ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
الاستفادة من الجوانب الإيجابية مع بناء توازن مناسب
عند الحديث عن استخدام الشاشة، تميل إرشادات المختصين إلى التركيز على مخاطرها المحتملة على الأطفال وطرق الحد من استخدامها. إلا أن الأطفال لا يتشابهون في احتياجاتهم، كما أن الأنشطة والمحتويات المقدمة عبر الشاشة ليست متساوية في طبيعتها أو آثارها.
ويتزايد الاهتمام بالدور الإيجابي الذي قد تؤديه التقنية لدى الأطفال ذوي التنوع العصبي (Neurodivergent Children)، بمن فيهم الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، واضطرابات التعلم. وقد تمتد فوائدها من الجوانب الاجتماعية إلى التعليمية؛ إذ يمكن أن توفر التقنية مساحة مألوفة ومريحة تساعد الطفل على الاستكشاف والتعلم والتعبير عن ذاته والعثور على مجالات تناسب اهتماماته.
ومع ذلك، فإن الاستخدام المفرط للتقنية قد يرتبط بأنماط استخدام إشكالية أو بمخاطر تتعلق بالسلامة الرقمية. ويساعد فهم الفوائد والمخاطر معًا الأسر على الوصول إلى توازن يتناسب مع احتياجات كل طفل.
فوائد استخدام الشاشة للأطفال ذوي التنوع العصبي
تشير الأدلة إلى أن بعض الأنشطة المعتمدة على الشاشة، مثل ممارسة الألعاب الرقمية مع الآخرين أو استخدام البرامج التعليمية، قد توفر فوائد واضحة للأطفال عندما تكون مناسبة لأعمارهم واحتياجاتهم. وقد تدعم هذه الأنشطة التعلم والتواصل الاجتماعي والصحة النفسية بطرائق متعددة، منها:
التنظيم الانفعالي
قد توفر الشاشة لبعض الأطفال ذوي التنوع العصبي شعورًا بالأمان والقدرة على التنبؤ في البيئات التي يجدونها مرهقة أو شديدة التحفيز. كما قد تساعدهم مشاهدة محتوى مألوف على الهدوء والتعامل مع القلق.
التواصل الاجتماعي
تتيح التقنية للأطفال التواصل مع أقران يشاركونهم الاهتمامات نفسها، سواء كانوا قريبين منهم أم في مناطق بعيدة، مما قد يساعدهم على تكوين علاقات اجتماعية يصعب بناؤها في بعض البيئات التقليدية.
التواصل مع انخفاض الضغوط الاجتماعية
قد يجد بعض الأطفال ذوي التنوع العصبي أن التواصل عبر الشاشة أسهل من التواصل المباشر؛ لأنه يقلل بعض الضغوط والأعراف المرتبطة بالتفاعل وجهًا لوجه. وقد أشار بعض الطلاب ذوي اضطراب طيف التوحد إلى أن التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساعدهم على بناء علاقات يرونها جيدة.
تنمية المهارات الاجتماعية
يمكن للتقنية أن توفر فرصًا لتعلم بعض المهارات الاجتماعية، مثل ملاحظة القواعد والأعراف الاجتماعية من خلال البرامج المرئية، أو التدرب على التعاون والتعامل مع الخلافات أثناء المحادثة وممارسة الألعاب الجماعية.
استكشاف الاهتمامات
تتيح الشاشة للأطفال التعمق في الموضوعات التي تثير اهتمامهم، مثل الشخصيات الخيالية أو الطيران أو العلوم، مما قد يساعدهم على تنمية معرفتهم ومهاراتهم وثقتهم في المجالات التي يفضلونها.
التعلم القائم على عناصر اللعب
قد تساعد البرامج التعليمية القائمة على عناصر اللعب الأطفال الذين يواجهون صعوبات في التعلم أو في متابعة الدروس التقليدية، إذ يمكن أن تقدم المحتوى بأسلوب أكثر تفاعلًا وجاذبية.
إتاحة الوصول
توفر بعض التقنيات تسهيلات مهمة للطلاب الذين يواجهون صعوبات في القراءة أو الكتابة أو التواصل اللفظي، مثل:
تحويل الكلام إلى نص (Speech-to-Text).
تحويل النص إلى كلام (Text-to-Speech).
وسائل التواصل المعزز والبديل (Augmentative and Alternative Communication — AAC).
الشعور بالتحكم
قد يمنح اختيار المحتوى الذي يشاهده الطفل أو الشخصية التي يستخدمها في اللعبة شعورًا بالاختيار والتحكم، وهو أمر قد يكون مهمًا للأطفال الذين يواجهون قدرًا كبيرًا من التوجيه في حياتهم اليومية.
