الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تجارب الصحة النفسية لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد 

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

التحديات الشائعة المرتبطة بالصحة النفسية
قد يواجه الأشخاص المشخّصون باضطراب طيف التوحد مجموعة من التحديات النفسية المعقدة والفريدة، والتي تتأثر بعدة عوامل متداخلة. هذه التحديات قد تؤثر على كيفية ظهور الأعراض لديهم أمام المختصين أثناء عمليات التشخيص والتقييم، كما قد تؤثر لاحقًا على دقة التشخيص وطبيعة التدخلات العلاجية المقدمة لهم. لذلك، من المهم إيلاء هذه الجوانب اهتمامًا خاصًا.

إذا كان القارئ من الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد ويجد نفسه في هذه التحديات، فمن المهم التأكيد على أنه ليس وحده في هذه التجربة. من المفيد مناقشة هذه الجوانب مع مقدمي الرعاية الصحية، والبحث عن الدعم المناسب، والتعامل مع الذات بلطف وتفهم. أما بالنسبة للأهالي أو الأخصائيين أو المعلمين، فإن الوعي بهذه التحديات يسهم في تحسين طرق التواصل والفهم، ويعزز تقديم دعم أكثر حساسية وفعالية.

الإرهاق المرتبط باضطراب طيف التوحد (Autistic Burnout)
يُعد الإرهاق المرتبط باضطراب طيف التوحد حالة من الاستنزاف الجسدي والنفسي والعاطفي، تنتج عن محاولة التكيف المستمر مع بيئة لا تدعم احتياجات الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد. وقد تظهر هذه الحالة بشكل واضح خلال فترات التغيير أو الانتقال في الحياة، أو نتيجة وجود توقعات مرتفعة وغير واقعية سواء من الشخص نفسه أو من الآخرين.

لا يقتصر هذا الإرهاق على الشعور بالتعب العابر، بل يتجاوز ذلك ليشمل شعورًا عميقًا بالإنهاك. فعلى سبيل المثال، قد يوفر النوم أو الراحة المؤقتة بعض التحسن، إلا أنه لا يمثل حلاً طويل المدى لهذه الحالة.

قد يرتبط هذا النوع من الإرهاق بمحاولات الإخفاء المستمرة للسمات التوحدية، خاصة لدى الإناث المشخّصات باضطراب طيف التوحد. وعند استمرار هذه الحالة دون تدخل، قد تؤدي إلى مشكلات نفسية أكثر خطورة مثل الاكتئاب أو الأفكار الانتحارية. لذلك، يُوصى بطلب الدعم من مختص في الصحة النفسية، بالإضافة إلى تطبيق استراتيجيات إدارة الضغوط، والحصول على دعم مهني، والالتزام بروتين للعناية الذاتية.

الإخفاء أو التمويه (Autistic Masking / Camouflaging)
يشير الإخفاء إلى محاولة كبت أو إخفاء السمات التوحدية بهدف التكيف مع المعايير الاجتماعية السائدة أو “الاندماج” مع الآخرين. وعلى الرغم من أن هذا السلوك قد يساعد في التكيف المؤقت، إلا أن الجهد المبذول فيه قد يكون مرهقًا نفسيًا وعاطفيًا، وقد يسهم في تفاقم القلق أو نوبات الهلع أو الاكتئاب.

إن تقبّل الذات والسماح للنفس بالتعبير عن الهوية الحقيقية دون إخفاء، سواء في العمل أو المدرسة أو المناسبات الاجتماعية، يسهم في تعزيز الثقة بالنفس وتقليل مستويات القلق. كما أن الانخراط في مجتمعات داعمة، سواء كانت مرتبطة باضطراب طيف التوحد أو بالاهتمامات المشتركة أو الخلفيات الثقافية أو الدينية، يساعد على الشعور بالانتماء. وقد أظهرت التجارب أن العيش بصدق مع الذات يسهم في تحسين جودة الحياة والصحة النفسية.

تنظيم الانفعالات
يشير تنظيم الانفعالات إلى القدرة على التعرف على المشاعر وإدارتها والاستجابة لها بطريقة مناسبة. ويواجه العديد من الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد صعوبات في هذا الجانب، نتيجة اختلافات في المعالجة الحسية، أو مهارات التواصل، أو الفهم الاجتماعي.

قد يظهر ذلك في صورة شعور مستمر بالإحباط أو صعوبة في التحكم في الانفعالات، مما قد يؤدي إلى نوبات انفعالية أو ارتفاع مستويات التوتر والقلق، وقد يتطور الأمر إلى إرهاق أو انسحاب.

تُعد التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية (Mindfulness) وتقنيات الاسترخاء مثل التأمل أو الاسترخاء العضلي التدريجي من الأساليب الفعالة في تعزيز الوعي بالمشاعر وتنظيمها. كما أن النشاط البدني يلعب دورًا مهمًا في تحسين المزاج وتنظيم الانفعالات، سواء كان ذلك من خلال المشي، أو القفز، أو الرقص، أو ممارسة الرياضة بشكل منتظم.

