ترجمة: أ. سوار الماجري
تُعد العلاقة بين اضطراب طيف التوحد واضطرابات الأكل واحدة من أكثر القضايا العصبية والنفسية تعقيداً في الطب النفسي الحديث. تشير الدراسات والبيانات الإكلينيكية إلى أن الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد يسجلون معدلات إصابة باضطرابات السلوك الغذائي أعلى بكثير مقارنة بعامة السكان؛ حيث تُظهر الأبحاث أن نسبة كبيرة من الإناث اللاتي يعانين من الانوِكسيا (فقدان الشهية العصبي Anorexia Nervosa) يلبين أيضاً المعايير التشخيصية لاضطراب طيف التوحد. إن هذا التقاطع ليس محض مصادفة بيئية، بل هو حصيلة تفاعل مركّب بين الحساسيات الحسية، الجساءة المعرفية، آليات التكيف الانفعالي، والضغوط الاجتماعية الممارسة على ذوي الاختلاف العصبي.
الحساسيات الحسية ومعالجة المدخلات الغذائية
تُعتبر الاختلافات في المعالجة الحسية والاستجابات غير النمطية للمثيرات البيئية الشفهية والافتراضية أحد أبرز العوامل المؤدية لنشوء سلوكيات الأكل الانتقائية (Food Selectivity) والاضطرابات الغذائية لدى الأفراد على اضطراب طيف التوحد؛ إذ تتشكل السلوكيات الطعامية لديهم بناءً على معالجة حسية مختلفة واستجابات معقدة تفوق ما يختبره أقرانهم النامون طبيعياً:
القوام والطعم والرائحة: يختبر الطفل أو البالغ ذو اضطراب طيف التوحد مثيرات الطعام بشكل مضاعف ومكثف نتيجة الفرط الحسي الشديد؛ فقد يؤدي القوام المقرمش، الأليفي، أو اللين جداً، إلى جانب الحرارة العالية أو المذاقات الحادة والحامضة والمرّة، والاختلاف الفجائي في المذاق والروائح النفاذة (كالأسماك واللحوم)، إلى رد فعل حسي عكسي ناتج عن النفور والحساسية المفرطة يصل إلى الغثيان، والرفض التام، أو نوبات الانهيار الحسي (Meltdowns) والارتباك السلوكي. ويميل أفراد التوحد غالباً إلى تفضيل القوام الناعم، الكريمي، أو شبه السائل لسهولة مضغه والسيطرة عليه.
ألوان الطعام ومظهره البصري: يرفض العديد من الأطفال تناول أطعمة ذات ألوان معينة فاقعة، حيث يفضلون الألوان الباهتة والهادئة المقبولة بصرياً. كما يظهرون نمطية وطقوسية صارمة تتمثل في الرفض القاطع لتلامس مكونين مختلفين أو أصناف متعددة الملمس في الطبق نفسه، مما يتطلب استخدام أطباق مقسمة لمنع تلامس الطعام. يقلل هذا الجمود السلوكي والخوف من الأطعمة الجديدة (Food Neophobia) نطاق الأطعمة “المأمونة حسياً” (Safe Foods) ويحصرها في خيارات محدودة وتنبؤية لا تتغير خصائصها كالأطعمة فائقة المعالجة.
البيئة الحسية للمائدة: لا تقتصر المشكلة على الطعام ذاته، بل تتعداه إلى البيئة المحيطة؛ فالأضواء الساطعة والفلورية، وأصوات الملاغِق وإطلاق المضغ من الآخرين، والضوضاء، والروائح القوية المنبعثة من المطبخ، والازدحام حول المائدة، تصنع حملًا حسيًا زائدًا (Sensory Overload) يستنزف الطاقة المعرفية للطفل ويجعل تجربة الأكل برمتها مصدراً دائماً للضغط النفسي وقلق الوجبة.
