات (Hypersensitivity)، أو انخفاض في الاستجابة لها (Hyposensitivity)، أو مزيج من النمطين. وقد تؤثر هذه الصعوبات في أداء الطفل ومشاركته في المنزل والمدرسة والبيئات العامة.

فالطفل الذي يظهر فرطًا في الاستجابة الحسية قد يميل إلى الانسحاب أو تجنب بعض المواقف؛ لأنه يتأثر بسرعة بالأصوات أو الإضاءة أو اللمس أو الحركة. وقد يحاول تجنب حصة الرياضة أو الفسحة أو قاعة الطعام بسبب الضوضاء والازدحام وكثرة المثيرات المحيطة.

وقد يشتت انتباهه صوت أجهزة الإضاءة أو القلق من انطلاق جرس إنذار الحريق، مما قد يجعل التركيز والمشاركة في الأنشطة الصفية أكثر صعوبة.

في المقابل، قد يبحث الطفل منخفض الاستجابة الحسية عن مدخلات إضافية تساعده على الشعور بجسمه أو المحافظة على مستوى مناسب من اليقظة. وقد يظهر ذلك داخل الصف في صورة حركة متكررة، أو لمس مستمر للأشياء، أو القفز، أو الاصطدام بالأثاث أو بالأطفال الآخرين.

وقد تُفسر هذه السلوكيات أحيانًا على أنها تشتت أو فرط نشاط. لذلك يتطلب الأمر تقييمًا شاملًا يميز بين صعوبات المعالجة الحسية واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder – ADHD)، مع الانتباه إلى إمكانية ظهورهما معًا لدى بعض الأطفال.

ولا تُعد الاستجابة القوية أو الضعيفة لمثير حسي واحد دليلًا كافيًا على وجود صعوبة في المعالجة الحسية. بل ينبغي أن تكون هذه الاستجابات متكررة وواضحة، وأن تؤثر في أداء الطفل أو مشاركته في الأنشطة اليومية.

كيف يساعد أخصائيو العلاج الوظيفي الأطفال الذين يواجهون صعوبات حسية؟

قد يقترح أخصائي العلاج الوظيفي للأطفال الذين يظهرون فرطًا في الاستجابة الحسية تعديلات بيئية، مثل توفير مقعد مناسب داخل الصف، وتقليل مصادر الضوضاء والتشتت، أو إجراء الاختبارات والمهام التي تتطلب تركيزًا في مكان أكثر هدوءًا. وتهدف هذه التعديلات إلى الحد من الحمل الحسي الزائد ودعم قدرة الطفل على المشاركة.

أما الأطفال الذين يبحثون عن المدخلات الحسية، فقد يقدم لهم الأخصائي أنشطة حركية منظمة تساعدهم على الوصول إلى مستوى أكثر ملاءمة من اليقظة والتنظيم. وقد تشمل هذه الأنشطة التأرجح، والقفز، والدفع والسحب، والهبوط الآمن على وسائد كبيرة، أو استخدام الترامبولين ضمن بيئة علاجية آمنة وتحت إشراف مناسب.

وقد يدرج الأخصائي فترات حركية أو حسية قصيرة خلال اليوم، تسمح للطفل بالمشي أو التمدد أو أداء بعض التمارين البسيطة في أوقات محددة. ويعتمد اختيار هذه الأنشطة وتوقيتها على احتياجات الطفل الفردية ومدى تأثيرها الفعلي في انتباهه وتنظيمه ومشاركته.

كما قد يستفيد بعض الأطفال من أدوات بسيطة توفر مدخلات لمسية أو فموية، مثل الأدوات اليدوية الصغيرة أو بدائل المضغ الآمنة المصممة لهذا الغرض. وينبغي ألا تستخدم هذه الأدوات بصورة عشوائية، بل يجب أن يكون لكل أداة هدف وظيفي واضح، مع متابعة أثرها في أداء الطفل داخل البيئة الطبيعية.

