ترجمة: أ. أماني أبوالعينين
تعتمد معظم معارفنا في الطب النفسي والعصبي على “نموذج الآفة”. فعندما يكون الجهاز العصبي سليمًا، ثم يحدث خلل ما، كالسكتة الدماغية أو النزيف، يتلف جزء من الأنسجة، وقد تبقى بعض الأعراض. أما في اضطراب طيف التوحد واضطرابات النمو ذات الصلة، فبدلًا من أن تكون منطقة محددة هي “المشكلة”، فإن دوائر دماغية واسعة الانتشار تعاني من خلل وظيفي، غالبًا دون ظهور علامات واضحة. وهذا ناتج عن نمو غير طبيعي للدماغ في مراحله المبكرة ، مما يجعل تحديد “الهدف” العلاجي أمرًا صعبًا.
لوحظ أن مستوى الأداء لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يتفاوت بشكل كبير من يوم لآخر (بل وأحيانًا من ساعة لأخرى). على سبيل المثال، ينطق العديد من المشخصين باضطراب طيف التوحد ، ممن لا يستطيعون الكلام، بكلمات لم يكن آباؤهم على دراية بقدرتهم على استخدامها. وفي بعض الأحيان، يبدو أن المشخصين باضطراب طيف التوحد يتعلمون بسرعة، بينما يواجهون صعوبة في التعلم في أيام أخرى. ومن المثير للاهتمام، أنه عند ارتفاع درجة حرارة المشخصين باضطراب طيف التوحد ، لوحظ تحسن في وظائفهم. لا نتوقع أن نرى هذا التحسن لدى ضحايا السكتة الدماغية، على سبيل المثال. فإذا فقد ضحية السكتة الدماغية القدرة على استخدام إحدى ساقيه، فلن نرى عودة وظيفة الساق ليوم واحد ثم عودتها مرة أخرى. على النقيض من ذلك، يقودنا التباين الملحوظ في اضطراب طيف التوحد إلى فرضية مفادها أن دوائر الدماغ سليمة نسبيًا، ولكن ثمة ما يمنعها من العمل على النحو الأمثل في بعض الأحيان (وربما في معظم الأوقات). فعندما يكون الشخص متعبًا للغاية، لن يكون هذا هو الوقت المناسب له لمحاولة القيام بمهمة صعبة، ولذلك ننتظر حتى نكون في حالة فسيولوجية أفضل للقيام بتلك المهمة. وبالمثل، يهدف مفهوم علاج اضطراب طيف التوحد إلى تحسين البيئة الفسيولوجية التي يعمل فيها الدماغ. ويتم ذلك بطريقة طبيعية، من خلال توفير قسط كافٍ من النوم، وغذاء صحي، وبيئة خالية من التوتر. ولأعوام طويلة، أدرك علماء السلوك أن تهيئة بيئة غير محفزة بشكل مفرط تُسهّل عملية التعلم. ولتحسين علاجات الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد ، يحتاج الباحثون والأطباء إلى تطوير هذا المفهوم.
من العلامات الرئيسية لاضطراب طيف التوحد صعوبة تقبّل التغيرات البيئية والتكيف معها. ويشير التشخيص الرسمي إلى ذلك بـ”التمسك الشديد بالروتين”، مما يفسر السلوكيات المتكررة والسلوكيات التي تظهر أثناء التغيرات البيئية. وبالمثل، يمكن تفسير القصور الاجتماعي بأن المهارات الاجتماعية تعتمد على الحاجة إلى تغيير أسلوب التفاعل باستمرار استجابةً للشخص الذي يتم التعامل معه. ورغم أننا لا نملك فهمًا كاملًا لهذه المشكلة حتى الآن، إلا أن إحدى الفرضيات الجذابة هي أن “النواقل العصبية” المسؤولة عن مساعدة الدماغ على التكيف مع البيئة لا تعمل بكفاءة.