اضطراب الإدراك الداخلي (Interoception) والتنظيم الذاتي
تتعدى المعالجة الحسية الحواس الخمس التقليدية لتصل إلى حاسة الإدراك الحسي الداخلي (Interoception)، وهي النظام العصبي والقدرة البيولوجية المسؤولان عن قراءة واستيعاب وتفسير الإشارات الفيزيولوجية الصادرة من أجهزة الأعضاء الداخلية للجسم. يلعب هذا النظام دوراً محشوراً ومباشراً في التنظيم الذاتي (Self-Regulation) والحفاظ على التوازن الجسدي والنفسي، وعندما يواجه أفراد طيف التوحد اختلالات في هذه الحاسة، ينعكس ذلك بوضوح على سلوكياتهم الغذائية ونمط حياتهم:
صعوبة التمييز بين الجوع والشبع وتفسير الإشارات الجسدية: يعاني العديد من أفراد التوحد من ضعف وإرباك في إدراك وتفسير الإشارات الجسدية الحيوية مثل ضربات القلب، انقباضات المعدة، أو امتلاء المثانة؛ مما يجعل من الصعب عليهم التمييز المتوازن ودقيق بين مشاعر الجوع الحقيقي، والجوع العاطفي، والشبع الكامل، أو امتلاء المعدة. قد يؤدي هذا القصور الإدراكي إما إلى نسيان تناول الطعام لفترات طويلة نتيجة عدم الشعور بإنذارات الجوع البيولوجية، أو الاستمرار في الأكل المفرط لغياب الشعور الواضحة بالشبع والامتلاء.
تطور اضطراب تناول الطعام التجنبي/المقيد (ARFID): يساهم هذا الخلل التشخيصي والإدراكي بشكل مباشر في نشوء وتطور “اضطراب تناول الطعام التجنبي/المقيد” (Avoidant/Restrictive Food Intake Disorder – ARFID). وفي هذا الاضطراب، ينقطع الفرد أو يمتنع عن الأكل ليس رغبة في تخسيس الوزن أو مخاوف تتعلق بصورة الجسد والشكل العام، بل نتيجة غياب الدافع الحسي الداخلي للجوع، أو بسبب النفور الشديد من الخصائص الحسية للطعام، أو الخوف المرضي والقلق الشديد من تَبِعات تناول الأكل كالتعرض للاختناق، الغثيان، أو القيء.
تأثير الاضطراب على التنظيم العاطفي والانفعالي: ترتبط حاسة الإدراك الداخلي ارتباطاً وثيقاً بالقدرة على الوعي بالمهدئات والتغيرات العاطفية. فالإخفاق في معالجة الإحساس الداخلي يمنع الفرد من ربط التغيرات الجسدية (مثل تسارع ضربات القلب أو إجهاد المعدة) بحالات القلق، التوتر، أو الإرهاق النفسي؛ مما يدفع بعضهم إلى استخدام الامتناع عن الطعام أو الأكل القهري كاستراتيجية غير متكيفة للسيطرة على البيئة وتخفيف الضغط العصبي والمشاعر غير المفهومة.
الجساءة المعرفية، الروتين، والاهتمامات المحدودة
تُشكل الصلابة المعرفية والحاجة الماسة للتنبؤ والاستقرار السلوكي بيئة خصبة لتثبيت أنماط غذائية حادة:
الطقوس الغذائية الصارمة: يميل الفرد ذو اضطراب طيف التوحد إلى وضع قواعد صارمة حول كيفية تحضير الطعام، ومواعيده، والأواني المستخدمة. وبسبب ضعف المرونة المعرفية (Cognitive Inflexibility)، يصبح التخلي عن هذه الروتينيات أمراً في غاية الصعوبة، مما يحول السلوك الروتيني إلى اضطراب غذائي مقيد.
الاهتمام الشديد بحساب السعرات: قد يتحول التركيز المتخصص الشديد (Restricted Interests) -وهو سمة أساسية في التوحد– إلى الهوس بالأرقام، القيمة الغذائية، وحساب السعرات الحرارية أو القراءات البدنية؛ فتصبح السيطرة على مدخلات الطعام مجرد ممارسة لنشاط فكري مكثف يخرج عن السيطرة.
السيطرة على القلق والتعبير عن المشاعر (Alexithymia)
يواجه الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد معدلات مرتفعة من اضطرابات القلق والاكتئاب، فضلاً عن ظاهرة “الأليكسيثيميا” (صعوبة التعرف على المشاعر الذاتية وتسميتها):
الأكل كوسيلة للسيطرة (Control Mechanism): في عالم يشعر فيه الفرد بعدم القدرة على التنبؤ بالمثيرات الخارجية أو فهم التعقيدات الاجتماعية، يصبح الجسد والطعام الساحة الوحيدة التي يمتلك فيها سلطة مطلقة وتحكماً كاملاً.
الهروب من التوتر الانفعالي: يُستخدم التقييد الشديد للطعام أو الإفراط فيه كوسيلة حيوية لتخدير الشعور بالقلق والارتباك العاطفي في غياب وسائل تعبيرية لفظية ميسرة.