ولا يزال الجدل قائمًا حول فاعلية بعض الممارسات الحسية المستخدمة في العلاج الوظيفي، مثل ضغط المفاصل أو تفريش الجلد. ولا تتوافر أدلة علمية كافية تثبت أن هذه الممارسات تعيد تنظيم الدماغ أو تؤدي إلى تغيرات عصبية دائمة تمكّن الطفل من معالجة المدخلات الحسية بصورة أفضل.

وقد يلاحظ بعض الأخصائيين أو الأسر تغيرات مؤقتة في هدوء الطفل أو انتباهه بعد استخدام بعض هذه الممارسات، إلا أن الملاحظات الفردية لا تكفي وحدها لإثبات فاعليتها أو تعميمها على جميع الأطفال.

وقد وصفت إحدى أخصائيات العلاج الوظيفي حالة طفل كان كثير الحركة ونادر التواصل البصري، ولاحظت زيادة في تواصله البصري بعد استخدام وسائد حسية وتفريش الجلد خلال الجلسة. إلا أن هذه الملاحظة لا تعني أن الطفل قد عولج من الصعوبة، بل قد تشير إلى تغير مؤقت في مستوى تنظيمه خلال ذلك الموقف. لذلك ينبغي تفسير مثل هذه الاستجابات بحذر، وربطها بقياسات موضوعية ومتابعة مستمرة.

ونظرًا إلى تنوع العلامات التي قد ترتبط بصعوبات المعالجة الحسية، يمكن للوالدين والمربين استخدام قوائم ملاحظة منظمة للمساعدة على تحديد الأنماط التي تستدعي تقييمًا مهنيًا. ومع ذلك، لا تعد هذه القوائم أدوات تشخيصية، ولا تغني عن التقييم المباشر والشامل.

كما قد يقدم اختلاف أداء الطفل بين البيئات معلومات مهمة. فإذا كان الطفل أكثر حركة أو تشتتًا في الصف مقارنة بالمنزل، فقد تكون بعض خصائص البيئة المدرسية، مثل الضوضاء أو الازدحام أو الإضاءة أو كثرة المتطلبات، من العوامل المؤثرة.

وقد يرتبط هذا الاختلاف أيضًا بتباين الروتين أو مستوى الدعم أو متطلبات المهمة أو النتائج المترتبة على السلوك بين البيئات. لذلك ينبغي عدم افتراض أن السبب حسي فقط، بل يجب النظر إلى جميع العوامل المحتملة عند إجراء التقييم ووضع خطة التدخل.

دعم المهارات الحركية الكبيرة

تتضمن المهارات الحركية الكبيرة استخدام المجموعات العضلية الكبرى في الجسم لأداء أنشطة مثل المشي والجري وصعود الدرج والقفز ورمي الكرة والتقاطها. وعندما يواجه الطفل صعوبة في هذه المهارات، فقد يظهر لديه ضعف في التوازن أو التناسق الحركي أو القوة العضلية أو القدرة على التحمل.

وقد تؤثر هذه الصعوبات في قدرة الطفل على التنقل والمشاركة في اللعب والأنشطة البدنية. كما قد تحد من مشاركته في الفسحة والأنشطة الرياضية، مما قد يقلل فرص التفاعل مع أقرانه ويؤثر في ثقته بقدراته الحركية.

يستخدم أخصائيو العلاج الوظيفي أنشطة متنوعة لدعم المهارات الحركية الكبيرة بما يتناسب مع احتياجات الطفل. فقد تساعد أنشطة رمي الكرات ذات الأحجام والأوزان المختلفة والتقاطها على تنمية التناسق بين العين واليد، والتوازن، وتقدير المسافة والقوة اللازمة للحركة.

كما يمكن استخدام مسارات العوائق، التي تتضمن المشي أو الزحف أو القفز وتجاوز الحواجز، لدعم التوازن والتخطيط الحركي والتناسق بين جانبي الجسم. وقد يساعد ركوب الدراجة ثلاثية العجلات على تنمية قوة الساقين والقدرة على التحمل والتنسيق الحركي.