يوجد ناقل عصبي يُسمى النورأدرينالين (ويُسمى أيضًا النورإبينفرين) يعمل بشكل أساسي كمعدِّل عصبي. أي أنه لا ينقل الإشارات من عصبون إلى آخر، بل يعمل كمعدِّل لوظائف العصبونات والدوائر العصبية، فيُفعِّلها أو يُعطِّلها، ويُغيِّر مستوى صوتها، وما إلى ذلك. يمكن تشبيهه بقائد أوركسترا مهمته خفض صوت آلات النفخ حتى تتمكن آلات الكمان من عزف اللحن. لاحقًا، عليه إدخال آلات أخرى، ربما بمستويات صوت عالية، لخلق التأثير المطلوب.
أقترح أن الجهاز النورأدرينالين لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يعاني من خلل في وظيفته، فلا يؤديها على النحو الأمثل. ويؤدي هذا الخلل المزمن إلى عجز دائم مع نمو الأطفال. وأوضح مثال على ذلك هو أن الجهاز النورأدرينالين ضروري لتركيز الانتباه وتغييره. فعندما نكون في العالم الخارجي، قد نكون في حالة “مسح شامل”؛ بالنسبة لأسلافنا، كان هذا يعني البحث عن المفترسات أو الفرائس. وعندما نصادف شيئًا ما، كطعام على شجرة، نحتاج إلى معرفة كيفية الوصول إليه، الأمر الذي يتطلب انتباهًا وتركيزًا، وربما تعلم مهمة جديدة. وبمجرد تناول الطعام، نعود إلى مسح البيئة المحيطة لنرى ما قد يأتي بعد ذلك (كالعثور على الماء أو أنثى). ويتطلب كل انتقال من هذه الانتقالات أن يبدأ الجهاز النورأدرينالي عملية التبديل. فإذا لم يقم الجهاز النورأدرينالي بوظيفته في ذلك الوقت، فلن يحدث تبديل في الدوائر العصبية، وسيستمر الشخص في حالته الراهنة. أو على العكس من ذلك، إذا تم إطلاق نظام النورأدرينالين في الوقت الخطأ، فسيحدث التبديل قبل الأوان في منتصف المهمة.
إلى جانب الانتباه، توجد أمثلة أخرى كثيرة توضح كيف يجب تعديل الدوائر العصبية لضمان الأداء السليم. لاحظ علماء السلوك منذ زمن طويل أن أداء الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يتحسن بشكل ملحوظ عند تلقيهم “توجيهات. غالبًا ما تُمكّن لمسة بسيطة في الاتجاه الصحيح الطالب من أداء مهمة معقدة كان يعجز عن إنجازها بدونها. في الواقع، تزخر الأدبيات السلوكية بمعلومات حول كيفية تقليل التوجيهات تدريجيًا نظرًا لفعاليتها الكبيرة. من المرجح أن وظيفة التوجيه هي تحفيز الدوائر العصبية المناسبة لأن التحفيز النورأدرينالي لم ينجح في ذلك حينها. تشمل الوظائف الأخرى التي تعتمد على التعديل النورأدرينالي اكتساب اللغة، والنوم، ومستويات اليقظة، وتكوين الذاكرة والقدرة على نسيانها، وتثبيت التعلم، والوظائف اللاإرادية المرتبطة بمشاعرنا وسلوكنا. بعبارة أخرى، يمكن للتعديل النورأدرينالي – أو خلله – أن يفسر العديد من أوجه القصور التي تُلاحظ في اضطراب طيف التوحد .