الضغوط الاجتماعية، التخفي (Masking)، والرغبة في القبول
تتعرض الإناث على وجه الخصوص لضغوط مجتمعية هائلة للاندماج والمطابقة النمطية:
محاولة التكيف عبر مظهر الجسد: قد تفسر الفتاة ذات اضطراب طيف التوحد عدم قدرتها على بناء العلاقات الاجتماعية بأنه نتيجة لشكل جسدها؛ فتسعى للوصول إلى النحافة كاستراتيجية مدروسة للحصول على القبول الاجتماعي والشعور بالانتماء للقرناء.
جهد المقنعة العصبية (Camouflaging): يُستهلك جزء كبير من الطاقة الذهنية اليومية للفرد ذو اضطراب طيف التوحد في إخفاء سماته العصبية لتفادي التنمر، مما يولد إرهاقاً نفسياً يستثير السلوكيات الاضطرابية تجاه الطعام للتعامل مع هذا النزيف النفسي المستمر.
التحديات الكلينيكية وأهمية التكييف العلاجي
إن تقاطع اضطراب طيف التوحد مع اضطرابات الأكل يفرض إعادة نظر شاملة وجذرية في بروتوكولات التشخيص والعلاج التقليدية:
قصور وفشل العلاجات التقليدية: تعتمد العلاجات السلوكية المعرفية (CBT) القياسية لاضطرابات الأكل على افتراض وجود صورة جسدية مشوهة وهوس بالوزن كسبب رئيسي؛ بينما في حالة التوحد، يكون المحرك الحقيقي عائداً لعوامل حسية، وتنظيمية، وانفعالية، ومحاولة للسيطرة على البيئة. كما أن الأساليب التقليدية قد تتجاهل الاختلافات المعرفية وصعوبات الإدراك الداخلي (Interoception) والتعبير عن المشاعر (Alexithymia) لدى هذه الفئة.
ضرورة مراعاة النمذجة العصبية والتعديلات الحسية: يجب أن تتضمن خطط العلاج احتراماً تاماً للحساسيات الحسية المفرطة تجاه القوام، الطعم، والروائح. يتطلب ذلك توفير بيئة علاجية منخفضة المثيرات (مثل خفض الإضاءة الساطعة وتقليل الضوضاء)، والعمل التدريجي البطيء لتقديم الأطعمة دون إجبار الفرد على تناول أصناف تسبب له إجهاداً حسياً شديداً أو نوبات انهيار.
التكييف التطبيقي والبيئي لأوقات الوجبات: يتطلب النجاح العلاجي مراعاة الطقوسية والجمود السلوكي عبر استخدام أطباق مقسمة لمنع تلامس الأصناف مختلفة الملمس، وتثبيت أدوات المائدة وأماكن الجلوس لتلبية الحاجة إلى التماثل والتنفيذ الروتيني المأمون.
التكامل بين الرعاية النفسية والجسدية: ينبغي ألا يقتصر التدخل على الجانب السلوكي والنفسي فحسب، بل يجب استبعاد الأسباب العضوية الخفية التي قد تُترجم إلى سلوكيات امتناع أو توتر؛ مثل مشاكل وصحة الفم والأسنان (كالتسوس أو التهاب اللثة)، والاضطرابات الهضمية المصاحبة كالإمساك المزمن والارتجاع المريئي.
خاتمة
إن الفهم العميق لسبب ارتفاع معدلات اضطرابات الأكل بين ذوي اضطراب طيف التوحد ينقل المعالجة من إطار التقييم السطحي للسلوك الغذائي إلى فهم التركيبة العصبية والنمائية الشاملة للفرد. إن الانقطاع عن الطعام أو الصرامة شديدة التعقيد في تناوله ليسا مجرد رغبة في النحافة أو سلوكيات عناد، بل هما نداء استغاثة عصبي للتعامل مع بيئة غامضة أو حساسية مفرطة. يظل التدخل الناجح مرهوناً بوعي الكوادر الطبية والأسرية بهذه التشابكات، وتبني منهجيات تدعم التنوع العصبي، وتضمن توفير الأمان الحسي والعاطفي الذي يحتاجه الفرد لبناء علاقة صحية وآمنة مع الطعام ومع ذاته.
المرجع :
why-so-many-autistic-individuals-have-eating-disorders
https://autismspectrumnews.org/why-so-many-autistic-individuals-have-eating-disorders/