وقد يعمل أخصائي العلاج الوظيفي بالتعاون مع أخصائي العلاج الطبيعي (Physical Therapist)، نظرًا إلى وجود تداخل بين التخصصين في بعض الأهداف المرتبطة بالحركة والقوة والتوازن. ومع ذلك، يركز العلاج الوظيفي بصورة أساسية على مساعدة الطفل على استخدام مهاراته الحركية للمشاركة في الأنشطة اليومية، بينما قد يركز العلاج الطبيعي بدرجة أكبر على الحركة العامة ووظائف العضلات والمفاصل والتنقل.

وقد يؤثر انخفاض توتر العضلات (Low Muscle Tone) أو ضعف عضلات الجذع في قدرة الطفل على المحافظة على وضعية جلوس مستقرة ومستقيمة. وقد يؤدي ذلك إلى شعوره بالتعب أثناء الجلوس، أو الاتكاء على الطاولة، أو تغيير وضعية جسمه بصورة متكررة.

وتُعد القدرة على الجلوس بثبات مهمة للمشاركة في الأنشطة الصفية، كما تدعم أداء المهام الحركية الدقيقة مثل الرسم والقص والكتابة.

وقد يستخدم الأخصائي أنشطة مثل المشي بوضعية السلطعون، وتمارين ثني الجذع، والزحف، والتدحرج، والجلوس أو الارتداد المنظم على الكرة العلاجية. وتهدف هذه الأنشطة إلى دعم قوة الجذع والثبات الوضعي والتوازن والتناسق الحركي.

دعم المهارات الحركية الدقيقة

تتضمن المهارات الحركية الدقيقة استخدام العضلات الصغيرة في اليدين والأصابع لأداء مهام تتطلب الدقة والتحكم والتناسق. وعندما يظهر لدى الطفل ضعف في القوة العضلية لليد، أو التحكم الحركي، أو البراعة اليدوية، فقد يواجه صعوبة في الرسم واستخدام المقص ونظم الخرز والتعامل مع الأدوات والأجسام الصغيرة.

وقد تؤثر هذه الصعوبات، إذا استمرت، في أداء عدد من المهام الأكاديمية، مثل تقليب صفحات الكتب والكتابة واستخدام لوحة المفاتيح أو الأجهزة التعليمية. كما تدخل المهارات الحركية الدقيقة في كثير من مهارات العناية بالذات، مثل إغلاق الأزرار والسحّابات وربط الحذاء واستخدام أدوات الطعام.

يستخدم أخصائيو العلاج الوظيفي أنشطة متنوعة لدعم هذه المهارات بما يتناسب مع عمر الطفل واحتياجاته. فعلى سبيل المثال، قد تساعد أنشطة الرسم أو الطباعة بالنقاط على تنمية التحكم الحركي والبراعة واستخدام الإبهام والسبابة في الإمساك بالأدوات.

وتُعرف طريقة الإمساك بالأجسام الصغيرة بين الإبهام والسبابة باسم المسكة الكماشية (Pincer Grasp)، وهي مهارة مهمة للإمساك بالقلم والشوكة والقطع الصغيرة.

كما قد يساعد فقع فقاعات أغلفة التغليف على دعم المسكة الكماشية والبراعة والتآزر البصري الحركي (Visual-Motor Coordination)، أي تنسيق حركة اليد مع المعلومات البصرية.

ويمكن استخدام أنشطة مثل التقاط العملات المعدنية أو الأجسام الصغيرة بيد واحدة لدعم القدرة على تحريك الأشياء وضبطها داخل اليد. كما تسهم أنشطة تمرير الأربطة داخل الثقوب في تنمية التناسق الحركي الدقيق والانتباه البصري.

وقد يبدأ الأطفال الأصغر سنًا بأنشطة التقاط الأشياء باستخدام ملاقط كبيرة، ثم ينتقلون تدريجيًا إلى ألعاب ومهام تتطلب قدرًا أكبر من الدقة والتحكم.

كما يمكن استخدام المعجون العلاجي (Therapeutic Putty) بدرجات متفاوتة من المقاومة لدعم قوة اليد والأصابع والبراعة الحركية. ويجب اختيار درجة المقاومة وطبيعة النشاط وفق قدرات الطفل، مع تجنب المهام التي قد تسبب الإجهاد أو الإحباط.