إن استخدام الأدوية النورأدرينالية ليس بالأمر الجديد في الطب النفسي، ولا حتى في علاج اضطراب طيف التوحد . يعمل كل من الكلونيدين والغوانفاسين على هذا النظام بأشكال قصيرة أو طويلة المفعول، ويُستخدمان عادةً للأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد. جميع الأدوية المستخدمة لعلاج اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط هي أدوية أدرينالية. مع ذلك، يُعد البروبرانولول (الاسم التجاري: إنديرال) دواءً أقل استخدامًا، ولكنه أظهر نتائج واعدة. استخدم ديفيد بيفرسدورف وفريقه في جامعة ميسوري جرعات صغيرة مفردة من البروبرانولول على أفراد ذوي أداء عالٍ مشخّصين باضطرابات طيف التوحد. وقد أظهروا تحسنًا في الوظائف الإدراكية في العديد من نماذج الاختبار المختلفة. لقد استخدمتُ جرعات كبيرة من البروبرانولول لأفراد مشخصين باضطراب طيف التوحد يعانون من أعراض حادة من العدوانية أو سلوكيات إيذاء الذات. وقد تحسنت حالة حوالي 85% من هؤلاء الأطفال الذين استخدمتُ معهم هذا الدواء “تحسنًا كبيرًا” أو “تحسنًا ملحوظًا”، وكان هؤلاء الأطفال قد فشلوا في الاستجابة لأكثر من ستة أدوية أخرى في المتوسط (مع تجربة بعضهم لما يصل إلى 12 دواءً). حصلتُ مؤخراً على تمويل منحة، وسأبدأ قريباً تجربة سريرية مزدوجة التعمية مضبوطة بالغفل باستخدام بروبرانولول لعلاج المرضى الذين يعانون من عدوانية شديدة أو إيذاء الذات. هذا النوع من الدراسات الدقيقة ضروري لإثبات النتائج التي لاحظتها في ممارستي السريرية.
تُعدّ الأدوية النفسية، بصيغتها الحالية، أداةً غير دقيقة لمعالجة أمراض الدماغ. عند إعطاء الدواء عن طريق الفم، يجب أن نُدرك أنه لن يكون مُستهدفًا بشكلٍ انتقائي للدوائر العصبية التي نرغب في “إصلاحها”. لا يكمن الأمر في زيادة أو نقص النورأدرينالين، بل في عدم انتظام إفرازه وعدم قيامه بوظيفته في الأوقات المطلوبة. لذا، لا بد من البحث عن طرق أفضل لإعطاء العلاجات. تُساهم تقنيات مثل الاسترخاء العميق أو التأمل في تنظيم الجهاز الأدرينالي، إلا أن تجربتي تُشير إلى أن تأثيرها لا يدوم طويلًا، إذ يعود الخلل بعد دقائق معدودة. قد يتمكن المتأملون المُتمرسون من التغلب على هذه المشكلة، لكنني لا أتوقع أن يُصبح الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد خبراء في هذه التقنيات. تستحق الطرق الفيزيولوجية الكهربائية، مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، الذي يستخدمه فريق ماني كازانوفا البحثي في ولاية كارولينا الجنوبية، اهتمامًا خاصًا. يُستخدم التحفيز العميق للدماغ بنجاح حاليًا لعلاج الوسواس القهري ومرض باركنسون. يسمح هذا بتحفيز دوائر عصبية مهمة بشكل دقيق؛ إلا أن الحاجة إلى زرع الأقطاب الكهربائية جراحيًا تحدّ من جدوى تصميم الأبحاث لهذه التقنية. أما تحفيز العصب المبهم، فيُعدّ واعدًا ويُستخدم لعلاج الصرع. وحتى وقت قريب، كان يتطلب زرعًا جراحيًا. ولكن، تتوفر الآن أجهزة تحفيز خارجية للعصب المبهم، تُجرى عليها تجارب لعلاج اضطرابات مختلفة، ولا تتطلب سوى وضعها على الجلد.
قبل أربعين عامًا، كانت أفضل العلاجات القائمة على الأدلة لاضطرابات طيف التوحد هي التحليل السلوكي التطبيقي والأدوية المضادة للذهان. أما اليوم، فأفضل العلاجات المتاحة مشابهة مع بعض التحسينات، لكن لم تُحرز أي تقدم يُذكر. أعتقد أن العلاجات المُحسّنة التي تستهدف أهدافًا أكثر دقة من المرجح أن تُحقق نجاحًا. ومع وجود هذه العلاجات الواعدة قيد الدراسة، فإن المطلوب هو دراسة هذه الأساليب الجديدة دراسة متأنية لتوفير الأدلة العلمية اللازمة لتطبيقها على من يحتاجون إليها.
المراجع
New Treatment Directions for Autism Spectrum Disorders – Neuromodulation





