الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تأثير الصداقات على الصحة النفسية : 23 طريقة مدهشة يُشكّل بها الآخرون حياتنا

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري


دوائر التعزيز

توفر الصداقات الحماية بطرق متعددة، بدءًا من إبطاء الشيخوخة الخلوية وصولًا إلى ردع التنمّر وتعزيز تقدير الذات. فوجود عدد قليل من العلاقات الوثيقة يمنحنا الرعاية والأمان، بينما توفر شبكة أوسع من المعارف فرصًا وتجارب محفّزة—وغالبًا ما نقلل من أهمية هذه العلاقات الواسعة.

ما الذي يعنيه أن نكون كائنات اجتماعية؟

لقد سمعنا مرارًا أن البشر كائنات اجتماعية. لكن ماذا يعني ذلك فعليًا؟ الأصدقاء المقربون، والمعارف العابرون، وحتى الغرباء الذين قد نتحدث معهم صدفة في الشارع—كل هؤلاء ليسوا مجرد إضافات لحياة ممتعة أو مثيرة، بل هم ضرورة بيولوجية بقدر ما هم ضرورة عاطفية. تمامًا كالغذاء والحركة، تساهم العلاقات الاجتماعية في دعم قدرتنا على الأداء بشكل صحي وسليم.

إن التفاعل مع الآخرين ينشّط معظم أنظمة الجسم، ويؤثر في الحالة المزاجية والدافعية، ويشكّل طريقة التفكير والسلوك، كما يعزز الصحة العامة والرفاهية، بل وحتى طول العمر. وقد أظهر مجال علمي يُعرف بـ”الجينوميات الاجتماعية” أن التجارب الاجتماعية يمكن أن تُشغّل أو تُعطّل بعض الجينات، خاصة تلك المرتبطة بالجهاز المناعي، مما يسهم في حماية الحمض النووي. في المقابل، يؤدي غياب العلاقات الاجتماعية إلى تدهور ملحوظ في جوانب متعددة من حياة الإنسان.

تناول الطعام مع الآخرين: تأثير يتجاوز المتعة

قبل الاستمرار، خذ لحظة للتخطيط لوجبة قادمة مع شخص أو شخصين. تناول الطعام مع الآخرين—والتواجد الجسدي معهم والمشاركة في نشاط مشترك—يحفّز إفراز مادة “بيتا-إندورفين”، وهي مادة كيميائية طبيعية تعمل كمسكّن للألم الجسدي والعاطفي، وفي الوقت ذاته تعزز الشعور بالسعادة.

ترتبط هذه المادة بمستقبلات خاصة في الدماغ، مما يولّد شعورًا بالأمان والدفء والرغبة في التقارب مع الآخرين. ولا يقتصر دورها على ذلك، بل تساهم أيضًا في تقليل التوتر، وتنشيط مناطق الدماغ المرتبطة بالتفكير الاجتماعي، وتعزيز إنتاج خلايا مناعية تحارب الفيروسات والأمراض.

عدد العلاقات المثالي

يرى عالم النفس التطوري روبن دنبار أن الدماغ البشري قادر على إدارة عدد محدود من العلاقات الاجتماعية، يُعرف بـ”عدد دنبار”، والذي يُقدّر بحوالي 150 علاقة. ومع ذلك، فإن أفضل أداء نفسي واجتماعي يتحقق عندما يكون لدى الفرد نحو خمس علاقات وثيقة.

هذه العلاقات القريبة تتطلب استثمارًا كبيرًا من الوقت والطاقة العاطفية، لكنها توفر أعلى مستويات الدعم والرضا. الحفاظ على هذا العدد المحدود يساعد على ضمان جودة العلاقة بدلًا من التشتت في علاقات كثيرة ولكن سطحية.

ما وراء الصداقات القريبة: أهمية العلاقات الضعيفة

لا تقتصر أهمية العلاقات على الأصدقاء المقربين فقط. فالمعارف أو ما يُعرف بـ”العلاقات الضعيفة” تلعب دورًا مهمًا أيضًا. هذه العلاقات، التي قد تكون مع زملاء العمل أو الجيران أو الأشخاص الذين نلتقي بهم بشكل متكرر، تفتح لنا أبوابًا لفرص وتجارب جديدة.

تُعد هذه العلاقات جسورًا تربطنا بعوالم اجتماعية مختلفة، وتزوّدنا بمعلومات وآراء متنوعة قد لا نحصل عليها من دوائرنا القريبة. كما أنها تعزز المرونة الذهنية وتدعم القدرة على التكيف مع التغيّرات.

وتتميّز هذه العلاقات بأنها لا تتطلب التزامات عاطفية كبيرة، مما يمنح الفرد مساحة للتجربة والتطور دون الخوف من الرفض أو الحكم.