ولا ينبغي أن تقتصر هذه الأنشطة على تنمية القوة أو البراعة بصورة منفصلة، بل يجب ربطها بمهام وظيفية يحتاج الطفل إلى أدائها في حياته اليومية، مثل الكتابة أو تناول الطعام أو ارتداء الملابس.

تعليم مهارات العناية بالذات

تُعد مهارات العناية بالذات جزءًا أساسيًا من أنشطة الحياة اليومية (Activities of Daily Living – ADLs). وتشمل ارتداء الملابس وخلعها، وإغلاق الأزرار والسحّابات، وربط الحذاء، وتمشيط الشعر، وتنظيف الأسنان، واستخدام المرحاض، وتناول الطعام باستخدام الأدوات المناسبة.

وقد يحتاج الطفل إلى تنمية المهارات الحركية الدقيقة والقوة العضلية والتنسيق الحركي حتى يتمكن من أداء هذه المهارات باستقلالية. كما قد تتطلب بعض المهام القدرة على فهم تسلسل الخطوات، والمحافظة على الانتباه، وتقليد النموذج، وطلب المساعدة عند الحاجة.

يعمل أخصائي العلاج الوظيفي على تحليل كل مهارة إلى خطوات صغيرة وواضحة، ثم يقدم النموذج والمساعدة المناسبة للطفل. ويمكن أن تشمل المساعدة توجيهًا لفظيًا أو بصريًا أو حركيًا، على أن تُخفف تدريجيًا كلما تحسن أداء الطفل وازدادت استقلاليته.

وقد تؤثر صعوبات المعالجة الحسية في قدرة الطفل على أداء بعض مهارات العناية بالذات. فالطفل الذي لا يحتمل ملامسة الماء لوجهه، أو ينزعج من ملمس الملابس الخشنة أو الضيقة، أو يرفض وضع أدوات أو أطعمة معينة في فمه، قد يواجه صعوبة في الاستحمام وارتداء الملابس وتنظيف الأسنان وتناول الطعام.

وفي هذه الحالات، قد يستخدم الأخصائي أسلوب التدرج في التعرض للمثيرات الحسية، مع البدء بمستوى يمكن للطفل تحمله، ثم زيادة المتطلبات تدريجيًا وفق استجابته، دون إجباره على تحمّل خبرات شديدة الإزعاج.

فعند تدريب الطفل على تنظيف الأسنان، يمكن البدء بتقبّل لمس الشفتين أو الأسنان لفترات قصيرة، ثم استخدام فرشاة مناسبة ومعجون أسنان يتقبله الطفل، مع زيادة مدة التنظيف وعدد الأسنان تدريجيًا.

وعند الاستحمام، قد يساعد تجنب رش الماء مباشرة على الوجه، أو استخدام منشفة لحمايته من الرذاذ، ثم تعويده تدريجيًا على ملامسة الماء للوجه إذا كان ذلك هدفًا وظيفيًا مناسبًا.

أما عند التسوق، فقد يكون من المفيد اختيار الأوقات الأقل ازدحامًا، وتقليل مدة الزيارة، وإعداد الطفل مسبقًا لما سيحدث، ومنحه دورًا واضحًا مثل حمل غرض خفيف أو دفع عربة التسوق إذا كان ذلك آمنًا ومناسبًا لقدراته.

ويجب اختيار الاستراتيجيات وفق سبب الصعوبة، وعدم افتراض أن كل رفض أو تجنب ناتج عن عامل حسي؛ فقد يكون السلوك مرتبطًا أيضًا بصعوبة المهمة أو نقص التدريب أو الهروب من الطلب أو الحصول على المساعدة والاهتمام.

العلاج الوظيفي وصعوبات التغذية

قد يشارك أخصائي العلاج الوظيفي في تقييم صعوبات التغذية وعلاجها عندما تكون مرتبطة بالمهارات الفموية الحركية، أو المعالجة الحسية، أو وضعية الجلوس، أو استخدام أدوات الطعام، أو قدرة الطفل على المشاركة في روتين الوجبات.