دعم الوظائف التنفيذية
يمكن للأدوات الرقمية، مثل التقويمات الإلكترونية والمخططات والمنبهات والتذكيرات، أن تساعد الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الوظائف التنفيذية، مثل تنظيم الوقت، وتذكر المهام، والتخطيط لها.
تعلم المهارات الحياتية
تشير بعض الدراسات إلى إمكانية استخدام التعلم القائم على اللعب، والواقع الافتراضي (Virtual Reality)، والواقع المعزز (Augmented Reality)، والذكاء الاصطناعي في تعليم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد عددًا من المهارات الحياتية، مثل العناية الشخصية، والنظافة، واستخدام وسائل النقل، وقراءة الخرائط.
تنمية المهارات المهنية
قد يسهم اهتمام الطفل بالحاسب والأنشطة الرقمية في بناء مهارات يمكن الاستفادة منها مهنيًا في المستقبل، مثل البرمجة، وعلوم الحاسب، وتصميم الألعاب. إلا أن ذلك يعتمد على طبيعة النشاط وما إذا كان يؤدي إلى تعلم مهارات فعلية، وليس على مدة استخدام الشاشة وحدها.
المخاوف الشائعة المرتبطة بوقت استخدام الشاشة
تعتمد كثير من المهام النمائية الأساسية لدى الأطفال الصغار على التفاعل المباشر مع الأشخاص والبيئة المحيطة. لذلك، لا يتمثل القلق في أن الشاشة ضارة بطبيعتها، وإنما في الأنشطة والخبرات التي قد يحل استخدامها محلها.
ويصبح استخدام الشاشة مصدرًا للقلق عندما يتداخل مع الوظائف الأساسية في حياة الطفل، مثل العناية الشخصية، والنشاط البدني، والدراسة، والعلاقات الاجتماعية. كما قد يكون الاستخدام غير الملائم للشاشة مصاحبًا لانخفاض المزاج أو الإنهاك النفسي، خصوصًا عندما يصبح الطفل منشغلًا بها إلى درجة إهمال بقية أنشطته ومسؤولياته.
ومن أبرز المخاوف المحتملة:
الاستخدام الإدماني أو الإشكالي
قد يكون الأشخاص ذوو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أكثر عرضة لبعض أنماط الاستخدام الرقمي الإشكالي، بسبب عوامل مثل الاندفاعية وصعوبة تنظيم الوقت. وقد يتزامن الاستخدام المفرط مع زيادة بعض صعوبات الانتباه، إلا أن العلاقة بينهما معقدة ولا يمكن تفسيرها بعامل واحد.
انخفاض القدرة على التركيز
قد يؤثر الاستخدام المفرط لبعض أنواع المحتوى الرقمي في قدرة الطفل على التركيز في الأنشطة غير المفضلة، خاصة الأنشطة الأبطأ أو التي لا تقدم تعزيزًا فوريًا.
مشكلات النوم
قد يؤدي استخدام الشاشة قبل النوم إلى صعوبة الاستغراق فيه أو التأثير في مدته وجودته. وقد يسهم الضوء الصادر من الأجهزة، إلى جانب طبيعة المحتوى واستمرار الطفل في النشاط، في اضطراب الاستعداد للنوم والشعور بالتعب أو تقلب المزاج في اليوم التالي.
التنمر الإلكتروني
قد يكون الأطفال ذوو التنوع العصبي أكثر عرضة للتنمر المباشر أو الإلكتروني. وقد يواجه بعض الأطفال الذين يميلون إلى الفهم الحرفي صعوبة في تفسير السخرية أو النوايا غير الواضحة في الرسائل ووسائل التواصل الاجتماعي، مما قد يجعلهم أقل قدرة على إدراك تعرضهم للاستهزاء أو الاستغلال.
المواقف الرقمية غير الآمنة
يمكن أن يتعرض الأطفال للخداع أو انتحال الهوية أو الاستدراج عبر الإنترنت. ولذلك يحتاج الأطفال، وخصوصًا الأكثر عرضة للاستغلال في المواقف الاجتماعية، إلى قواعد واضحة وإشراف مناسب على استخدامهم للشاشة.
انخفاض النشاط البدني
قد يؤدي قضاء وقت طويل أمام الشاشة إلى تقليل فرص الحركة والنشاط البدني، وهو جانب أساسي من جوانب الصحة الجسدية والنفسية.
تحقيق التوازن
لا يقتصر الوصول إلى التوازن المناسب على تحديد عدد ثابت من الساعات يصلح لجميع الأطفال. وقد اتجهت التوصيات الحديثة إلى التركيز على طبيعة المحتوى وسياق استخدامه وتأثيره في حياة الطفل، بدل الاعتماد على حد زمني موحد.
فالحدود الزمنية وحدها لا تراعي جميع احتياجات الأطفال والمراهقين اللازمة لبناء علاقة صحية مع التقنية والمحافظة على صحتهم النفسية.