لماذا الحياة الاجتماعية مهمة؟

تؤثر الصداقات الجيدة بشكل مباشر على الصحة النفسية والجسدية، ومن أبرز فوائدها:

  • إبطاء الشيخوخة الخلوية من خلال تقليل الالتهابات

  • خفض مستويات التوتر وهرمون الكورتيزول

  • تقليل احتمالية الشعور بالوحدة والاكتئاب والقلق

  • تعزيز تقدير الذات والشعور بالرضا عن الحياة

  • الحماية من التنمّر

  • تحسين وظائف الدماغ وزيادة المادة الرمادية في مناطق التعاطف واتخاذ القرار

  • تعزيز الذاكرة والأداء المعرفي

  • تقوية الجهاز المناعي

  • تقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة

  • خفض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب

  • تقليل خطر الوفاة المبكرة

كما تُظهر الدراسات أن التفاعل الاجتماعي يعزز الترابط بين مناطق الدماغ المسؤولة عن فهم الآخرين، مما يدعم ما يُعرف بـ”الإدراك الاجتماعي”.

كيف نبدأ بالتواصل؟

في عالم أصبح فيه الناس منشغلين بهواتفهم، قد يبدو من الصعب بدء محادثة. لكن الواقع يشير إلى أن الآخرين أكثر تقبّلًا للتواصل مما نتوقع.

لبدء تفاعل بسيط:

  • ابتسم وابقَ منفتحًا

  • ابدأ بتعليق بسيط على البيئة المحيطة

  • قدّم مجاملة صادقة

  • اطلب رأي الشخص الآخر

  • اسأل عن توصيات

  • اقترح متابعة التواصل لاحقًا

هذه الخطوات الصغيرة يمكن أن تكون بداية لعلاقات أعمق.

قوة العلاقات الداعمة

تشير الدراسات طويلة المدى إلى أن أهم عامل للتنبؤ بالسعادة وطول العمر هو وجود علاقات ذات جودة عالية. الصداقات الجيدة ليست فقط تلك التي نقضي معها وقتًا ممتعًا، بل هي التي توفر الدعم العاطفي، والثقة، والشعور بالأمان.

أحد أهم عناصر هذه العلاقات هو “التحقق العاطفي”، أي أن يشعر الفرد بأن مشاعره مفهومة ومقبولة. هذا النوع من التفاعل يعزز الاستقرار النفسي، ويساعد على تنظيم الانفعالات.

التحقق العاطفي وتأثيره

عندما يتلقى الشخص استجابة تؤكد أن مشاعره منطقية ومفهومة، فإن ذلك يهدئ الجهاز العصبي ويعزز الشعور بالأمان. في المقابل، يؤدي تجاهل المشاعر أو التقليل منها إلى زيادة التوتر والانزعاج.

وقد أظهرت الدراسات أن التحقق العاطفي:

  • يقلل من الاستجابة السلبية للضغوط

  • يعزز تقدير الذات

  • يقلل من السلوك العدواني

  • يساعد على تنظيم المشاعر

كما تشير دراسات تصوير الدماغ إلى أن الاعتراف بالمشاعر يقلل من نشاط اللوزة الدماغية (المسؤولة عن الاستجابة للخطر)، ويزيد من نشاط المناطق المسؤولة عن تنظيم الانفعالات.

من الخارج إلى الداخل

تشمل عبارات التحقق العاطفي:

  • “من الطبيعي أن تشعر بذلك”

  • “أفهم وجهة نظرك”

  • “مشاعرك منطقية في هذا الموقف”

  • “أتفهم ما تقصده”

وحتى عند الاختلاف، يمكن التعبير بطريقة داعمة مثل:
“أتفهم وجهة نظرك، وأود أن أضيف منظورًا آخر.”

خلاصة

العلاقات الاجتماعية ليست رفاهية، بل هي عنصر أساسي في الصحة النفسية والجسدية. من الأصدقاء المقربين إلى المعارف العابرين، يشكّل الآخرون جزءًا لا يتجزأ من تكويننا الإنساني. إن الاستثمار في هذه العلاقات—سواء بالحفاظ على العلاقات القوية أو توسيع شبكة العلاقات الضعيفة—يساهم في بناء حياة أكثر توازنًا ومرونة ورضا.

في النهاية، نحن لا نعيش بمفردنا، بل من خلال شبكة من العلاقات التي تشكّلنا بطرق قد لا ندركها، لكنها تؤثر في كل جانب من جوانب حياتنا.

المرجع 

The Friend Effect: 23 Surprising Ways Other People Shape You Having friends protects you in multiple ways, from slowing cellular aging to deterring bullies to bolstering your self-esteem. https://www.psychologytoday.com/us/articles/202603/the-friend-effect-23-surprising-ways-other-people-shape-you