وفي الحالة الواردة في المقال، رأت كارلا أن التدخل المرتبط بالتغذية ساعد طفلتها على إحراز تقدم ملحوظ. فبعد مرور ثلاث سنوات على بدء الخدمات، انتقلت الطفلة من الاعتماد على زجاجة الرضاعة إلى تناول مجموعة أوسع من الأطعمة، شملت المقرمشات والفواكه الطازجة وبعض أنواع اللحوم سهلة المضغ والمعكرونة من دون صلصة.

ومع ذلك، بقيت بعض أنواع الطعام تمثل تحديًا لها. فقد كانت ترفض في البداية أن تلامس الملعقة المحملة بطعام ذي قوام كريمي شفتيها. وبعد وصول الطعام إلى وجهها، لم تكن تبدو منتبهة إلى وجوده حتى تحاول والدتها مسحه.

وقد يشير هذا النمط إلى تفاوت في الاستجابة الحسية؛ إذ قد يظهر لدى الطفل رفض شديد قبل ملامسة الطعام للفم أو الوجه، مع انخفاض الانتباه إلى المثير نفسه بعد حدوثه. إلا أن تفسير هذا السلوك يحتاج إلى تقييم مباشر، ولا يمكن الجزم بسببه اعتمادًا على ملاحظة واحدة.

كما استمرت الطفلة في تجنب الأطعمة ذات القوام المختلط، مثل الزبادي الممزوج بالحبوب، وكانت تتناول قضمات صغيرة جدًا. وذكرت والدتها أنها قد تقسم قطعة صغيرة من حبوب الإفطار إلى عدة قضمات.

وشُخّصت الطفلة لاحقًا باضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). وقد يظهر لدى بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد انتقائية غذائية أو تفضيل لعدد محدود من الأطعمة، إلا أن شدة هذه الصعوبات وأسبابها تختلف من طفل إلى آخر.

وقد ترتبط صعوبات التغذية بالقوام أو الرائحة أو الطعم أو درجة الحرارة، أو بمهارات المضغ والبلع، أو بالقلق من تجربة أطعمة جديدة، أو بتاريخ سابق من الألم أو الانزعاج أثناء الأكل. لذلك ينبغي أن يعتمد التدخل على تقييم شامل، وألا يُفسَّر رفض الطعام على أنه مشكلة حسية فقط.

كما يجب الانتباه إلى أن صعوبات المضغ أو البلع، أو فقدان الوزن، أو الاختناق المتكرر، أو محدودية النظام الغذائي بدرجة تؤثر في النمو أو التغذية، تستلزم تقييمًا طبيًا وتغذويًا متخصصًا، وقد تتطلب تعاون أخصائي العلاج الوظيفي مع أخصائي النطق واللغة والطبيب وأخصائي التغذية.

ختامًا

لا يقتصر دور العلاج الوظيفي على تدريب الطفل على مهارة منفردة، بل يشمل تحليل العوامل الحركية والحسية والإدراكية والبيئية التي تؤثر في قدرته على أداء الأنشطة اليومية والمشاركة فيها.

وقد يتدخل أخصائي العلاج الوظيفي لدعم المهارات الحركية الدقيقة والكبيرة، والعناية بالذات، والكتابة، واستخدام الأدوات، والتغذية، والمشاركة في الأنشطة الصفية والمنزلية.

ويعتمد التدخل المهني الملائم على تقييم فردي شامل، وتحديد أهداف وظيفية واضحة وقابلة للقياس، واختيار ممارسات تستند إلى أفضل الأدلة المتاحة، مع متابعة استجابة الطفل وتعديل الخطة وفق البيانات والملاحظة المباشرة.

كما يتطلب تحقيق نتائج وظيفية قابلة للتعميم تعاونًا مستمرًا بين الأسرة والمدرسة وأخصائي العلاج الوظيفي والتخصصات الأخرى ذات العلاقة، بحيث تُمارس المهارات في البيئات والمواقف الطبيعية التي يحتاج الطفل إلى استخدامها فيها.

المرجع:

Occupational Therapists: What Do They Do?

https://childmind.org/article/occupational-therapists-what-do-they-do/