إرشادات لتنظيم وقت استخدام الشاشة لدى الأطفال ذوي التنوع العصبي
الملاحظة
قبل الحكم على استخدام الطفل للشاشة، يُفضّل ملاحظة عاداته وكيفية استجابته للأنواع المختلفة من المحتوى. فقد يؤدي استخدام بعض المنصات إلى صعوبة التوقف أو زيادة الاضطراب الانفعالي، بينما تساعد أنشطة أخرى، مثل التحدث مع الأقران أثناء ممارسة لعبة جماعية، على الشعور بالتواصل.
المشاركة في اللعب أو المشاهدة
يمكن للوالدين مشاركة الطفل إحدى الألعاب أو مشاهدة محتواه المفضل معه. ويساعد ذلك على فهم اهتماماته ودوافعه، ويوفر فرصة للتواصل، كما قد يكشف عن المهارات التي يتعلمها أو يتدرب عليها أثناء الاستخدام.
التواصل
عند وجود مخاوف، ينبغي مناقشتها مع الطفل وشرح أسبابها. ويمكن توضيح أن بعض المنصات مصممة لتشجيع المستخدم على مواصلة المشاهدة، مما قد يجعل التوقف صعبًا، ثم ربط ذلك بأثر الاستخدام في النوم أو الحركة أو الأنشطة اليومية.
تقديم الدعم التدريجي
بدل الاعتماد على القيود الصارمة وحدها، يمكن مساعدة الطفل على تعلم ملاحظة حدوده وتنظيم استخدامه تدريجيًا. فمع تقدمه في العمر، يحتاج إلى اكتساب القدرة على المراقبة الذاتية بدل الاعتماد الدائم على إشراف الآخرين.
تحديد نقاط للتوقف
Establish Stopping Points
يُفضّل الاتفاق مع الطفل مسبقًا على نقاط واضحة لإنهاء وقت استخدام الشاشة، مثل نهاية الحلقة أو الجولة، حتى يشعر بأنه مشارك في اتخاذ القرار.
تقديم تنبيهات مسبقة
يساعد تقديم تنبيهات واضحة قبل انتهاء الوقت على استعداد الطفل للانتقال إلى النشاط التالي، مثل إخباره بأن عشر دقائق أو خمس دقائق متبقية.
المرونة
يمكن إتاحة قدر مناسب من المرونة للسماح للطفل بالوصول إلى نقطة توقف طبيعية، مثل إنهاء جولة أو حفظ نشاط، مع المحافظة على الحدود المتفق عليها.
تقديم نموذج مناسب
يواجه البالغون أيضًا صعوبة في تنظيم استخدامهم للأجهزة. ولذلك قد تبدو مطالبة الطفل بإغلاق جهازه غير متسقة إذا كان الوالدان يستخدمان هواتفهما باستمرار. ومن المهم أن يقدم أفراد الأسرة نموذجًا للعادات التي يرغبون في تعليمها للطفل.
متابعة الأنشطة
ينبغي متابعة طبيعة المحتوى الذي يتفاعل معه الطفل عبر الإنترنت والتأكد من ملاءمته لعمره ومن سلامة الأشخاص والمنصات التي يتواصل من خلالها.
تشجيع الأنشطة البديلة
من المهم توفير أنشطة متنوعة خارج نطاق الشاشة، مثل الرياضة، والفنون، والأنشطة الاجتماعية، بدل الاكتفاء بمنع الجهاز دون تقديم بدائل مناسبة.
فهم الاحتياجات الانفعالية
قد يستخدم الأطفال الشاشة وسيلة للتعامل مع الضغط أو التعب. لذلك، ينبغي فهم الحاجة التي يلبيها الاستخدام والعمل مع الطفل على إيجاد بدائل مناسبة عندما يكون ذلك ممكنًا. وفي بعض الحالات، قد تساعد فترة محدودة من استخدام الشاشة الطفل على الراحة بعد يوم دراسي يتطلب جهدًا اجتماعيًا أو حسيًا كبيرًا.
ختامًا
يمكن للوالدين مساعدة أطفالهم على بناء علاقة صحية مع التقنية من خلال التواصل المفتوح، ووضع حدود واضحة، ومراعاة الاحتياجات الفردية.
ويجب النظر إلى وقت استخدام الشاشة ضمن السياق العام لحياة الطفل. فإذا كان الطفل مشاركًا في التعلم، ويمارس أنشطة متنوعة، ويحصل على نوم وحركة كافيين، ويحافظ على علاقاته الاجتماعية، فقد يكون القلق بشأن عدد الساعات أقل. أما إذا بدأ الاستخدام بالتداخل مع هذه الجوانب، فينبغي إعادة تنظيمه بما يعيد التوازن إلى حياة الطفل.
المرجع:
Neurodivergent Kids and Screen Time
https://childmind.org/article/screens-and-neurodivergent-kids/