التنمّر
تشير الأدلة إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال والمراهقين المشخّصين باضطراب طيف التوحد يتعرضون للتنمّر، وقد تتجاوز هذه النسبة 60%. ويكون طلاب المرحلة الثانوية أكثر عرضة لهذه التجارب. كما قد يستمر التنمّر في مراحل لاحقة من الحياة، مثل بيئة العمل أو عبر الإنترنت أو في المواقف الاجتماعية.

يتخذ التنمّر أشكالًا متعددة مثل الإيذاء اللفظي أو الإقصاء الاجتماعي أو المضايقة، وقد يؤدي إلى آثار نفسية سلبية مثل القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات. وفي بعض الحالات، قد لا يتمكن الشخص من التعرف على تعرضه للتنمّر أو التعبير عنه.

قد يؤدي التنمّر إلى زيادة العزلة الاجتماعية، ويرتبط بارتفاع احتمالية ظهور مشكلات نفسية وجسدية، مثل اضطرابات النوم أو الصداع أو مشكلات الجهاز الهضمي. كما أظهرت الدراسات أن المراهقين المشخّصين باضطراب طيف التوحد الذين يتعرضون للتنمّر يكونون أكثر عرضة للأفكار الانتحارية مقارنة بغيرهم.

الوقاية تُعد خطوة أساسية، وذلك من خلال توعية الأطفال بحدود السلوك المقبول وغير المقبول، وتعليمهم التعرف على التنمّر وطلب المساعدة عند الحاجة. كما يمكن أن تسهم جلسات العلاج الفردي أو الجماعي في التخفيف من آثار هذه التجارب.

الصدمة النفسية (Trauma)
تُعرّف الصدمة النفسية بأنها استجابة انفعالية لحدث شديد مثل الحوادث، أو العنف، أو الإهمال، أو فقدان أحد المقربين، أو الكوارث. وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد قد يكونون أكثر عرضة لهذه التجارب، خاصة بسبب صعوبات التفاعل الاجتماعي أو الفهم، مما قد يزيد من احتمالية تعرضهم للإساءة أو الاستغلال.

قد تؤدي الصدمة إلى مجموعة من الأعراض مثل القلق، الاكتئاب، صعوبة التركيز، اضطرابات النوم، أو تغيرات في الشهية، إضافة إلى انخفاض تقدير الذات. وفي بعض الحالات، قد تكون هذه الأعراض هي المؤشر الأول على تعرض الشخص لحدث صادم، خاصة إذا كان يعاني من صعوبات في التواصل.

قد يتم تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة عندما تستمر الأعراض لفترة طويلة وتؤثر على جوانب الحياة اليومية. وقد أظهرت بعض الدراسات أن الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد قد يعانون من أعراض إعادة التجربة بشكل أكبر من غيرهم.

تُعد العلاجات المعرفية السلوكية الموجهة للصدمة من الأساليب الفعالة، خاصة عندما يتم تكييفها لتتناسب مع أساليب التواصل والاحتياجات الحسية الخاصة بالشخص.

المشكلات الحسية
تُعد المشكلات الحسية جزءًا من السمات الأساسية المرتبطة باضطراب طيف التوحد، وقد تظهر في شكل فرط حساسية أو انخفاض حساسية تجاه المثيرات المختلفة مثل الأصوات أو الضوء أو اللمس.

قد تكون بعض المحفزات مثل الأضواء الساطعة أو الأصوات العالية أو الروائح القوية أو بعض الملمس مزعجة للغاية، وقد تؤدي إلى ما يُعرف بفرط التحميل الحسي. وقد يستجيب بعض الأفراد بتجنب هذه المثيرات، مثل تغطية الأذنين أو رفض بعض الأطعمة أو الملابس، بينما قد يسعى آخرون إلى البحث عن مدخلات حسية إضافية من خلال حركات أو أصوات معينة.

حتى توقع التعرض لمثيرات حسية مزعجة قد يؤدي إلى القلق أو التوتر، وقد يتطور إلى نوبات هلع أو استجابات صدمية.

يمكن أن تساعد البيئات الداعمة حسيًا، مثل الأماكن الهادئة ذات الإضاءة الخافتة، إلى جانب استخدام أدوات حسية مثل البطانيات الثقيلة أو الأدوات الحسية الصغيرة، في تقليل هذا العبء. كما يمكن أن يسهم العلاج الوظيفي في تحسين معالجة المدخلات الحسية، في حين يساعد العلاج المعرفي السلوكي في التعامل مع القلق المرتبط بهذه المشكلات.

خلاصة
تُظهر هذه التحديات مدى تعقيد التجارب النفسية لدى الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وأهمية تقديم دعم شامل يأخذ في الاعتبار الجوانب النفسية والحسية والاجتماعية. إن الفهم العميق لهذه التحديات، والتعامل معها بأساليب علمية وإنسانية، يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز الصحة النفسية لهم ولأسرهم.

المرجع

Mental health experiences of autistic people https://www.autismspeaks.org/mental-health-experiences-autistic-people